تعتري السياسي اللبناني رياض الأسعد خشية من ألاّ يستطيع أبناء الجنوب العودة إلى أرضهم. فإسرائيل ماضية في مخططها بتفريغ القرى والبلدات الحدودية المتاخمة لها في الشمال بعد «حرب الإسناد» لغزة التي دخلها «حزب الله» في اليوم التالي لعملية «السابع من أكتوبر 2023». تشي كتاباته الدائمة على مواقع التواصل الاجتماعي أن حال انكسار تسرَّبت إلى روحه شأنه شأن كثيرين من أبناء الجنوب الذين دفعوا ثمناً باهظاً في الحرب التي آلت في نهاية المطاف إلى تحويل قرى عدة إلى أرض محروقة.
رياض الأسعد، ابن الجنوب الآتي من عائلة تُعرف في القاموس السياسي اللبناني على أنها من العائلات الإقطاعية هو أيضاً حفيد رئيس الحكومة رياض الصلح، أحد رجالات الاستقلال. خَبِر الشاب السياسة باكراً، ودخل والده الطبيب والسفير سعيد الأسعد الندوة البرلمانية حين كان «الوئام» يسود علاقته مع رئيس حركة «أمل» نبيه بري، وحين «حلّ الفراق»، بدأ الأبن طريقاً شاقة ولا يزال، رغم ما يُشكِّله من حضورِ جنوبي، ولا سيما في قضاء الزهراني الذي يترشح عنه للانتخابات النيابية من دون أن ينجح في اختراق سيطرة «ثنائي حزب الله – أمل» على كامل المقاعد الشيعية. يرى أن التحدي الكبير الآن، في زمن النكبة الثالثة للشيعة، هو في كيفية الانتقال من مرحلة انعدام الوزن إلى مرحلة استعادة الوزن، والتي تعني حكماً أداءً سياسياً مختلفاً، إذ لا يمكن أن نبقى نتبع الأساليب والأدوات نفسها.
يتحدث بوجوب أن تكون هناك مقاومة على مستوى البلد كله، وإذا لم تكن كذلك فلا نريدها. وبكثير من الجرأة يقول: نريد مقاومة تكريساً لمنطق الدولة، لكني غير مستعد لمقاومة تريد إسناد غزة أو طهران فـتأخذني إلى الدمار، أما إذا كانت ستسند عيترون أو يارون، أو أي جزء من الجنوب ولبنان، فلْنَقمْ بذلك جميعنا، حيث للدولة الدور الأساسي، وحيث لا سلاح إلا سلاح الجيش. إنما مع وجود الإسرائيلي، علينا التوصل إلى حل يتمثل بالتوازن بين مسؤولية وموجبات الجيش ومسؤولية وموجبات المقاومة، وعلى المقاومة أن تعرف كيف تندمج بهذا الجيش وبهذه الدولة.
وبرأي الأسعد، أن السؤال الأساسي الآتي للغد هو: هل «حزب الله» يستطيع أن يدخل إلى منطق الدولة من دون سلاحه؟ وهل يشعر أن سلاحه هو الضمانة الوحيدة لبقائه؟ وهنا نص الحوار:
○ شهد لبنان للمرة الثانية خلال أسبوع إطلاق صواريخ من الجنوب باتجاه الشمال الإسرائيلي، واستهدف الرد الإسرائيلي للمرة الأولى الضاحية الجنوبية لبيروت، هل برأيك هي رسالة أم بداية تدحرج إلى حرب جديدة؟
• أعتقد أن الحرب لم تنتهِ بعد. في الجنوب هناك سياسة الأرض المحروقة، ولكن أيضاً هناك سياسات متبادلة راهناً يُرسلها الإسرائيلي إلى لبنان بطريقة فجّة كما جرى في قصف الجنوب والضاحية الجنوبية، وبطريقة ناعمة ودبلوماسية عبر الوسيط الأمريكي في اللجنة الميدانية. ومفاد الرسائل أنه يجب تشكيل لجان، وعلينا أن نرتّب موضوع الحدود والانسحابات وعودة أسرى «حزب الله» لدى إسرائيل، وعلينا أن ننتهي من موضوع مزارع شبعا وموضوع الغاز وما إلى هناك من مشاكل عالقة، ولكننا نريد أن نقيم علاقات طبيعية بين لبنان وإسرائيل. يظهر أن لبنان غير قادر على الذهاب إلى خطوة كهذه. ومن هنا تأتي الرسائل بالمباشر.
في الواقع، قراءتي أن هناك جولة من الحرب قد انتهت، ولكن سنشهد جولة ثانية سيتم فيها ضرب المناطق التي تحتوي على قواعد الصواريخ الكبيرة، ولا أستبعد أن تصل إسرائيل إلى الليطاني في الجولة المقبلة. الصورة سوادوية وقاتمة.
○ شعرتُ من خلال محتوى كتاباتك على وسائل التواصل الاجتماعي وكأن ما حصل في الجنوب جعلك «تنكسر»… (مقاطعاً)
• لم أكن أتوقع هذا السؤال، أصابني في الصميم. لم أكن أتوقع أنك تعتقدين أنني أعيش حالة انكسار، فكل كتاباتي تشي برفضي لهذه الحال، مع أنني أصبت بالانكسار أحياناً وفي العمق، ولهذا السبب أفهم «حزب الله» وبيئته عندما يقولون إنهم لم ينكسروا. هذه المرة تأثرت أكثر من ذي قبل، رغم أن الأضرار المباشرة عليَّ وعلى محيطي وإدراكي وجهدي كانت أقل، لكن على المستوى الكبير والأشمل والأعمق كانت الأضرار أساسية.
أنا من الذين يؤمنون بالعمل على الأرض، لذلك عندما أنخرط في أي عملية، سواء أكانت إنقاذية أم إنمائية أم حتّى عسكرية أكون في الواجهة. فمنطقي في العمل السياسي يقول «نحن شركاء»، لا أريدك أن تسير أمامي ولا خلفي إنما إلى جانبي. حرب الـ2024 كنت أراها آتية، لأنني أعرف الإسرائيلي جيداً، فمنطق تفاوضه وبقائه قائم على كسر كل خصم وكل عدو له، ولن يسمح بأن يتكرر ما حدث في الـ2006.
○ كنت تتوقع الحرب على الشاكلة التي حصلت عليها، كيف قرأتها؟
• يمكن لأنني حلَّلتُ ما حدث في الـ2006 بشكل جيد، ولأنني أعرف الكثير من خفايا الأمور. لقد فهمت أن الإسرائيلي لن يرضخ، لذلك نشرتُ أمراً لم يسترعِ الكثير من التعليق، ولكنه كان مهماً جداً بالنسبة لي. لقد نشرتُ العقيدة الإسرائيلية التي طوَّرها الإسرائيلي من الـ2006 لغاية 2020 على ضوء تقرير «لجنة فينوغراد»، ووضتعها في 8 مقالات بعنوان «النهر بعيد عنكم» لكنها في النهاية تقول إن هناك حرباً رابعة. كنت أرى أن الإسرائيلي قادم بشراسته المعهودة. ورغم أنني تخليتُ عن سلاحي الذي لم أحمله ضد لبناني يوماً، إلا أن هناك فكرة كانت تراودني دائماً، وهي أنه في حال تجاوز الإسرائيلي خطوطاً معينة ماذا عليَّ أن أفعل؟ هل أبقى في مكاني متفرجاً؟
خلال الحرب (حرب الإسناد) كنت أتنقل بين الجنوب وبيروت. وكنت أُحضِّر نفسي معنوياً ونفسياً ولوجستياً لحمل السلاح إذا اجتاز الجيش الإسرائيلي خطوطاً معينة؛ لأننا عندها نكون قد دخلنا في حرب وجودية. الذي «كسرني» ليس النتيجة العسكرية، فأنا توقعتها سلفاً، وكنت أعرف مستوى التقدم التكنولوجي الإسرائيلي، فمعالمه وطريقة الاستهداف كانا واضحين خلال حرب غزة (عملية طوفان الأقصى).
○ إذا لم تكن النتيجة العسكرية هي التي «كسرتك»، فأي نتيجة فعلت ذلك؟
• أكثر ما «كسرني» هو عدم إدراكنا كمجتمع لما حدث. بعد ما رأيته من دمار وتدمير فهمت ماذا يريد الإسرائيلي فعله، وفهمت أننا ما زلنا غير واعين للمخاطر والتحديات التي تواجهنا، وطالما أننا بهذا المستوى من التعاطي فلن نستطيع إرجاع ابن الجنوب إلى أرضه.
○ وماذا اختلف عن حرب الـ2006؟
• الذي حدث في العام 2006 أن الأهالي عبروا الطرقات جيئة وذهاباً إلى الجنوب من تلقاء أنفسهم، لكن حالياً، ليس بإمكان المواطنيين الوصول إلى قراهم، وإذا وصلوا يُستهدفون من قبل الإسرائيلي، إذاً، هناك مخطط لإعادة خلق ديموغرافيا جديدة في الجنوب. في العام 78 انخرقت الديموغرافيا، فأناس كثر من قرى الشريط الحدودي ومن عيترون وعيناتا ومحيبيب وبليدا غادروها وسكنوا قرى ثانية في الجنوب وما زالوا هناك وهم مسرورون بذلك، ويذهبون إلى قراهم فقط لقطف الزيتون وللإدلاء بأصواتهم يوم الانتخابات، لكن مصالحهم ومعيشتهم في خارج مناطقهم. ما أخشاه اليوم أن يتكرر هذا الأمر، لماذا؟ لأن الأرض الخالية من سكانها ينتهي مفعولها وتصبح بلا رونق. فما أخشاه هو أن لا يستطيع سكان القرى العودة إلى أراضيهم. هذا أكثر ما «يكسرني». همّي الآن منصبُّ على إيجاد السبل الكفيلة بإعادتهم. هناك محاولات لتغييب دور المجالس البلدية، وللدخول مجدداً في عملية محاصصة لموقع الرئيس ونائب الرئيس بين «الثنائي»، علماً أنه عليهم الآن فتح الباب أمام كل الناس للمشاركة لأنهم جزء من هذه البيئة التي يجب أن تكون هي الحاضنة، وليس «مغازلتها» فقط عند الحاجة. ما أحاول فعله بشكل مبسّط هو الإضاءة على فساد «مجلس الجنوب»، وعلى الفساد في تلزيمات إزالة الردم وإعادة الإعمار وعمليات المسح، والدفع الى فهم أهمية الأطر البلدية والأهلية للمساعدة على العودة.
أنا أتجول في القرى، ومنذ عدة أيام كنت في يارون التي تعني لي الكثير لعدة أمور وبالشخصي، فناصيف النصار الذي هو الرمز الأول لجبل عامل مدفون فيها، وهي بمنزلة البلدة – الرسالة التي تضم تنوعاً بشرياً، فيها المسلم والمسيحي، ويعيشون ويتفاعلون معاً من خلال البلدية والمجتمع. ذهبت إلى يارون لتفقد ضريح ناصيف النصار ولمعرفة ما حل به، فالإسرائيلي فجّره لوجود نفق تحت المقبرة التي تحوَّلت إلى أكوام من التراب. كل شي رمادي، وخلال تجوالي رأيت نسراً يحلق فوق رأسي فتفاءلت بوجوده واعتبرت أنه طالما أن هذا النسر لم يغادر فعليَّ ألا أغادر. اللون الرمادي هو المسيطر، ليس من ألوان أخرى كالأزرق والأخضر وكأن لا أفق، وهذا يخيفني ويحد من حركتي، ويجعلني، إلى حد ما، محبطاً ولكن غير منكسر.
○ في هذه السردية التي قدمتها تبدو وكأنك تقفز فوق المشهد السياسي إلى إعمار الجنوب وعودة أبنائه ولكن أنت تدرك جيداً أن ثمة واقعاً مختلفاً لا بد من أن يحصل في الجنوب..
• في المشهد السياسي، أنا كأحد أبناء الجنوب لم أعد على استعداد للقتال في سبيل فلسطين، علماً أن العلم الفلسطيني على مكتبي، ومجسم القدس في غرفتي، وبالنسبة لي القدس هي قبلتي، ولكن منزلي تهدم وأعدتُ إعماره سبع مرات، ولست على استعداد لإعماره من جديد، أنا أريد إعماره للمرة الثامنة والأخيرة. هناك قضية أكبر مني، ودعيني أقولها بشكل مبسط، نحن أهل الجنوب دفعنا ما فيه الكفاية ثمناً لهذه القضية، فهي ليست قضية سياسية، ولا مسألة جيران، أو حدود مصطنعة، هي قضية إنسانية، هناك أرواح تباد في فلسطين. ولكن بالنسبة لي أنا قدَّمت ما فيه الكفاية، والمطلوب الآن أن نروي أراضينا بمياهنا وليس بدمائنا. أريد العودة إلى المفاهيم التي تُثبت أنني أملك هذه الأرض. إعادة الأعمار لا تعني أن أُلزِّم مقاول حتّى يبني لي غرفتين ومطبخ وصالون، أنا أريد العودة لبناء الحياة في الجنوب. الواقع السياسي يفرض نفسه علينا.
لقد مرَّت على شيعة جبل عامل 3 نكبات، الأولى نكبة ناصيف النصار، والنكبة الثانية نكبة وادي الحجير، الأولى عثمانية والثانية فرنسية والثالثة إسرائيلية. النكبة الأولى كانت نكبة شاملة حيث اقتُلع الناس من بيوتهم ومن قراهم، وأُبيدت مكتباتهم وعلماؤهم وهُجِّرت طبقتهم السياسية، ورغم هذا عادت الزعامات بعد 20 عاماً إلى مواقعها واستطاعت استعادة دورها السياسي ليعود إلى الجنوب رونقه وحيويته. التحدي الكبير الآن، في زمن النكبة الثالثة، هو في كيفية الانتقال من هذه المرحلة التي هي مرحلة انعدام الوزن إلى مرحلة استعادة الوزن، والتي تعني حكماً أداءً سياسياً مختلفاً، فلا يمكن أن نبقى نتبع الأساليب والأدوات نفسها. الذين يتكلمون نفس الكلام الذي كانوا يقولونه في مؤتمراتهم وإطلالاتهم الشعبية، يريدون بيعه لنا بعد نحو 35 سنة تخللتها 3 حروب كان آخرها مدمراً. هذا الشيء نعالجه بطريقة معينة من خلال خطاب بديل، وهو غير موجود. في هذه الأيام نسمع خطابات جميلة تُفيد بأننا متمسكون بالدولة، وهذا أمر جيد. هذا الخطاب، وخصوصاً الجنوبي ولن أقول الشيعي، الذي يرتفع الآن لا يصل إلى الناس، لأننا لم نصل لهم ولم نأخذ رأيهم بماذا يفكرون، وانطلقت بصياغة أفكارهم في إطار برنامج عمل سياسي، هناك فقط كلام نخبويّ منبريّ.
○ ولكن إذا سألنا الناس، ماذا سيقولون؟
• الناس وجعهم كبير، الوجع الأول هو قراهم وبيوتهم قبل مقاومتهم. سنة 1985، حين وقعت مجزرة الزرارية نتيجة غارة إسرائيلية على بلدتي كنت هناك، قلت منذ ذلك الوقت إن المقاومة من الناس وإلى الناس، فإذا عادت الناس تعود المقاومة، وإذا لم يعودوا فليس هناك من مقاومة. همّي اليوم هو أن أُعيد الناس إلى بيوتهم في إطار حياة جديدة. مقاومتي لا يمكن أن تكون في هذه المرحلة في سبيل «إسناد غزة»، أو «الدفاع عن القدس»، مقاومتي هي في سبيل كل حجر في عيترون أو يارون. هذه هي مقاومتي.
ولا يمكن لمقاومتي أن تكون حالياً على مستوى الطائفة أو المنطقة. علينا أن نبني مجتمعاً مقاوماً ولا أعني المجتمع الشيعي المقاوم، إنما المجتمع اللبناني المقاوم، كما رأينا كيف كانت الناس لبعضها عندما التجأنا إليهم، يجب أن نشعر أننا كتلة واحدة عند كل استحقاق، سواء أكان شمالياً أم شرقياً أم جنوبياً، وأن نثبت أن عندنا منطق مقاومة. أنا أتكلم كما يتكلم السويسري، 26 كانتوناً أي 26 مقاومة داخل إدارة واحدة في سبيل الدفاع عن الكونفدرالية السويسرية. نحن نستطيع من خلال تشعّب مفاهيمنا وطوائفنا وعاداتنا خلق مجتمع واحد عنده مفاهيمه حول مَن هو العدو وكيفية معالجة الأمر، نستطيع فعل ذلك وفعلناه في مرحلة من المراحل. هذا يعني أن للدولة الدور الأساسي وحالياً الدولة تتمثل في الجيش، ولذلك أنا أقول في هذا المشروع أن لا سلاح إلا سلاح الجيش، ولكن لا نستطيع قول ذلك اليوم والعدو الإسرائيلي يفعل ما يريد في الجنوب ونحن نتفرَّج عليه، يجب أن نصل إلى حل يتمثل بالتوازن بين مسؤولية وموجبات الجيش ومسؤولية وموجبات المقاومة، وعلى المقاومة أن تعرف كيف تندمج بهذا الجيش وبهذه الدولة.
○ أنت تزور القرى والبلدات الجنوبية والمناطق، وتعرف نَفَس الناس. أكيد أن همهم العودة إلى أراضيهم وبيوتهم، ولكن، هل هناك وعي أن ما حصل كان خطأ ودفعوا ثمنه؟ هذا أولاً، وثانياً، ولأن لا إعلام في الجنوب ولا تستطيع معرفة ما يحدث في الجنوب، هل فعلاً «حزب الله» يُخلي مواقعه ويُسلِّم مخازنه وصواريخه؟ وهل الجيش اللبناني يقوم فعلياً بما هو مطلوب منه؟
• أولاً الجيش اللبناني لا يستطيع العمل كما يُفترض أن يعمل لأنه لا يملك الإمكانات اللازمة، هذا الجيش بحاجة لأن تُبنى له مواقع وتجهيزه لوجستياً، هو بحاجة إلى مواقع وعديد وتجهيزات، وهذا الأمر غير موجود. جنوب لبنان بحاجة إلى تغطية حقيقية. لا نستطيع أن نُجلس الجندي في خيمة، هو بحاجة إلى مواقع حقيقية، أي بنى لوجستية من ماء وطعام وتجهيز وتذخير وصيانة ومعدات، وهذا أمر غير موجود، لذلك الإسرائيلي يقول إنه على استعداد للانسحاب عندما يُكمل الجيش مهماته، وإذا لم يستطع الجيش إكمال مهمته نبقى موجودين. دعيني أذكرك أن هذا حدث في 78، الجيش الإسرائيلي عندما دخل الجنوب كله وصدر قرارا مجلس الأمن الدولي 425 و426 بالانسحاب ماذا فعل؟ أوقف الجيش اللبناني في أرزون وخلق الشريط الحدودي وبقي تحت ستار أن ليس هناك من يُؤمِّن له أمنه.
بالمناسبة، فريدريك هوف (دبلوماسي أمريكي سابق وباحث) استعرض في كتابه «الجليل مقسوم» كل المراحل، من ترسيم الحدود ولغاية الـ2006، يقول في الملخص إننا جربنا اتفاقية 17 أيار 1983، و«اتفاقية الهدنة» عام 1949، وجربنا أموراً كثيرة، وفي النهاية كانت الخلاصة أن لا سلام على طرفَي الحدود طالما أن لبنان يفتقد أمرين: لا توجد حكومة مركزية قوية، وليس هناك رضا وقناعة عند سكان جنوب لبنان بأن هذا السلام من مصلحتهم.
إذاً ماذا يفعل الإسرائيلي؟ رأى أن لا قناعة موجودة عند الناس بهذا السلام فيقوم بتفريغها. أهل الجنوب يخسرون إيمانهم بأن هناك من سيهتم بهم، فلا الدولة عادت لعندهم ولا الأساليب المطلوبة لهكذا عملية ضخمة ظاهرة للعيان، فليس من الضروري أن ترسلي أسمنتاً وجرافات وأموالاً، ولكن بالإمكان إرسال إشارات معينة ومجتمع معيَّن ومخططات معينة، وهذا بإمكان الدولة أو المجتمع الخاص فعله، فالشعب الجنوبي يشعر بأنه تمَّ التخلي عنه، وبالتالي هو يلجأ للأقرب إليه ولم يتخل عنه، فهناك التصاق (مقاطعة)
○ ولكن «حزب الله» دمّره؟
• أنتِ تقولين دمره، ولكن الجنوبي يقول إنه في كل الحالات كان سيتدمر. المنطق الذي تتكلمين به هو لا يستطيع التفكير به، لأنه لا يملك شيئاً آخر يفكر به. نحن بحاجة إلى خطاب الآخر، في إحدى المرات كنت جالساً مع أحد المشايخ أثناء تشييع شهداء، وقال لي إن هذا نتيجة غياب الدولة في الجنوب، فقلت له: لماذا لا توجد دولة، هل نسيت دولة الرئيس نبيه بري، هو يضع الدولة في جيبه. فلنخرج من هذه النظرية، وإذا كان هناك أحد حطم الدولة فهو هذا الكلام وهذا المنطق، هم قضوا على الخطاب الآخر، وآخر مثال، عند تشكيل حكومة نواف سلام لم نستطع إلا بصعوبة كبيرة الإتيان بالوزير الشيعي الخامس الذي لا علاقة له، نوعاً ما، بـ«الثنائي» (ثنائي حزب الله – أمل) فكيف لنا أن نُنجز خطاباً آخر طالما الدولة تُلزِّم الإعمار والتعويضات إلى فئة محددة؟
○ رغم الكلام عن عهد جديد وحكومة جديدة وعن شروط دولية، وعن مراقبة وعن أن الدول العربية والغرب لن يدفعوا أموالاً من دون شفافية إلا أننا نرى الطريقة نفسها، وبالتالي هل ستكون الانتخابات من بلدية إلى نيابية تحت سيطرة «الثنائي» من جديد؟
• أنا أقول إن البلدية ليست مشروعاً سياسياً، هي مشروع إنمائي، ولسنا بحاجة لأن نستفتي بالدم الانتخابات البلدية، هذا مشروع إنمائي، قد أفهم ذلك في الانتخابات النيابية. (…) فجأة يريدون الآن إنهاء كل شيء، على الرغم من أن الناس لم تعد إلى منازلها بعد، و«الثنائي» في عجلة من أمره، عليكم الانتظار قليلاً، يريدون انتخابات بلدية وفي الوقت ذاته يقولون إن جرحنا ما زال ينزف، أنا لا أفهم عليهم، هم يريدون الإمساك بالأمور، لكن سؤالي هو: إذا كانت بلديات الجنوب كلها لـ«الثنائي» فمن سيدفع لهم الأموال ليقوموا بعملية إعادة الإعمار؟ إذا كانت البلديات في الشريط الحدودي المدمر رئيسها من «الحزب» ونائب الرئيس من «حركة أمل» فكيف سيكون وضعها؟ هم لا يستوعبون الموضوع. في لعبة التحدي مَن الذي سيصرخ ويقول آخ. هم لن يقولوا ذلك، إنما الناس الذين خارج منازلهم ستبقى تقول آخ. إذاً هناك متاجرة بكلمة آخ، وهذه المتاجرة مستمرة منذ 30 سنة ولم يسمع أحد كلمة الآخ التي نطلقها. لقد خلقوا منظومة اسمها كيفية معالجة الناس وإرجاعها إلى أرضها، لكن اكتشفنا أن هذا الكلام غير صحيح. لا بنى تحتية موجودة ولا بنى فوقية ولا فرص عمل، الهجرة والبطالة في الجنوب.
○ برأيك، هل أصوات النخب الشيعية المعارضة على تزايد في الجنوب بعد الحرب؟
• نعم عددهم يزداد. أنا شخصياً لا أحب التكلم كمعارضة شيعية. أنا معارض وتغييري، كل شعاراتي في الانتخابات النيابية في الـ2009 كانت مع التغيير، وفي الـ2005 كان شعاري الانتخابي «قاوم المحدلة بصوتك»، وفي الـ2000 الأمر نفسه. دائماً شعاراتي كانت تقول إننا لا نتكلم عن منطق شيعي أو مضاد للآخر، إنما نتكلم كمنطق مضاد لهذه المنظومة التي أخذتنا إلى النتائج التي رأيناها.
نحن مجموعة شباب نحض الناس دائماً على المشاركة. لم يحصل استحقاق نيابي أو إنمائي أو رياضي أو بلدي إلا ودخلناه، خسرنا ولكن كنا دائماً من المساهمين به، مما خلق حيوية سياسية قالت للآخر إنك لا تستطيع إلغائي، من يلغيني هو أنا، ومن هذا المنطق كنت دائماً أقول لا تلغي نفسك، اِبقَ على جهوزية، ولذلك إذا أنت ألغيت نفسك لا تستطيع أن تطلب أو تتكلم عن شيء. ولكن إذا بلورت نفسك وأنجزت خطابك، عندها المواطن سينظر إليك، وحتى الآن المواطن لم يرَ الخطاب الآخر، ولذلك ليست عنده خيارات.
○ في نقاشات ما بعد حرب الـ2006، قيل ان إعمار الجنوب والمشاريع الإنمائية و«اليونيفيل» والجمعيات والـNGO كلهم يؤدون إلى إعادة بناء الجنوب وإنمائه وتجعل المواطن الجنوبي يعيش مرتاحاً ولديه ما يمكن أن يخسره، وهذا بحد ذاته يضمن عدم حصول حرب، هذه النظرية سقطت؟
• هذه النظرية سقطت كما سقط الوطن، هل تعرفين لماذا؟ لأنه بعد مؤتمر الطائف فإن أمراء الحرب الذين دمروا لبنان عادوا هم أنفسهم ليحكموه؟ وطالما نحن في إطار هكذا منظومة وهكذا أدوات، فلن نصل إلى خشبة الخلاص، لا على مستوى الجنوب ولا على مستوى بناء الدولة أو بناء الوطن. سنعاني خضة كل 10 أو 15 سنة.
○ هل الشَّارع المنكوب يشعر أن همّه لبنان وبناء الدولة. نعيم قاسم في منتدى القدس عاد للتصعيد. ومَن يُعلن من اللبنانيين أن «حرب الإسناد» كانت خطأً يتم تصنيفه على أنه خائن وصهيوني!؟
• نحن بانتظار مراجعة «حزب الله» وأن يقول ما هي مراجعته، ليس على المستوى العسكري والأمني، إنما مراجعته الحقيقية. كلام نعيم قاسم ما قبل إطلالته الأخيرة عن جنوب الليطاني وشمال الليطاني هي إيجابية بنظري.
○ بمعنى أنه يُقرُّ أن لا سلاح في جنوب الليطاني؟
• صحيح، وهذا ما سيفعلونه. الأساس اليوم هو شمال الليطاني، والحكي هو تعالوا لنعمل ورشة داخلية وحوارا داخليا، ما أخشاه أن ندخل في ورشة داخلية اليوم ولا نخرج منها قبل 20 سنة، وكذلك أخشى أن نواجه داخل هذه الورشة أكثر من مطب ينسف الورشة من أولها إلى آخرها. ومن أجل هذا أنا خرجت بمنطق أنه يجب أن تكون هناك مقاومة على مستوى البلد كله، وإذا لم تكن هناك مقاومة على مستوى البلد فلا نريدها. لا نريد مقاومة شيعية ولا على مستوى الجنوب، ولا مقاومة حزب أو طائفة أو شخصية، ستكون مقاومة تكريساً لمنطق الدولة، كما قلت عن المثل السويسري، فإذا كانت على هذه الشاكلة فأنا معها. لكن أن تريد إسناد غزة أو طهران فتأخذني إلى الدمار، فأنا غير مستعد، أما إذا كنت تسند عيترون، فدعنا جميعاً نسند عيترون.
السؤال الأساسي للغد هو: هل «حزب الله» يستطيع أن يدخل إلى منطق الدولة من دون سلاحه؟ هل يشعر أن سلاحه هو الضمانة الوحيدة لبقائه؟