خلال فترة ازدهاره قدم جهاز السينما التابع لمدينة الإنتاج الإعلامي، عددا قليلا من الأفلام المتميزة، التي اعتنت بمناقشة القضايا الاجتماعية المهمة، وكان من بين ما أنتجه الجهاز في عام 2008 فيلم اتسم في حينه بالجرأة الشديدة، وتخطي حاجز الخجل والتحفظ، باعتبار أن القضية التي طرحها شديدة الحساسية ولا يُمكن خروجها عن سياقها بالتقليل من خطورتها، والتعامل معها بسطحية.
الفيلم الذي آثار الجدل إبان عرضه الأول بعنوان «قُبلات مسروقة» للمخرج خالد الحجر، بطولة أحمد عزمي ويسرا اللوزي وباسم سمره ورندا البحيري ومحمد كريم وأحمد كمال. وتأتي أهمية الفيلم من كونه ناقش هموم الشباب بعيداً عن المحاذير الاجتماعية والرقابية، حيث ركز فيما طرحه على عنصرين أساسيين هما، العمل والزواج، موضحاً ما يمكن أن يترتب على غياب أهم مقومين للحياة الطبيعية في أي بيئة اجتماعية صحية وسليمة. وبالطبع أخذت البطالة كنتيجة لتقلص فرص العمل حيزاً وفيراً من المساحة الدرامية للفيلم، فمجموعة الأبطال الذين تخرجوا في الجامعة بعد اجتهاد ومُثابرة، وحصلوا على تقديرات فائقة التميز في الكليات المرموقة، وجدوا أنفسهم بعد سنوات الكفاح، في الشارع بلا أي حماية أو دعم من أي نوع، فلم يحصلوا على وظيفة حكومية أو عمل حر يوفر لهم الأمان ويضمن لهم حياة كريمة.

ومع وجود الفراغ والمُعاناة النفسية الناتجة عن البطالة وحالة التخبط والتوهان، لم يتمكنوا من الزواج بطبيعة الحال، وهم في أوج عنفوانهم وقوتهم، ما أدى إلى دخولهم في مغامرات خطيرة وعلاقات غير سوية، إما بالزواج العُرفي أو الارتباط العاطفي السري، دون مسوغات غير كلام الحُب المعسول، الذي تنتهي صلاحيته بانطفاء جذوة الرغبة، فلا يتبقى منه غير الندم والحسرة. مسيرة الأبطال جميعهم بلا استثناء أخذت هذا المنحى واتسمت نهاياتها بالضياع الكامل، فالعلاقة العاطفية النقية، التي ربطت أحمد عزمي بيسرا اللوزي لم تكتمل لاصطدام بطليها بالعادات والتقاليد، وإعمال مبدأ الفارق الطبقي بين الحبيبين وضرورة التكافؤ الاجتماعي، كما هي العادة، وبالتالي وئدت قصة الحُب في مهدها بقرارات فوقية من أوليا الأمور بدافع الحرص والحماية.
وهنا بدأت أولى إمارات العصيان والتمرد في الأحداث الشائكة، إذ تزوج الحبيبان في غفلة من الأهل كي يضعوهم أمام الأمر الواقع، فكان الصعود إلى الهاوية هو وجهة البطلين الرومانسيين، فلم يستمر صمودهم طويلاً، بل سُرعان ما تحولت حياتهما إلى جحيم بعد انزلاق الزوج الشاب في لُجة الخيانة، وتورطه في جريمة قتل، تم اتهامه فيها بالباطل نتيجة علاقته بأحد أصدقاء السوء.
تلك واحدة من ثلاثة قصص رئيسية صاغها المؤلفان أحمد صالح وعبد الهادي مصباح ليصنعا منها نماذج واقعية لمأساة آلاف الشباب، من الذين يرزحون تحت خط الفقر ويتوقون إلى حياة رغدة آمنة، يطمئنون فيها على أنفسهم ومستقبلهم المنشود في ظل تحديات قاهرة وقاتلة. وتبقى القصتان الأخريان المُتماثلتان مع تغييرات طفيفة في ظروف أطرافها، حيث مسيرة الشاب المكافح محمد كريم، الذي يرتبط بزميلته في الجامعة راندا البحيري ويرغب في الزواج منها، ويسلك المسلك الطبيعي لتحقيق حُلم عمره، لكنه يواجه صلف الأسرة وطمعها ورغبتهم في الاستحواذ عليه بالكامل، فيُنهي العلاقة في بداية الأمر، بيد أنه يعود مُجدداً لخطيبته بعد استشعاره إصرارها عليه وتمسكها به.
ويعتمد المخرج خالد الحجر في هذه الحالة على مبدأ المُعالجة الإيجابية، كي لا يُضبب الرؤية تماماً أمام الشباب، ويُحبط أحلامهم فنراه يُعطيهم الأمل في الغد بدلاً من اليأس والقنوط، وربما مثلت تلك الثغرة الضيقة شُعاع الضوء الوحيد في الفيلم، على الأقل في النصف الأول من الأحداث قبل بلورة الفكرة بالكامل والاتفاق على النهاية السعيدة التقليدية التي جاءت بغرض إنساني، وليس بالتداعي الطبيعي للحكايات المأساوية المؤلمة للأبطال.
أما القصة الثالثة لباسم سمره وصديقته الحسناء فكانت أكثر واقعية، فالفتاة التي رسمت خطوط أحلامها مع الشخص الذي اختارها واختارته، لم تُطق صبراً على تحمل الظروف الصعبة والانتظار لحين تحسُن الأوضاع المالية، فقد استجابت لأول إغراء ونداء جاءها من أستاذها في الجامعة أحمد كمال، الذي يكبرها بعدد غير قليل من السنوات، وبشكل انتهازي صريح قررت تلك الفتاة استبدال عريسها العصامي، بأستاذ الجامعة الجاهز مالياً والمؤهل اجتماعيا للزواج. لكن ثمة مفاجأة أجبرتها على العدول عن مشروع الزواج والعودة إلى الحبيب الأول بعد اكتشافها المرض العُضال لأستاذها، واعترافه لها بعدم قدرته على إسعادها، وبالانتهازية والنفعية ذاتها ذرفت الشخصية المُتطلعة دموع الندم في استجداء عطف باسم سمره الشاب الساذج البريء، واستطاعت أن تخدعه للمرة الثانية وتتزوجه بالفعل!
كل هذه الملابسات والتفاصيل هي مُعطيات الأزمة الشبابية لجيل كامل، بات يبحث لنفسه عن مستقبل تحت أي ظرف وبأي ثمن، بعد أن أنهكته التجارب الفاشلة، وصار لا يملك القدرة على المقاومة فاختصر الطريق بالاستسلام غير عابئ بالنتائج والعواقب والخواتيم المؤسفة لحياته ومسيرته.
كاتب مصري