حكاية الصحافة والوطن

هذا كتاب لجميل مطر الذي هو واحد من أعمدة الصحافة المصرية والعربية، يكتب هنا سيرته مع الصحافة منذ الطفولة.
جميل مطر درس العلوم السياسية في جامعة القاهرة، وحصل على الماجستير فيها من جامعة ماكجيل في كندا عام 1971، وشارك في تأسيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، كذلك في تأسيس جريدة «الشروق»، وله أكثر من كتاب مثل» النظام الإقليمي العربي» مع علي الدين هلال، و»حكايتي مع الدبلوماسية» وغيرها، ويكتب في العديد من الصحف والدوريات العربية والأجنبية. انتخب عضوا في بعض المواقع مثل، مجلس قضايا المرأة، ومجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية. والكتاب صادر هذا العام عن دار الشروق المصرية بعنوان «حكايتي مع الصحافة».
تحظي جريدة «الأهرام» بالنصيب الأكبر في رحلته، ليس لأنه كتب فيها أول مقالاته، أو لأنه عمل فيها وقتا طويلا فقط، لكن هكذا شاءت ظروف تربيته في بيت عائلته.. كانت جريدة «الأهرام» يتركها البائع كل صباح على دوّاسة الشقة الخارجية. فصارت كأنها قدره الذي ينتظره.. صحيفة «الأهرام» التي كنت أنا أصحو مبكرا في صباي وشبابي، لأكون أول من يشتريها يوم الجمعة من بائع الصحف على شاطئ المكس في الصيف والشتاء. كيف كان هو وابنة خالته يقرآن الجريدة سرا، حين يذهب إلى بيت خالته، التي يمنع زوجها الأزهري، أي أحد يقرأ الجريدة قبله، أو قبل أن يقرأ هو منها عليهم. كان مع ابنة خالته يعيدان الجريدة إلى حالتها، باستخدام المكواة للضغط عليها، فتبدو كأن أحدا لم يقرأها من قبل. حديث عن نشأته وتنقله بين روضة أطفال فرانكوفونية، وأخرى ألمانية، وتعليمه منذ المرحلة الابتدائية، ومشاركته مع التلاميذ في الاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملك فاروق، وزهو أمه بصور الاحتفال التي تنشرها الصحف، وفيها تلاميذ يبدو هو بينهم. مغامراته مع جماعة الكشافة التي شجعه أبوه عليها، وخوف أمه من غيابه في رحلاتها، وما جاءت به مغامراته وهو في الجامعة من متاعب في رحلة كشفية إلى أعالي السودان. الأخطر في رحلة إلى مدينة غزة، التي فيها قرَّر هو وأصحابه أن يروا إسرائيل من أقرب نقطة. حدث ذلك فقبض الإسرائيليون عليهم، وبعد تحقيقات استمرت لأربعة أيام، أفرجوا عنهم. لكنهم تعرضوا أيضا للتحقيقات في غزة ولمحاكمة عسكرية، فحكم عليهم بخمسة عشر عاما سجنا، مع إيقاف التنفيذ.
كيف كان عمله الدبلوماسي طريقا إلى الصحافة، فبعد تخرجه من الجامعة تقدم إلى وزارة الخارجية وتم قبوله عام 1957، لكن للعمل الصحافي بالوزارة كأن الصحافة قدره دائما. وصف لأماكن العمل أو حوله في مصر، ثم نقله إلى السفارة المصرية في نيودلهي ملحقا دبلوماسيا يهتم بالصحافة، لفك شيفرة الرسائل ذات الطابع السري، وإعداد الحقائب الدبلوماسية التي تُرسل عن طريق الجو إلى الديوان العام في الوزارة في القاهرة. رحلته مع أصدقاء تعرف عليهم هناك، وحياته معهم في شقة خاصة بعيدا عن الفنادق الغالية، ومن أبرز وأهم ما فيها لقائه بابنة السفير السوري الشاعر عمر أبو ريشة التي صارت زوجته في ما بعد، وكانت في السابعة عشرة وهو في الحادية والعشرين، وعاشا قصة حب لم تنته حتى وفاتها، وكانت في منتصف السبعينيات من عمرها. عمله أيضا في السفارة المصرية في الصين، ومن قابلهم في عمله الدبلوماسي، وفك شيفرات ما يصلهم من برقيات وغيرها، ومنها مقال محمد حسنين هيكل «بصراحة»، ودهشته من التشفير الذي يقال عنه إنه يعطي قوة وصدقا وأهمية. أثار ذلك فضوله أن يعرف أكثر عن محمد حسنين هيكل، الذي سيصبح مرحلة كاملة في ما بعد، هو وجريدة «الأهرام». صحف مختلفة في الصين كنافذة وحيدة يطلون منها على العالم، بينها صحيفة الحزب الشيوعي، التي كانت كل أخبارها مختارة بدقة تتماشي مع سياسة الحزب.

كيف سقطت به الطائرة في رحلة إلى روما للعمل في سفارتها عبر بومباي، وكيف نجا منها. جمال مدينة روما وحرياتها التي تختلف عن الصين، وتقترب من الهند، لكن تختلف عن الهند في خفة الظل الأكثر. من قابلهم وكيف تعلم القراءة بالإيطالية حتى عاد إلى الديوان العام بالوزارة في مصر. أول مقال كتبه في «الأهرام» بعد منحه العضوية في مركز الدراسات الاستراتيجية. لقاؤه الأول بمحمد حسنين هيكل ونصيحته أن تكون مقالاته للقارئ العام، وليس لمتخصص في العلوم أو السياسة. كيف انتقلت جريدة «الأهرام» إلى شارع الجلاء في مبنى جديد، اختاره هيكل في منطقة معروف العشوائية، أملا في تغيير المنطقة. مشاكل في المهنة وكواليس الكتابة، حتى نصل إلى النقطة الفارقة مع أنور السادات، الذي لم يكن يعجبه الكثير مما يُكتب في «الأهرام»، وبصفة خاصة في مركز الدراسات السياسية. الحالة المصرية وقتها في سنوات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 1973 وبعدها، والخلاف مع العرب بعد معاهدة كامب ديفيد ووقف عضوية مصر في الجامعة العربية. في الكتاب دروس وعبر من خلال مواقف وأحداث كثيرة، ومنها الصحافة والسلطة، ومن الذي يخطب ود الآخر، وكيف بعد ثورة يوليو/تموز وجد رجالها الفرصة في التقارب مع أغنياء العصر السابق أو العكس، وكيف كتب هو مقالا عن ذلك تصادف نشره مع زواج ابنة السادات من واحد من العائلات القديمة، فتسبب في غضب السادات. كيف أدرك من علاقاته بهيكل أو أحمد بهاء الدين، أنه لا مشكلة ولا عيب في أن يكون الصحافي قريبا من السلطة، لكن بشروط يجب أن تُراعى وتُحترَم، وكيف على الصحافي أن تكون له مصادر أخرى غير السلطة، من الشارع والمعارضة والمجتمع المدني والمشاهير في الفنون وغيرها.

من حكاياته المهمة زيارة معمر القذافي المتكررة لـ»الأهرام» وعشقه لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، حتى أعلن عن ثورة ثقافية في ليبيا، وكيف كان يرى أن الشعب الليبي هو المشكلة، ويبحث عن الوحدة مع افريقيا بعد أن فشلت الوحدة العربية، وكيف جاءته فكرة الثورة الخضراء، مما سمعه في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام» عن الثورة الثقافية في الصين. كيف لم يكن جميل مطر بين ذلك كله كائنا اجتماعيا بالمعنى الشائع، فأضاع عليه ذلك فرصا كثيرة، فهو يحب دائما أن ينفرد بتفكيره. كيف أقال السادات هيكل بعد سياسته الجديدة مع إسرائيل عام 1974، وكيف أيضا ترك هو العمل في «الأهرام» إلى الجامعة العربية. لقاءات له مع الحبيب بورقيبة الذي كان الحديث معه يتنوع ما بين التأثر والشجن والضحك، فإذا تذكر يوم هروبه من تونس إلى مصر بعد أن بلغه أن الحاكم العسكري الفرنسي أصدر أمرا باعتقاله، يبكي لأن جندي الحدود المصري عند منطقة السلوم لم يعرف من هو، ولم يسمح له بالعبور إلا بعد الاتصالات بالمسؤولين. هكذا تمشي معه حتى إصدار مجلة «وجهات نظر» التي كانت تُعنى بالكتب، وكواليس إنشائها، ودور هيكل وإبراهيم المعلم صاحب دار الشروق في ذلك، ثم انتقاله إلى تأسيس جريدة «الشروق»، ومصر على صفيح ساخن قبل ثورة يناير/كانون الثاني. أحاديث كثيرة وأسماء رائعة في السياسة والصحافة تقف معه عندها مثل نبيل العربي وعمرو موسى وإسماعيل فهمي وأسامة الباز ومحمود فوزي وغيرهم، ومن الصحافيين مثل لطفي الخولي وغيره من الشيوعيين، حيث كانت مؤسسة الأهرام تصدر مجلة «الطليعة»، ومصطفى نبيل رئيس تحرير «الهلال» في ما بعد، وسلامة أحمد سلامة، ومحمد العزبي، وأساتذة وكتاب مثل عبد الملك عودة، غير أسماء عربية كثيرة. ويتفاوت الوقوف معها بين صفحات طويلة مثل هيكل الذي هو عرّاب الصحافة الكبير، ونقطة جذبه القدرية، أو أحمد بهاء الدين، أو أقل مع غيرهم. في النهاية يصل إلى ما جرى للصحافة الورقية من تأثر سلبي بسبب تحولات العالم الرقمي وتدخلات السياسة، وتكون قطعت رحلة رائعة معه وحياته بين الصحافة حقا، لكن معها الوطن وأحوال البلاد، وما ذكرته هو قليل من كثير مما في الكتاب، وتظل تجربة جميل مطر ثرية رائعة لكل الأجيال.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية