بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي نفى فيه جهاز المخابرات العراقية تحذيره من اتساع رقعة التظاهرات في العراق خلال هذا العام، قرر المعلمون والكوادر التدريسية المحتجّة، تحويل حراكهم الاحتجاجي إلى اعتصام داخل المدارس (اليوم الخميس) خشية تدخل جهات قالوا إنها تسعى لـ«حرف مسيرة الاحتجاج لمصالحها الخاصة»، ولتفويت الفرصة على المتربصين لتكون الفعاليات تربوية خالصة، داعين في الوقت عينه مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة مطالبهم.
توخي الدقة
وأصدر الجهاز بيانا صحافياً نفى من خلاله تقريرا متداولا منسوبا إلى الجهاز، يتضمن تحذيرات من اتساع التظاهرات في العراق خلال العام الحالي من بينها احتجاجات المعلمين.
وقال في بيانه: «تداول بعض منصات التواصل الاجتماعي تقريراً نُسب إلى جهاز المخابرات الوطني حذّر من اتساع التظاهرات في بعض المحافظات العراقية خلال العام الحالي بفعل مؤثرات خارجية، وأشار إلى أن إضراب الملاكات التربوية في (6 نيسان/ أبريل الجاري) كان جزءاً من ذلك التحذير».
وفي الوقت الذي نفى فيه الجهاز علاقته بهذا التقرير «جملة وتفصيلاً، أكد أنه «ملتزم بالعمل وفق السياقات الدستورية والقانونية وضمان الحريات العامة والتعبير عن الرأي».
ودعا وسائل النشر إلى «توخي الدقة في تداول مثل هذه التقارير التي تحاول تضليل الرأي العام والحذر من محاولات التشكيك بمهنية مؤسسات الدولة الوطنية بمختلف مسمياتها». في المقابل، تحدث المجلس المركزي لنقابة المعلمين العراقيين عن سلسلة قرارات مهمة بعد اجتماعه الطارئ المنعقد أول أمس، على خلفية التطورات الأخيرة المتعلقة بمطالب المعلمين.
وذكرت النقابة في بيان أنها «بذلت جهوداً حثيثة من أجل تحقيق مطالب جماهيرها من خلال المخاطبات والتفاوض مع الجهات المعنية، وآخرها لقاء رئيس مجلس الوزراء في الأول من آذار/ مارس 2025 ودعوته للإسراع بتنفيذها لأنها حاجة ملحة». وأضافت أن «نقيب المعلمين العراقيين حضر جلسة مجلس الوزراء (أول أمس) لمناقشة مطالبكم، والتي سعينا لتنفيذها والتي تم التصويت على عدد منها».
وأوضح البيان أن المجلس المركزي للنقابة اتخذ ثلاثة قرارات مهمة، أولها «الاعتصام داخل المدارس يوم الخميس (اليوم) خشية من تدخل بعض الجهات التي تسعى لحرف مسيرة الاحتجاج لمصالحها الخاصة، ولتفويت الفرصة على المتربصين لتكون الفعاليات تربوية خالصة».
وتضمن القرار الثاني «دعوة مجلس النواب العراقي لعقد جلسة طارئة بحضور نقيب المعلمين العراقيين، لمناقشة مطالب المعلمين بعد أن أعلن الكثير من السيدات والسادة أعضاء مجلس النواب التضامن مع المطالب للقيام بواجباتهم التشريعية لإنصاف هذه الشريحة المهمة».
وأشار البيان إلى أن القرار الثالث تضمن «استنكار نقابة المعلمين العراقيين الاعتداء على بعض الإخوة من ملاكاتنا التربوية في محافظة ذي قار أثناء تواجدهم بالحراك الجماهيري الحر، وتدعو الجهات الأمنية إلى تشكيل لجان تحقيقية ومحاسبة المقصرين».
إلى ذلك، كشف ناصر تركي العوادي، مستشار رئيس الوزراء العراقي، أنه ستكون هناك إجراءات «مهمة» لإنصاف جميع التربويين، محذراً من بعض الأساليب «غير المسؤولة»، بهذا الملف.
وذكر في «تدوينة» له، أن «التربويين هم ركيزة بناء الدولة وفي مقدمة العاملين لأجل رفعة الوطن».
وعبر عن رفضه «المساس بهم، وأي اعتداء عليهم هو اعتداء علينا جميعاً»، مضيفا «كما كنا نتواصل ونتابع في الأيام الماضية وما زلنا مع بعض التربويين وممثلي النقابة لإيصال مطالبهم المشروعة إلى رئيس الوزراء».
المخابرات تنفي تحذيرها من اتساع التظاهرات… وآمر «لواء المرجعية» توعّد باللجوء للأمم المتحدة
وشدد على أن «التربويين الأجلاء هم وإخوتهم في القوات الأمنية كالجسد الواحد، وكيان الدولة الذين ما زالوا يضحون بخيرة ضباطهم ومنتسبيهم لحفظ الأمن في ذي قار»، محذراً بالقول: «نرجو من إخوتنا جميعاً الحذر من بعض الأساليب والتصرفات غير المسؤولة، وستكون هنالك إجراءات مهمة لإنصاف جميع التربويين».
وكان آمر «لواء المرجعية»، حميد الياسري، قد توعّد باللجوء إلى الأمم المتحدة إذا لم تحقق السلطة مطالب الجماهير، فيما أشار إلى أن «ثورتهم ستمتدُّ إلى جميع شرائح المجتمع».
