معرض الفنان التشكيلي التونسي منصف قيقة في رواق صلاح الدين: «ألوان تملأ العيون» شعارها جمال الحياة

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»:يضم معرض رواق صلاح الدين ببلدة سيدي بوسعيد التونسية الجميلة الهادئة، أكثر من ثلاثين عملاً أبدعها الرسام التونسي منصف قيقة، وذلك بدمج جملة من التقنيات تحت عنوان: «ألوان تملأ العيون». إن هذا المعرض هو غوص في عالم الجمال من قبل خبير في الجمال والتجميل بما أن منصف قيقة صاحب اللوحات المعروضة إلى جانب كونه فنانا تشكيليا هو أيضا طبيب تجميل وذو باع في هذا المجال.
لقد وفق منصف قيقة في اختيار عنوان معرضه «ألوان تملأ العيون» باعتبار أن الألوان طاغية في اللوحات تخطف الأنظار وتملأ عيون المتأمل فيها من زوار المعرض. هي ألوان زاهية وحيوية آسرة للعين المجردة تأخذنا بكل بهجة وسرور إلى أعماق اللوحة، فنغوص في مدلولاتها وأبعادها.

سحر الضوء

يستغل منصف قيقة بحرية وبلا حدود رؤيته الانطباعية لتشكيل تلك الرسوم، وأيضًا لترسيخ رؤية الفنان الذي يجب عليه تمامًا أن يرى الأشياء بشكل مختلف. كما يقوم بتسليط الضوء بشكل رائع على الكثير من التفاصيل سواء في الأزقة التقليدية التونسية أو في ملامح الوجوه.
لقد تم تشكيل جميع اللوحات باستخدام تقنيات عديدة بدا أنها منحت الحرية للفنان ليخبر زائري معرضه والمتأملين في لوحاته بشكل أفضل الرسائل التي أراد إيصالها. فالضوء ساطع كما هو الحال في تونس التي انبهر بضوئها كبار رسامي العالم، وينبعث من كل لوحة وهو تفصيل أبرز مواطن الإبداع ولفت انتباه الزائر على الفور.
لقد عبر الرسام الألماني بول كلي في دفتر مذكراته وهو يزور مدينة القيروان التونسية حاضرة الإسلام الأولى في شمال أفريقيا وعاصمته، وكانت هذه الرحلة بمعية رسامين عالميين آخرين في أربعينات القرن الماضي، عبر عن انبهاره بكمية الضوء في المدينة وفي تونس عموما. حيث قال مندهشا في لحظة إشراق صوفي وسمو روحي «لقد تملكني الضوء في هذا المكان، ولست بحاجة البتة للقبض عليه حيث غزاني وإلى الأبد، إنه برهان هذه اللحظة السعيدة التي أصبحت فيها أنا واللون واحداً، لقد صرت الآن فقط رساما».

لوحات ناطقة

يلقي الضوء تأثيراته السحرية على الأشكال والألوان، وخاصة اللون الأزرق الذي يميز الكثير من المباني في مناطق عديدة من تونس على غرار سيدي بوسعيد والمدن العتيقة بالقيروان وسوسة والحمامات وغيرها. إنه تشكيل فني للجو العام في تونس وللمناظر الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط ​​وعلى أماكن أخرى في هذا البلد متنوع المعمار والتضاريس.
لقد سلط الفنان الضوء على المشاهد اليومية للمدينة والشرفات والأبواب الزرقاء أو الخضراء في جو هادئ وسلمي تحت شمس الربيع أو الصيف. وسلط الضوء أيضا على الزهور الجميلة المعلقة التي تميز بعض الأزقة القديمة وعلى وجوه النساء التي رسمت في خياله وهو الطبيب الذي اعتاد على تعهدها بالتجميل.
قال الشاعر التونسي محمد بوذينة في أحد الأيام عن إبداع منصف قيقة في اختيار الألوان وانعكاسات الضوء التي تكاد تجعل اللوحة ناطقة وذلك في سياق حديثه عن لوحة قديمة رسمها الفنان لمدينة الحمامات التونسية القديمة وهو ينظر إليها من بحرها الجميل وخليجها الساحر، لقد بدت الحمامات مثل «ياقوتة طلعت من البحر». ولعل هذه الجملة تلخص قدرة الفنان على جعل رسوماته ناطقة متحركة تكاد تخرج من الإطار الذي وضعت فيه وتغادر قطعة القماش التي رسمت عليها إلى غير رجعة.

البحث عن الجمال

إن هذه الصور تلخص عملية بحث الرسام عن الجمال، بحث يبدو أنه لا ينضب باعتبار أن المنصف قيقة مارس منذ فترة طويلة، إلى جانب شغفه بالرسم وممارسته له، المهنة النبيلة لجراحة التجميل. فعمله هو تحد حقيقي يفرض عليه أن ينجح فيه تمامًا حتى يعود الجمال الذي يعاني من تشوه ما إلى طبيعته، وذلك من خلال الجراحة التجميلية التي تتلون فيها الوجوه باحثة عن مستقر لها في عالم الجمال والإبداع.
وللإشارة فإن الطبيب منصف قيقة هو الرئيس السابق للجمعية التونسية للجراحة التجميلية والترميمية وقد تخرج من كلية الطب بباريس ومن الكلية الفرنسية للجراحة التجميلية.
وبالتالي ليس من باب الصدفة أن يبدع قيقة في الفن التشكيلي باحثا عن الجمال الخارجي ومن خلاله عن جمال خفي وهو جمال الروح الذي يسكنه ويبرز من خلال لوحاته التي هي انعكاس طبيعي لشخصيته. فالفن التشكيلي ومن خلال تجارب فنانين تونسيين أثبت أنه في علاقة مباشرة مع مهن عديدة على غرار الطب وكذلك الهندسة المعمارية والموسيقي والتعليم وغيرها من المهن التي فيها بحث عن الجمال ينعكس إبداعا فنيا تشكيليا.
في إحدى اللوحات المعروضة، يبدو وجه المرأة مشوهًا قليلاً على جانب واحد، أو أنه أعيد بناؤه من جديد ببراعة الطبيب الجراح، أو أنه لا يزال يبحث عن شكل جميل. إن الارتباط، أو التوازي، بين الرسم وجراحة الوجه هو في الحالتين بحث عن الجمال وعن جعل الحياة جميلة من قبل طبيب تجميل ورسام تشكيلي يستحق معرضه الزيارة ورحلة الغوص في أعماق اللوحات لسبر الأغوار.

نجاح شكلا ومضمونا

تؤكد الصحافية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي منى بن قمرة في حديثها لـ«القدس العربي» على أن منصف قيقة قد وفق في معرضه بداية لأنه اختار فضاء صلاح الدين في سيدي بوسعيد الجميلة التي تتناغم بشكل كبير مع محتوى اللوحات. كما أن سيدي بوسعيد حسب الإعلامية تشهد حركة كبيرة ويرتادها سياح من مختلف الجنسيات يزورون معارضها الفنية وهي التي عرفت بالمعارض التشكيلية حتى باتت محجا لفنانين تشكيليين تونسيين وأجانب كثر، وبالتالي فقد ضمن منصف قيقة الإقبال على معرضه بحسن اختيار مكان العرض.
وتضيف محدثتنا قائلة: «لقد أثبت منصف قيقة من خلال هذا المعرض الذي يستحق الزيارة أن الفنان التشكيلي يمكن أن يستفاد من مهن مختلفة على علاقة بالجمال مثل الطب التجميلي، ويمكن للطبيب في هذا الإطار أن يبدع مستغلا ذوقه الراقي وقدرته على الخلق والابتكار في رحلة بحثه عن الجمال. فلوحات قيقة تشير إلى أن هذا الطبيب ليس متطفلا على عالم الفن التشكيلي وأنه ينحت إسمه منذ سنوات بأحرف من ذهب في عالم الفن التشكيلي في تونس ويتموقع مع الكبار ممن أصبحت لهم مدارس خاصة يسير على نهجها فنانون كثر.
لقد ملأ الفنان العيون بألوانه الزاهية المتناسقة المريحة للبصر ولم يترك فرصة للبصر ليزيغ في أي اتجاه وهو يتأمل اللوحات التي ضمها هذا المعرض الذي سيترك بصمة هامة في مسيرة هذا الطبيب الذي استهواه الفن التشكيلي واستطاع بكل مهارة أن يوفق بين مهنته من جهة، وفنه الذي كان على الدوام المتنفس من صخب الحياة وإرهاق العمل من جهة أخرى. في زيارة المعرض من قبل هواة الفن التشكيلي والباحثين عن الجمال سيجدون ضالتهم في لوحات منصف قيقة وفي رواق صلاح الدين وسط سيدي بوسعيد الساحرة وخليج تونس المتوسطي الآسر للقلب والروح».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية