قدمت السينما المصرية عشرات الأفلام التي نبذت فكرة الثأر والعداء المُطلق المؤدي إلى سفك الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، لكن لم يتطرق كُتاب هذا النوع من الدراما إلى المُعالجات الصادمة للجمهور، كتقديم الكفن من قبل البعض، سبيلا للنجاة من الموت وتجنباً للمزيد من الضحايا، فلا تزال هذه الفكرة مُستهجنة في بعض المُجتمعات الجنوبية باعتبارها مُقترنة بالضعف والهزيمة.
في فيلم «المواجهة» المُنتج عام 1987 للسيناريست الراحل عبد الحي أديب والمخرج أحمد السبعاوي، نرى توضيحاً للتقليد الصعيدي الاستثنائي الهادف إلى وقف تيار القتل والمُحافظة على تماسك المُجتمعات والأسر والعائلات المتورطة في المشاكل والخلافات الكُبرى، كأحد الحلول المُتاحة للتغلب على التأثيرات السلبية للموروث القبلي الراسخ في الثقافة الجنوبية منذ قرون، رغم حصانة العلم والثقافة والتفكير التنويري المتقدم. يأتي الاهتمام بمثل هذه القضايا لعدة أسباب، من بينها حُسن النية في محاولة تقديم نموذج إيجابي للإبداع المُعالج والبناء لهذه القضية الشائكة والمُستعصية على الحل الكامل، فضلاً عن وجود جمهور لهذه الأعمال لا يُستهان به كقاعدة شعبية استهلاكية لديها ميول لمعرفة التفاصيل والملابسات المُحيطة بأزمة الثأر كحالة اجتماعية مُثيرة، تُمثل مرضاً مُزمناً تُعاني منه فئات مُعينة في بعض القرى والنجوع النائية.

الفيلم الذي قام ببطولته فريد شوقي ومحمود ياسين وصفية العمري منذ أربعين عاماً تقريباً، سلك مؤلفة عبد الحي أديب عدة مسارات درامية ليصل بنا إلى نقطة الذروة في الفكرة الرئيسية، فالمهندس الزراعي «أحمد» أو محمود ياسين يقرر الابتعاد عن بؤرة الصراع في قريته، تجنباً للشر ويرفض الثأر لأبيه بالطريقة التقليدية، ويُفضل أخذ الحق بالقانون، لكنه يُفاجأ برصاصة طائشة تستقر في قلب زوجته فتُرديها قتيلة، وهي على محطة القطار تتأهب معه للسفر.
هنا تبدأ حكاية أخرى تُضاف إلى الحكايات الكثيرة المؤلمة عن موروث الثأر وآلامه، فالبطل يواصل هروبه بعيداً عن مُحيط الأعداء ناشداً الاستقرار في موطن آخر أكثر أماناً، ولأنه مهندس زراعي يتحدد اختياره في استصلاح الأرض وزراعتها، وهي رمزية تُشير إلى نقيض القتل والفناء، فالزراعة تعني الاستقرار والأمن والأمان، لكن شياطين الحقد تسبق البطل الذي قدم كفنه لأعدائه وفرّ، فتُحيل الواحة الآمنة إلى جحيم آخر مُستعر.
ويدخل المهندس الزراعي «أحمد « بموجب هذا التحدي هو وأبناؤه في دوامة لا نهائية، فأقاربه يتربصون به لأنه جلب لهم العار بتقديمه الكفن وهروبه، غير أنه يواجه على جانب آخر جبروت «الشيخ سليم» كبير الواحة (فريد شوقي)، ذلك الرجل الذي يهابه الناس خوفاً من طُغيانه، حيث الكل ينصاع صاغراً لأوامره إلا زوجة شقيقة الفقيد «عطيات» (صفية العمري)، هي فقط التي تُعلن تحديها له بسبب استحواذه على ميراثها من زوجها، ومن ثم تجد في المهندس الزراعي الملاذ والحماية. ينتقل بنا المخرج أحمد السبعاوي من مدار إلى مدار آخر بالخلفية الدموية ذاتها، إذ لا فرق بين الشخصيات والثقافات السائدة والاعتقادات المتوارثة، طالما وجدت دوافع الصراع وغابت العدالة الاجتماعية، فسليم الهواري كبير الواحة يُماثل تماماً أهل المهندس أحمد وعائلته، الكل مُتعطش للدماء تسيطر علية فكرة الهيمنة والسيادة ولا مجال للتفاوض في النزاعات القبلية القائمة لأتفه الأسباب أو أعظمها.
وإزاء هذا التشابه المقيت في العدوان ونوازع الشر المُتحكمة في البشر يقدم المخرج أحمد السبعاوي صوراً شتى لعواقب الأذى المجاني، الذي يلحق بالأبرياء، فابنة المهندس تدفع حياتها ثمناً لاستهتار ابن سليم (أحمد سلامة) الذي يقتفي أثرها في رحلة ذهابها وإيابها من وإلى البيت ويقتلها بدم بارد وهو مخمور بعد فشله في اغتصابها. وفي المُقابل يُتهم في جريمة القتل صديقة البريء عبد الله محمود، بلا ذنب منه ولا جريرة، ويأتي الإلماح من جانب المخرج إلى ما يحدث من اعتداءات مُتكررة نتيجة غياب الوعي في إشارة إلى الغيبوبة التي يعيش فيها سُكان الواحة الضالعين في الإجرام الغارقين في تأثيرات الموروث القبلي بمكوناته السلبية.
في نهاية الأحداث يعمل الكاتب على تصفية الحسابات بين الأطراف المُتصارعة فتشتعل المعارك ويعلو صوت الرصاص في مشهد المطاردة، لكن ثمة انتقام إلهي يدفع سليم الهواري إلى قتل نفسه بعد إحساسه بالندم على كل ما ارتكبه من جرائم، حيث يُطلق على نفسه الرصاص في مشهد تراجيدي مُثير، كأنه الثمن يدفعه من روحه ودمه بقصاص عادل من السماء، ليبقى اليقين بأن لكل ظالم نهاية وأن العدالة قد تتأخر بعض الوقت لكنها حتماً ستتحقق إن آجلاً أو عاجلاً.
وتبقى بعض الهنات والعيوب التي قللت من درجة الانفعال بالأحداث وأضعفت تأثيرها، كالأخطاء الجسيمة في اللهجة الصعيدية لمُعظم الأبطال، خاصة فريد شوقي الذي كثيراً ما خلط بين اللهجة البدوية واللهجة الصعيدية واللهجة القاهرية، بغير مراعاة للاختلافات والفروق الشاسعة التي تُميز كل منها، كذلك محمود ياسين لم يفطن بالمرة إلى أهمية اللهجة كنقطة تأثير قوية في شخصية الرجل الصعيدي، أما عن أخطاء المُمثلين الثانويين فقد ضربت عرض الحائط بالقواعد المُتعارف عليها كأساسيات للنُطق السليم للهجة الصعيدية أو البدوية!