وقال في بيان مخاطباً التربويين: «لا يمكن أن تحصلوا على حقوقكم إلا من خلال ساحات التظاهر والاعتصامات، فحافظوا على نسق المطالب وعدم التفريط بها».
وأضاف: «تحاول أحزاب السلطة بتسخير جيوشها الإلكترونية بحجة العمالة والخيانة والدعم من الخارج، أو تعطيل مستقبل التلاميذ والطلاب، من أجل إسقاطكم بنظر الكثير من جهلاء الشعب، فقضيتكم وحقوقكم أكبر من كل عميل وخائن وفاسد يسقط أبناء شعبه من أجل حزبه العفن».
وتابع قائلاً: «لا تسمحوا لأي جهة سياسية أو حزبية أن تتسلق على أكتافكم، فإن تجربة التظاهرات السابقة خير دليل عندما اخترقتها أحزاب السلطة».
وأكمل: «بعد القمع المتعمد والهمجي الذي قامت به بعض الجهات الأمنية نسأل: من يحمي الشعب من أمن السلطة الذي توجه بعضه الحركات الحزبية، وقلناها مرات ومرات لا تسيسوا الجهات الأمنية ولا تجعلوا القيادات الأمنية ممن يتبع حزباً سياسياً، فإن نتيجتها أن يأخذ أوامره وتوجيهاته بالقمع والقتل والتصفية من حزبه الذي ينتمي إليه».
وأردف قائلاً: «من أجل ألا يقول المتصيدون بالماء العكر إننا ضد القانون، لذا نوجه نداءنا العقلاني لرئيس الوزراء، بأنك راعي القانون بهذا البلد ولا يعقل أن راتب عامل البلدية البائس 180 ألف فقط (نحو 120 دولاراً) وهو يعيش الذل والهوان في مسح الأرصفة، والسادة المسؤولون يصل بعض رواتبهم مع الامتيازات إلى ربع مليار دينار».
وخاطب الياسري، السوداني قائلاً: «إذا أراد رئيس الوزراء أن يكون راعياً حقيقياً للبلد، فعليه أن يوقف هذا المهازل في سلم الرواتب فوراً، حتى لو كلفه الأمر أن يقف وحيداً في وجه أحزاب السلطة، وإن أدى الأمر لأن يخسر منصبه ومكانته من أجل أن يكون عادلاً مع شعبه، مرضياً عنه عند الله سبحانه».
ووجه نداءه إلى وزير الداخلية قائلاً: «عليه أن يكون شفافاً في الدفاع عن الجماهير، وألا يركن لضغوطات الأحزاب على حساب الشعب، ونريد أن نرى إجراءً ملموساً سريعاً في حماية الشعب من الطواغيت الأمنية، وإلا سوف نلجأ إلى الأمم المتحدة من أجل حماية الشعب والنخب المثقفة».
واختتم بيانه بالقول: «لا تتوقعوا أن ثورة الجماهير سوف تتوقف، بل سوف تمتد الى كل شرائح المجتمع من أجل الخلاص من هذه الطبقية المقيتة التي صنعتها أحزاب السلطة».
ومن بين ردود الأفعال الغاضبة على القمّع المفرط الذي تعرضت له الكوادر التدريسية على يد قوات الأمن، أعرب «تحالف الدفاع عن حرية التعبير»، عن إدانته الشديدة ورفضه المطلق للاعتداءات الجسدية والانتهاكات الأمنية التي طالت العشرات من الكوادر التربوية في محافظة ذي قار خلال تظاهرتهم السلمية للمطالبة بحقوقهم المهنية والمعيشية.
وقد وثّق التحالف الحقوقي الذي يضم عدداً من المنظمات والنقابات والنشطاء، عبر مصادر ميدانية وشهادات مباشرة «استخدامًا مفرطًا للقوة من قبل الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين، شمل الضرب بالعصي، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، وتفريق التجمعات بالعنف، ما أدى إلى إصابات جسدية وحالات هلع، فضلاعن اعتقال عدد من الكوادر التربوية بشكل تعسفي ودون مسوّغ قانوني».
وعدّ التحالف في بيان صحافي هذا السلوك «خرقًا صارخًا للدستور العراقي، الذي يضمن في مادته (38) حرية التعبير والتظاهر السلمي، كما يشكل انتهاكًا صريحًا للعهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها العراق».
وأوضح أن «هذه الانتهاكات لا تتماشى مع توجهات الحكومة المعلنة لحل أزمة الكوادر التربوية، وتزيد من الفجوة بين المتظاهرين والسلطات، وتبعث برسائل مقلقة بشأن احترام الحريات العامة».
دعوة للتحقيق
وحمّل التحالف الحقوقي في بيانه «قيادة العمليات والجهات الأمنية في محافظة ذي قار، المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات التي جرت»، مطالباً بـ«إطلاق سراح جميع الكوادر التربوية المعتقلة فورًا ودون قيد أو شرط، باعتبار اعتقالهم خرقًا واضحًا للحق في التظاهر السلمي».
كما دعا الحكومة الاتحادية ووزارة الداخلية إلى «فتح تحقيق عاجل وشفاف في هذه الأحداث ومحاسبة المسؤولين عن استخدام العنف»، مؤكداً إن «حرية التعبير والتظاهر ليست منحة من السلطة، بل هي حق دستوري أصيل لا يجوز المساس به تحت أي ظرف».
وأعلن أيضاً «تضامنه الكامل مع الكوادر التربوية في مطالبهم المشروعة»، فيما حذّر من «أي محاولة لترهيبهم أو معاقبتهم إداريًا أو أمنيًا بسبب مشاركتهم في التظاهرات».