الناشرون ورفض النشر

أثار فوز الكاتب محمد سمير ندا بجائزة الرواية العربية ضجة كبيرة، سأختار منها هنا مسألة رفض أو اعتذار بعض دور النشر عن إصدار روايته «صلاة القلق». لقد أخذ هذا جانبا كبيرا من الضجة، وأبديت رأيي فيه بشكل عام أن هذا أمر يحدث في كل البلاد العربية وليست مصر وحدها، وأن الجملة التي أعلن فيها الكاتب ذلك كانت عفوية بسبب فوزه بالجائزة.
سأدخل في قضايا غائبة عن الكثيرين، تونس نفسها التي طبعت الرواية صادرت منذ عامين في معرضها للكتاب رواية «فرانكشتاين تونس» للكاتب كمال الرياحي من المعرض، وأغلقت دار النشر أثناء المعرض، فهي ليست أفضل من مصر، كما تصور البعض. الغائب بعيدا حتى عن منع النشر من قِبل بعض أنظمة الحكم، هو أن دور النشر لا تقوم كلها على سياسة واحدة. هناك من يحتفي بروايات الفتيان، وهناك من يحتفي بروايات الخيال العلمي، هناك من يحتفي بروايات جادة، تدور حول قضايا إنسانية وذات بناء فني جديد أو مثير، وهناك من يحتفي بروايات ساذجة، يرى أنها ستكون الأكثر مبيعا مثلا. هناك من يعرف التابوهات التاريخية مثل، الدين والجنس والسياسة ويبتعد عنها، وهناك من يختار من بينها فيميل إلى كسر تابوهات الجنس، أو السياسة، لكن يتوقف أمام الدين ويتخيل أن ما تقوله إحدى الشخصيات هو رأي الكاتب، ومن ثم سيكون رأي الدار فيبتعد عن العمل، وهناك من يبتعد عن القصة القصيرة والشعر باعتبار أن هذا زمن الرواية.
موضوع رفض النشر قديم عرفته مصر في الكتب الفكرية، خاصة سنوات الخمسينيات والستينيات، فكان هناك رقيب من قبل الدولة، لا بد من الحصول على موافقته قبل النشر لأي عمل رواية أو كتابا فكريا. بدأ المصريون ينشرون أعمالهم في بيروت، وراجت مقولة مصر تكتب وبيروت تنشر والعراق يقرأ، باعتبار أن سوق الكتاب كان أكثر انتعاشا في العراق. لكن العراق نفسه مُنعت فيه كتب وروايات وأشعار لكتابه وبعضهم ابتعد عن العراق وعاش في المنفى والأسماء كثيرة. أتذكر أني حين كتبت روايتي «في الصيف السابع والستين» وانتهيت منها عام 1974 كان عليّ الحصول على موافقة الرقيب. ذهبت بها إليه ثلاث مرات في ثلاثة أعوام، وفي كل عام يرفضها لسبب غير السابق. الرواية كانت عن هزيمة 1967 وكان معمارها تسجيليا، ففيها أخبار تخص مصر وأمريكا والاتحاد السوفييتي أثناء الحرب وقبلها، وكان الرقيب يرفضها مرة بحجة نقد الاتحاد السوفييتي، ومرة بحجة نقد أمريكا، كأن الرأي رأيي، بينما هو رأي بعض شخوص الرواية، وكنت أعرف أن ذلك يحدث وفقا لسياسة الدولة التي كانت تتغير بينهما. أعني الاتحاد السوفييتي وأمريكا. في عام 1978 ألغي الرئيس السادات الرقابة على الكتب في الداخل، وإن ظلت الرقابة على الكتب المقبلة من الخارج، فنشرتها في دار الثقافة الجديدة وقتها.
ظل الأمر طوال السنوات السابقة، قبل أن أدخل معترك الكتابة، يطال الكتب الفكرية أكثر، حتى حدث منع نشر رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ نهاية الخمسينيات، ومن ثم تم نشرها فى بيروت، لكن ظلت ممنوعة من الدخول إلى مصر سنوات طويلة، ولم يحدث هذا إلا بعد محاولة اغتياله في أكتوبر /تشرين الأول عام 1994 كانت هذه أشهر رواية تم منعها في العلن. لو مشيت مع بلد مثل المملكة العربية السعودية، تجد الأمر نفسه، ظل لسنوات طويلة، فلم يكن ما يسمي «بالفسح» أو التصريح بالنشر وعرض الكتاب، متسعا للأعمال الأدبية، فما بالك بالفكرية، فرأينا أعمال أدباء كثيرين تُنشر منذ البداية في بيروت، حتى انتهى زمن الفسح الصعب وزمن جماعة الأمر بالمعروف، وأصبحت المملكة العربية السعودية متسعة للجميع. أعود إلى مصر وما جرى فيها، وقبل الدخول في السنوات القريبة أظل مع سنوات التسعينيات، التي حدث فيها الاعتداء على نجيب محفوظ، أو مصادرة كتب نصر حامد أبو زيد والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، أو مصادرة كتب فرج فودة واغتياله. في تلك السنوات طلب مني سمير سرحان، رحمه الله، رئيس هيئة الكتاب أن أكون رئيسا لتحرير سلسلة «كتابات جديدة» وكان ذلك عام 1996.
