حواري مصر الشعبية… من جائزة نوبل العالمية إلى الدراما المحلية!

من حيثيات جائزة نوبل العالمية التي حصل عليها الكاتب نجيب محفوظ في فن كتابة الرواية، ذلك الاستغراق الإبداعي الاستثنائي في تفاصيل الحارة المصرية الشعبية، والقدرة الفائقة على رصد التفاصيل الإنسانية والاجتماعية بدلالاتها السياسية، حيث أفلح الكاتب في رسم الشخصيات وسرد الأحداث بالمعيار الواقعي الدقيق للمصائر والمسارات، وتمكن بموهبته الفذة من فرد مساحات واسعة عبر رواياته المُتعددة لعمل بانوراما كانت كافية لدراسة واقع الحارة المصرية بأكثر من منظور.
فلم يركز الأديب الحصيف على المساوئ الاجتماعية، ولم يُعط للجرائم اليومية حيزاً أوسع من حيزها الطبيعي، بل أوردها باعتبارها مجرد مشاجرات عادية تطورت بفعل الاحتياج والجهل، وغياب القوة القانونية الرادعة فصارت جرائم.
ولم يكن اتجاه الكاتب لورود الجرائم في السياق الأدبي داخل رواياته هدفاً في حد ذاته، وإنما جاءت كلها بفعل التداعي الطبيعي للأحداث، كإشارات لمعاني أكبر من مجرد حالات النزاع والخلاف، التي تُعد الأسهل في عملية السرد إذا ما كانت هي الغرض المرجو في التكوين الدرامي. لقد كان إبداع نجيب محفوظ المُتصل بالرواية المصرية، محض فلسفة ورؤية مُتكاملة لأديب كبير أدرك ما تنطوي عليه الأحداث المُعقدة والبسيطة من مفاهيم، تتجاوز بطبيعة الحالة ما يُمكن أن يُفهمه العامة، من الصورة الروائية الأولية لواقع الحارة المليء بالصراعات والإشكاليات، لذلك جاء وصفه للحارة مُختلفاً واكتسب تشريحه لشخصياتها على اختلاف مذاهبها وطبائعها عمقاً غائراً، إذ لم يكن القصد من الكتابة مقصوراً على تمزيق أمعاء الحارة المصرية، وإخراجها عن الجسد الذي يحويها أو الكيان الاجتماعي المُتضمن لتفاصيلها الكبيرة والدقيقة والحساسة.
لقد أبدع كاتب نوبل في تصويره للفتوات والبلطجية والحرافيش، دون خلط بين طبيعة كل فئة والصفات والمُركبات الفنية الدالة عليها، سواء على مستوى اللغة، أو المظهر أو المرجعية الاجتماعية، أو الأصول المُنحدرة منها والثقافات المُنتمية لها.
كان الوعي المعرفي هو أداة الصياغة وقاموس المُفردات لديه، فلم يفتئت على الشخصيات الشعبية، ولم يتجنَ عليها، رغم مضيه في تصوير كل النماذج والأشكال البشرية والإنسانية، كالتاجر والصانع والحرفي، والعاطل والباطل، والأستاذ والغانية والفاضلة، والجاهل والمُتعلم، والخير والشرير، كل حسب السياق الموضوع فيه، خضع للتشكيل الروائي واشتبك مع الأحداث، لكن أبداً لم يُجرد نجيب محفوظ الشخصيات الشعبية من محاسنها، حتى الخارجين على القانون، كانت لهم مرجعيات تحكم سلوكهم وتصرفاتهم في بعض الأحيان. لقد عرفت الراقصة نور في رواية «اللص والكلاب» معنى الحُب مع المجرم القاتل سعيد مهران، وحاولت نُصحه وإنقاذه، غير أن يد العدالة كانت أسرع من محاولاتها، التي جاءت متأخرة، فأخذ القاتل اللص جزاؤه وقُتل. وكذلك دفعت حميدة في رواية «زقاق المدق» ثمناً فادحاً لطموحها وتطلعاتها الزائدة عن الحد، فخسرت كل شيء لأنها لم ترض بنصيبها المُقدر لها من الدنيا، وهو الدرس الذي لقنته لها الأيام وكان كافياً كعظة وعبرة. وفي رواية «الحرافيش» انتصر الأديب للفقراء المقهورين، أمام بطش فتوات الحارة الطُغاة، ورغم المآسي المتوالية والظُلم الواقع على الأغلبية المسحوقة، ظلت الأعراف والتقاليد الحسنة قائمة بين أهل الحارة المصرية القديمة، وروح الشهامة هي السمة الأساسية، التي قاومت نوازع الشر وصانت العرض، وكفلت الحماية للنساء والأطفال والشيوخ، وهو ما تمثل في نموذج عاشور الناجي، الرجل النبيل الذي تحدى الظروف الاجتماعية القاسية، وقاوم الاستبداد إلى أن حظي بثقة الحرافيش، فانتخبوه فتوة لهم بعد إحرازه عدة انتصارات كان لها أثرها في تحقيق العدالة ونُصرة الضُعفاء.
تلك هي سمات الحارة المصرية وخصائصها التي سجلها نجيب محفوظ في مُعظم روايته واستحق عنها الفوز بالجائزة الأدبية الأهم والأرفع جائزة نوبل، فما سجله وتحرى فيه الدقة، خلال سنوات طويلة، غايرته كل النماذج الدرامية العصرية المُنتجة حديثاً، بالخلط بين ما يُسمى بالمناطق العشوائية وطبيعة الحارة الشعبية كمُجتمع تحكمه قوانين وتقاليد جرت العادة على اتباعها والالتزام بها دون خلل. فما يقع في المحظور من سُكان الحارة يُحاسب ويُعاقب عقاباً اجتماعياً، بالمُقاطعة والنبذ والازدراء، وليس بالسكاكين والسنج والهراوات، كما يظهر في مُسلسلات العنف والدماء واستباحة الأعراض والاغتصاب والشذوذ بدعوى التجسيد الواقعي الصادق على حد تعبير الكُتاب والمُخرجين ومن لف لفهم من المؤيدين للأنماط الفنية الغريبة الباعثة على القلق والتوتر والاشمئزاز.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية