في الوقت الذي كانت فيه الرقابة على المُصنفات الفنية في مصر مضطلعة بدورها المُجتمعي، حيث كانت تحجب كل ما هو غير لائق بالذوق الفني من الأفلام والمُسلسلات والمسرحيات والأغاني، لم تكن تسلم من نقد المُنحازين لمبدأ الحرية المُطلقة باعتبار أن المراجعة والتدقيق في المكون الفني لأي عمل والتوصية بحذف ما هو خارج السياق شيئاً معيباً، ينتقص من حقوق الفنان الإبداعية ويقوض موهبته ويحد من خياله.
هكذا كانت الرؤية التي استمرت لسنوات وخلقت صراعاً مريراً بين المُبدعين والرقباء بفضل صيحات الاحتجاج والرفض على عمل الرقيب ووظيفة الرقابة التي تراجع دورها بشكل ملحوظ بعد الانفتاح الإعلامي الواسع، وفقدان القُدرة على السيطرة لتعدد الوسائط الثقافية والفنية واختلاط الحابل بالنابل وامتزاج الثقافات الإقليمية والمحلية بالثقافات الدولية والعالمية.
وقد زادت موجات التجديد والحداثة بشكل مُخيف ومُزعج خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في ظل دخول شركات إنتاج أجنبية تحت أغطية مُختلفة ومُلتبسة عملت على تغذية السوق السينمائية والدرامية بأنماط غير تقليدية من الأعمال الإبداعية غير المألوفة.
وبالتوسع في النشاطات الفنية ظهرت المشكلات في التفاصيل بعد محاولات تذويب الهوية العربية داخل الثقافة الغربية، بالتشجيع على الإنتاج المشترك لعدد كبير من الأفلام والمُسلسلات برؤوس أموال ضخمة.
ولم يكن الغرض من هذا التوسع سوى إغراق السوق العربية بالأصناف الفنية المُثيرة للجدل والتسلل تدريجياً إلى عقل ووجدان الجماهير كي يتم تغيير الأفكار والمُعتقدات، بالتخلي عن العادات والتقاليد والموروثات، كبداية لاحتلال العقول قبل احتلال الأوطان.
وشيئاً فشيئاً تحقق للشركات والمؤسسات الإنتاجية المُدمجة ما كانت تصبو إليه وخرج من يؤيد بقوة فكرة التماهي في الثقافة العالمية وضرورة الخروج من عباءة الإبداع المحلي كي يستطيع المُنتج العربي الوصول للعالمية ويُصبح أكثر تأثيراً.
وبالفعل رحبت المهرجانات الدولية وفق الخُطة المرسومة بإسهامات الشباب الفنية من الدول العربية ومهدت الطريق أمام المتسابقين للفوز وإنجاز المزيد من الأعمال بالشروط المُقررة سلفاً، والقاطعة بعدم التمسك بمفهوم القومية العربية واعتماد مبدأ العولمة بدلاً منه كي تتعاظم الفرص ويسهل النجاح.
التقاليد والقيم الشرقية
وبتكرار التجارب السينمائية والدرامية، بدأت عمليات الانحراف تبدو صريحة وواضحة، وأخذت المفاهيم المناهضة للتقاليد والقيم الشرقية تسود وتُهيمن، وعليه تم استغلال المواسم الأكثر كثافة على مستوى الإنتاج الدرامي والمشاهدة، وكان الموسم الرمضاني واحداً من المواسم الرئيسية التي تم التركيز عليها لإبراز المشهد الفني بمواصفاته ومقاييسه الجديدة، وحينئذ حدثت الصدمة للشارع المصري وبدأت الانقسامات في الرأي إزاء الأعمال المعروضة.
واستمرت حالة الجدل لعدة مواسم إلى أن وصلت الخلافات بين الفئات الاجتماعية لذروتها فتفجر الموقف، ما دعا القيادة السياسية للتدخل والتوجيه بضبط الإيقاع الإنتاجي والالتزام بمعايير المُجتمع الأخلاقية والتربوية، وبفضل هذا التوجيه أحيل ملف الدراما المصرية لمجلس الوزراء للفحص والدراسة ومتابعة خطوات التنفيذ.
ولأن النقابات الفنية لم يتم إخطارها لتكون ضمن اللجنة المنوط بها دراسة أزمة الدراما وطرح الحلول والمُقترحات، ظهرت بعض بوادر الغضب والاحتجاج من جانبها فبدأت تلوح في الأفق ملامح مشكلة جديدة تطفو على السطح كرد فعل لتهميش دور النقابات التي كانت هي الأولى بحل المشكلة من بدايتها قبل تفاقمها لو أنها اعتنت بالمضامين وتدخلت لوقف تيار الفوضى منذ أعوام كثيرة مضت.
وما إن هدأت نسبياً مشكلة الدراما بانقضاء شهر رمضان وعكوف الجهات المختصة على إيجاد حل موضوعي للأزمة بدون الحد من حرية الإبداع والمُبدعين، حتى ظهرت أزمة فردية ذات صلة صنعها المُمثل الشاب محمد رمضان بعد ظهوره بزي غريب ومُنتقد في حفل غنائي أقيم بالولايات المتحدة الأمريكية.
ظهور رمضان بصورة لم يعتدها الجمهور المصري من قبل أدت إلى خلق حالة من الاستياء العام، باعتباره نجماً يتمتع بقاعدة شعبية عريضة ولم يكن يُنتظر منه هذا السلوك باستغلال مساحة الحرية على النحو المُثير للاستفزاز والدهشة.
وكان طبيعياً أن يتم الربط بين أزمة الدراما وما تضمنته من تفاصيل اتصلت اتصالاً مباشراً بالمكون الاجتماعي للحارة المصرية وعاداتها وتقاليدها وقيمها الإنسانية، حيث اتجهت الأنظار إلى الوجه الثاني للفوضى واستنكرت الغالبية العُظمى من المشاهدين والمُهتمين ما حدث من الفنان الشاب واعتبرت ذلك خروجا على القواعد والثوابت الاجتماعية للشعب الذي طالما احتفى بالفن الجيد واحترم رموزه من الراحلين والمُعاصرين وخص الأغنية على وجه التحديد بكثير من الإعجاب والترحيب، فهناك مُطربون لا يزالون يتمتعون برصيد وفير من التقدير والاحترام برغم غيابهم، أمثال أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي.
وكذلك المطربين الحاليين، كعلي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح وأنغام وريهام عبد الحكيم وآمال ماهر وشيرين عبد الوهاب وغيرهم.
كل هؤلاء لهم جمهورهم ولديهم تجارب فنية ناجحة ومهمة، فقد حرصوا على احترام الذوق العام والالتزام بالأداء المهني والإنساني فاستمروا وأعطوا فنالوا الثقة والتأييد.