نشرت رواية لكاتب شاب ذلك الوقت هو سمير غريب علي، الذي يعيش الآن في باريس عنوانها «الصقّار». لن أخوض في التفاصيل التي ذكرتها في كتابي عن «الأيام الحلوة فقط» لكن المهم أنا وسمير سرحان والمؤلف واجهنا أكبر عملية اتهام من بعض الكتاب الكبار، وصلت لتكفيرنا. بعدها قرر سمير سرحان رئيس الهيئة أن تكون هناك لجنة قراءة غير ما أعرفه تقرر هي النشر، وكانت هذه اللجنة تشير بالرفض أو الحذف. وجدت من الكتاب من يوافق، ووجدت من لا يصدق أني لست من يقرر ذلك، ويهاجمني في الصحف، فاستقلت من السلسلة، راحة لعقلي ووقتي عام 2000 . كانت تلك معركة كبيرة حول النشر ظلت آثارها حتى الآن في هيئة الكتاب، فليس كل ما يقدم إليها يتم نشره. بلا شك امتد الأمر لدور النشر الأخرى، خاصة أو عامة. من المثير في ذلك الوقت أن عددا قليلا من الكتاب وجد في ذلك شهرة، فكان يرسل إلى الأزهر خطابا مجهولا ضد كتابه المنشور بحثا عن الشهرة، إذا حدث وتم منع الكتاب!
أنتقل إلى السنوات القريبة في مصر، وما كان سببا جديدا وقويا في تردد أو اعتذار أو رفض بعض دور النشر لبعض الأعمال. في مصر وغيرها لا بد من الحصول على رقم إيداع للكتاب. هذا الرقم كان يتم بشكل عادي جدا، وربما في الساعة التي يتقدم بها الناشر لدار الكتب، طالبا الرقم، لكن حدث منذ وقت قريب أن حصل شاعر على رقم إيداع لديوان شعر، اتضح بعد ذلك أنه زم وقدح في الجيش المصري. تغير الأمر وصار لا بد للحصول على رقم الإيداع من تقديم موجز عن الكتاب والفصل الأول منه والانتظار حتى يأتي الرد من الجهات المعنية بالموافقة. صارت هناك معرفة دقيقة مطلوبة عن الكتاب محل النشر قبل الحصول على رقم الإيداع، الذي هو مفتاح نشر الكتاب. هذا سبب أكبر في تردد دور النشر في قبول بعض الأعمال ولا يسيء الأمر لها فهي مضطرة إليه. كذلك للأسف انفتحت السوشيال ميديا لمن يهاجمون بعض الأعمال للأسباب التي ذكرتها وهي، كسر التابوهات ويكون هجومهم أشبه ببلاغ ضد الكاتب ودار النشر. وليس ما حدث مع الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة ودار المرايا التي نشرت له ديوان «كيرلي» ببعيد. وكذلك ليس بعيدا ما حدث مع صاحب مكتبة ودار تنمية خالد لطفي، بسبب الرواية الإسرائيلية المطبوعة من قبل في بيروت في الدار العربية للعلوم وهى رواية «الملاك» عن أشرف مروان صهر الرئيس جمال عبد الناصر.
رأت معظم دور النشر باستثناءات قليلة طبعا أن الأفضل لها أن لا تقع في هذه الحفرة التي لم نعد نعرف من يحفرها كل يوم. جربت ذلك بنفسي مع أكثر من دار نشر فنشرت روايات مثل «العابرة» أو «ثلاثية الهروب من الذاكرة» وغيرها في الفترة الأخيرة خارج مصر. ورغم أن الكتب ُسمح بدخولها إلى مصر، رغم الرقابة على الكتب الواردة، فلم ألم أحدا لأني أعرف ما حولي. كذلك لم يتوجه محمد سمير ندا باللوم إلى أحد لكنه عبّر تلقائيا عن فرحته بفوز روايته بجائزة الرواية العربية، وهي التي اعتذرت أكثر من دار نشر مصرية عنها. بالمناسبة أيضا دخلت الرواية إلى مصر وصدرت لها طبعة خاصة في دار صفصافة المصرية. دور النشر هي التي أصابتها تروما النشر، مما حدث ويحدث حولها.
هذه حقائق غائبة عن كل من يلومون دور النشر رأيت الأفضل سردها مفصلة للذكرى. ربما يكون ذلك مجديا ولا نتسرع في الأحكام أو الاتهامات.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية