على مدى السنوات الماضية، تم تحويل عدد من الأفلام المصرية الشهيرة التي أنتجت في فترتي الخمسينيات والستينيات إلى مُسلسلات، وكان أشهر الأفلام التي جرت لها عمليات التدوير، فيلم «رُد قلبي» لشكري سرحان ومريم فخر الدين والمخرج عز الدين ذو الفقار، وفيلم «الزوجة الثانية» لسعاد حسني وصلاح منصور وسناء جميل. وقد أعقبت هذه التجارب، رغم فشلها، أعمال أخرى أنتجت في فترات لاحقة كان من بينها فيلم «العار والكيف» وغيرها.
ولم يكن الإصرار على تكرار المُحاولات سوى الرغبة في استثمار النجاح الجماهيري للأيقونات السينمائية، مهما شابها من تشويه، فالغرض ليس فنياً أو إبداعياً وإنما هو الاستحواذ على أهم وأفضل ما أبدعه الآخرون لتعطل مواهب الكُتاب والمخرجين الجُدد، وعجزهم عن الإتيان بما يشابه ويُضارع الأعمال المُشار إليها. ولأنه لا يوجد قانون يحمي المُصنف الفني الأصلي من العبث، باعتباره تراثاً فنياً لا يجوز المساس به، فقد تم الحصول على موافقات كتابية من ورثة الكُتاب والمؤلفين مقابل ثمن مُتفق عليه، ومن ثم جاء التصرف الفني بصورته الجديدة على النحو الذي رآه الجمهور على الشاشة غير مُرضي ولا مُمتع.
«شباب امرأة»
آخر التجارب التي تم تدويرها وتحويرها من أفلام مُعتبرة إلى مُسلسلات ضعيفة وممطوطة، فيلم «شباب امرأة» المأخوذ عن رواية للكاتب أمين يوسف غُراب بالعنوان ذاته والمُنتج سينمائياً بتوقيع المخرج صلاح أبو سيف عام 1956. هذا العمل الإبداعي المُتميز الذي قامت ببطولته الفنانة تحية كاريوكا مع الفنان شكري سرحان، هو الذي وقع عليه اختيار كاتب السيناريو والحوار محمد سليمان عبد المالك، ليحوله إلى مسلسل من 15 حلقة، الأمر الذي أوجب الإضافة القسرية على السيناريو الأصلي بحُجة تتبع مسار الشاب الريفي الساذج «إمام» الذي وقع في براثن المرأة المُتصابية المُتسلطة «شفاعات». وفي الواقع أن الإضافات لم تُمثل إلا تفكيكاً للقصة الأصلية، وإضعافاً لتأثيرها النفسي والإنساني والتراجيدي، فلم يستهدف التطويل غير إيجاد مساحات للبطلة غادة عبد الرازق، كي تُبرز مواهبها في بلورة كيد النسا درامياً، وقدرتها على الاصطياد والسيطرة بافتعال واضح لا يتفق مع فن «المعلمة» وأصولها، وفق ما جسدته تحية كاريوكا بتفهم عميق للشخصية الشعبية الضالعة في القيادة، والمُتمرسة على الإدارة، بكل أنواعها، سواء إدارة الوكالة التي تمتلكها أو إدارة الأشخاص.
لقد اهتمت غادة عبد الرازق بالشكل الخارجي للشخصية، أكثر من اهتمامها ووعيها بالمضمون النفسي والتركيبة الإنسانية الداخلية المُختلفة للمرأة الجبروت، صاحبة المواهب والمهارات. لقد ركزت بطلة المسلسل على الإكسسوار فملأت يدها من الكف إلى الذراع بمجموعة من الأساور، اعتقاداً منها أن هذه مُحاكاة للنمط الثقافي الشعبي، في ما يخص زينة المرأة واستعراضها بما تمتلك من مصوغات ذهبية ومُقتنيات ثمينة. كذلك طريقة اللبس واختيار الألوان الصارخة، لم يكن إلا جهلاً بحقيقة ذوق المرأة الشعبية المصرية، خاصة نوعية «شفاعات المعلمة» التي يكمن تأثيرها في قوة شخصيتها أولاً قبل زينتها، ناهيك عن أوجه القصور الأخرى كعدم الدراية بلغة الخطاب وطبيعة الحوار والفروق الدقيقة بين الردح واللهجة الشعبية الدارجة، التي تتسم بالحسم والقطع وليس بالمراوغة والدلال الزائد عن الحد، والخارج في معظم المشاهد عن سياقه الطبيعي المُقنع. كما أن غواية «شفاعات» لـ»إمام» بطل الرواية لم تكن بهذه الفجاجة والمُباشرة، وإنما جاءت متوارية خلف الإيحاءات الخفيفة، واتسمت في كثير من الأحيان بالرومانسية الصادقة، حيث ارتبطت البطلة الفاتنة بعلاقة عاطفية حقيقية كان لها تأثيرها القوي على الشاب الخجول عديم الخبرة. فلم تكن المسألة بالنسبة للمرأة التي تفتقد للحنان والحُب مجرد نزوة، بدليل أنها بذلت كل المحاولات للاحتفاظ بإمام وحاربت بضراوة مشروع زواجه من «سلوى» الفتاة الجامعية المُثقفة وبكت بحرقة لفقدانه.

أما عن دور شُكري سرحان في فيلم صلاح أبو سيف، وما يوازيه في مسلسل عبد المالك والمخرج أحمد حسن، فالمقارنة غير جائزة بالمرة لبُعد المسافة تماماً بين البطلين، فيوسف عُمر البطل الدرامي التلفزيوني، لا يحمل من سمات الشخصية الموجودة في الرواية شيئاً يُذكر، ولا يربطه بـ»إمام» غير الاسم فقط لا غير، فكل المُعطيات المُؤدية للمقارنة منتفية شكلاً وموضوعاً. وإذا اعتبرنا أن التطور في الأحداث والتغيرات التي طرأت على الشخصية هي الحُجج التي فرضت الفروق الجوهرية، فمن الأولى أن نتعامل مع الشخصيتين بوصفهما نموذجين مُنفصلين لا رابط بينهما إلا «شفاعات» القاسم المُشترك الوحيد!
وعن الأدوار الثانوية فتلك هي نقاط الضعف التي لا تُعد ولا تُحصى، ولكننا سنكتفي بدور حسبو، الذي أداه في الفيلم ببراعة واقتدار المُمثل عبد الوارث عسر، وأسند في المُسلسل إلى محمد محمود فأعياه الأداء لصعوبة الشخصية وسطحيتها فنياً ودرامياً، فلم يكن حسبو الأصلي رجلاً انقيادياً فاقد القُدرة تماماً على المقاومة، ومُستسلما استسلاماً مقيتاً بهذا الشكل لـ»شفاعات» وغيرها. لكنه كان ناصحاً أميناً لإمام ولديه خبرات وتجارب، ورغم هزيمته بفعل قسوة الزمن والهموم المُتراكمة، إلا أنه امتلك قوة داخلية دفعته للانتفاض ضد المرأة التي أذلته ونالت منه فقتلها وخلص الحارة من شرورها في نهاية منطقية ومُثيرة للقصة المأساوية المحفوظة في الوجدان الشعبي المصري عن ظهر قلب.
كاتب مصري