صنعاء – «القدس العربي»: تتواصل، في الآونة الأخيرة، الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في مديريات محافظة عدن جنوبي اليمن، وكان آخرها المسيرات التي شهدتها، مساء الاثنين، مدينة كريتر ومديرية المنصورة، تنديدًا باستمرار تردي الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، التي مازالت تؤرق الأوضاع المعيشية للسكان، لاسيما مع دخول فصل الصيف، وتزايد ساعات الإطفاء، وصولا إلى عشرين ساعة في اليوم، مع تجاهل حكومي لإيحاد معالجات حقيقية.
وتتزامن هذه الاحتجاجات مع تسجيل الريال اليمني في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها انهيارًا جديدًا مقابل العملات الأجنبية، ما يزيد من بؤس الحياة اليومية للمواطنين.
وطبقًا ليومية «الأيام» العدنية، فقد شهدت مدينة كريتر احتجاجات وقطعًا للطرقات رفضًا للمعاناة التي يتكبدها المجتمع في عدن، مع استمرار التدهور في خدمة الكهرباء، في ظل أوضاع معيشية غاية في السوء، لاسيما مع استمرار تدني قيمة الريال، والارتفاع المتواصل للأسعار.
ونجم عن الاحتجاجات حملة أمنية لاحقت عدداً من الشباب المتظاهرين الغاضبين، واعتقلت بعضهم، وفق المصدر عينه.
في السياق، شهدت مديرية المنصورة بعدن احتجاجات مماثلة رافضة لاستمرار انهيار الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية، «مرددين هتافات تطالب بمحاسبة كافة الجهات المسؤولة عما وصلت إليه عدن وباقي محافظات الجنوب من أوضاع مزرية في مختلف النواحي».
إزاء ذلك، صدر عن الأجهزة الأمنية في عدن، بيانًا أعربت فيه عن تفهمها الكامل لـ «حالة الغضب الشعبي التي تسود الأوساط المجتمعية، نتيجة استمرار انقطاع التيار الكهربائي بسبب نفاد الوقود المشغل لمحطات الطاقة»، مؤكدة «مساندتها للمطالب المشروعة للمواطنين»، ودعت إلى «التعبير عن الاحتجاجات بالطرق السلمية والقانونية».
كما شهدت مدينة زنجبار مركز محافظة أبين (جنوب)، احتجاجات شعبية منددة بتواصل انقطاع الكهرباء، منذ سبعة أيام. وحسب مصادر محلية، فقد قطع المحتجون الطرق الرئيسة بالمدينة، وأشعلوا النار في الإطارات. وطالبت هتافات المحتجين، بمحاسبة المسؤولين عن تفاقم الحالة المعيشية وتدهور الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء.
وخسر الريال اليمني، مساء الاثنين، بعضًا من قيمته أمام العملات الأجنبية، حيث ارتفع سعر الدولار الأمريكي في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، إلى 2480 ريالًا للشراء و2506 للبيع.
وخلال مشاركته في ورشة عمل تحت عنوان «تعزيز جهود إنفاذ القانون في مكافحة الفساد»، قال رئيس الوزراء في الحكومة المعترف بها دوليًا، أحمد عوض بن مبارك، وفق تقارير إعلامية محلية: «ما نعانيه اليوم من تردٍ للخدمات في شتى المجالات إلا إحدى النتائج المباشرة للفساد وضعف الشفافية، ولهذا فإن أي جهود للتعافي وإعادة البناء لا يمكن أن تُكتب لها الاستدامة، ما لم تكن مدعومة بمؤسسات قادرة، ونزيهة، وشفافة، وقائمة على المساءلة».
وأضاف: «تخيلوا أننا نصرف سنويًا 600 مليون دولار على شراء الكهرباء وليست منتظمة، وتم التعاقد بأكثر من 180 مليون دولار لتشغيل مصافي عدن، ولم تشتغل، وهذا كله مخالف للقانون».
وأردف: «يجب أن نواجه أنفسنا، ونكون صادقين، ونعترف بأن هناك إشكالية حقيقية، هذه مسؤولية مجتمعية، أمانة دينية وأخلاقية، ومن المعيب علينا أن نبقى في مواقعنا، ونحن نرى هذا الأمر والفساد غير المقبول، وعلينا أن نكون صادقين لتغيير الواقع ونتحمل هذه الأمانة، وعدم الانشغال بالقضايا الصغيرة».
الصحافي الاقتصادي، ماجد الداعري، رئيس تحرير موقع «مراقبون برس»، اعتبر في تصريح لـ»القدس العربي»، «استمرار انهيار صرف العملة اليمنية نتاجًا طبيعيًا لانهيار الاقتصاد الوطني واستفحال أزمات البلد، وغياب الحلول والمعالجات، وتعقد الأوضاع، بفعل استمرار الحرب والصراع، وغياب الموارد، وإيقاف تصدير النفط ، واستمرار فشل الحكومة وتعثرها في إيجاد أي حلول أو معالجات ممكنة للأوضاع الاقتصادية المنهارة، وصولًا إلى فشلها حتى في عقد اجتماع حكومي للشهر التاسع، نتيجة رفض أغلبية الوزراء لاستمرار رئيس الحكومة ابن مبارك، الذي سارع مبكرًا لفتح جبهة مع وزرائه باتهامهم بالفساد في أول اجتماعاته الحكومية وتجاهله أنه منهم، وأنهم حكومة محاصصة سياسية، لا يمتلك قرار إزاحتهم أو حتى معاقبتهم ، وهو الأمر الذي فجر صراعًا مبكرًا تسبب بتعطل الحكومة إلى الآن، ووصول عجزها إلى مستوى فشلها بتوفير شحنة وقود لمحطات الكهرباء بعدن أو إقناع محافظي حضرموت ومأرب بتحريك قاطرات نفط خام لتشغيل محطة الرئيس المركزية، التي توقفت لتتوقف معها كامل منظومة الكهرباء بعدن».
وأردف الداعري: «وبالتالي فإن من الطبيعي أن تواصل العملة المحلية انهيارها في ظل هذه الأوضاع القاتمة على كل المستويات، وطالما وأن كل ما لدى رئيس الحكومة لتقديمه لا يعدو عن خطابات وتنظير واتهامات عاجزة عن تغيير أو إقالة أو حتى محاسبة أي ممن اتهمهم في قطاع الطاقة وشركة مصافي عدن بصرف 780 مليون دولار في الهواء، وبدون أي طاقة كهرباء أو وجود لمصافي شغالة، باعتبارها ماتزال معطلة بالفعل حتى اليوم».
في 5 فبراير/شباط 2024 أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قراراً بتعيين الدكتور أحمد عوض بن مبارك رئيساً للوزراء بدلاً من الدكتور معين عبد الملك. ومنذئذ لم تستطع الحكومة تحقيق أي خطوة إلى الأمام في جميع الملفات التي تراكمت أمامها، بما فيها معالجة أوضاع خدمات الكهرباء، واستقرار قيمة العملة الوطنية، وصولاً إلى تعثر التئام اجتماعاتها منذ بضعة شهور، نتيجة خلافات داخل أروقتها، وفي المقابل تستمر التسريبات والتكهنات عن مداولات لتعيين رئيس وزراء جديد.