«كراكيب» فيلم ساخر يحذّر من التشرد وفقدان المأوى والسكن

بدأت المشكلة السكانية تتفاقم في مصر، منذ فترة السبعينيات من القرن الماضي، بعد الانفتاح الاقتصادي واستحداث نظام الخلوات، الذي يقضي بدفع مبلغ كبير من المال قبل تحرير عقد الإيجار بين المالك والمستأجر، وتحت ضغط الحاجة وقلة الوحدات السكنية، تم قبول العمل بهذا النظام على مضض من جانب المستأجرين. وبزيادة الكثافة السكانية ارتفعت نسبة الإيجارات بشكل مرهق للساكن مع زيادة الأسعار وقلة الدخل أو ثباته عند الحد الأدنى للفرد، وصاحبت تلك الحالة، حالة من التذمر لدى قطاعات واسعة من السكان والمواطنين محدودي الدخل.
وبعد ابتداع نظام التمليك ظهرت أعراض أخرى للأزمة السكانية تمثلت في وجود أكثر من طريقة للاستثمار العقاري، كالإيجار المفروش الأكثر تكلفة وهو نظام سياحي غير معمول به بين الطبقات الشعبية غير القادرة، وهناك أيضاً نظام الإيجار المؤقت محدود المدة، وهو نظام مقلق وغير آمن ومتغير من حيث القيمة الإيجارية، وله آثاره السلبية باعتباره مأوى غير دائم ويستلزم تغيير عنوان السكن للمواطن كل بضع سنوات، حسب مدة العقد وتاريخ انتهائه. هذا النظام الاضطراري وغيره من الأنظمة السائدة بقوة رأس المال، دفع السينما المصرية إلى مناقشة القضية من جميع الجوانب كنوع من انعكاس الأزمة الاجتماعية الضاغطة في صور إبداعية مهمة. وبناءً عليه تم إنتاج مجموعة من الأفلام كان من بينها فيلم «أريد حلاً» وفيلم «الشقة من حق الزوجة» و»كراكون في الشارع» وفيلم «كراكيب» المنتج عام 1989، وهو من تأليف الكاتب الساخر بهجت قمر وإخراج عمر عبد العزيز، وبطولة صلاح السعدني وآثار الحكيم وعبد الله فرغلي ونعيمة الصغير ولطفي لبيب وآخرين.
ولأن التناول كان ساخراً ومؤلماً فقد اعتبر فيلم «كراكيب» أحد الأفلام التي قدمت معالجات اقتربت كثيراً من مأساة المواطن البسيط، لاسيما موظف الحكومة، الذي لا يملك أي مقومات للحياة الكريمة، سوى مرتبه الشهري فقط، الذي لا يكفي الاحتياجات الأساسية للأسرة، ومن ثم فهو الأشد شعوراً بأزمة السكن وتأثراً بها، كونه غير قادر على مجاراة الزيادة الإيجارية المطلوبة، وبالقطع ليس لديه القدرة على امتلاك شقة امتلاكاً كاملاً في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار. الفيلم الذي كتبه بهجت قمر من واقع الإحساس بنبض الأزمة، يطرح مشكلة أسرة مصرية بسيطة لزوجين موظفين، لديهما طفلة، يعانيان من تسلط صاحب العقار عبد الله فرغلي الذي يريد هدم البيت وإخلاءه من السكان كي يعيد بناءه مجدداً ويتمكن من استثمار وحداته السكنية وفق نظام التمليك المعهود. ولتحقيق ذلك يحاول المالك العبث بجدران البيت لخلخلة القواعد والأساسات، وإمعاناً في التحدي والإصرار يذهب إلى تنظيم مباراة كرة قدم بين شباب الحارة فوق سطح البيت القديم كي يسقط من تلقاء نفسه!
وبفعل المقاومة المستميتة من بعض السكان تنشأ المشاجرات والمؤامرات والتحالفات السرية، بين المالك الراغب في طرد السكان والعناصر المتواطئة، نظير مكاسب مادية ضئيلة ووعود بالحصول على مزايا أخرى بعد تنفيذ عملية الهدم وإتمام المشروع السكني المزعوم.
هنا يلفت الكاتب النظر إلى خطورة المشكلة السكانية، واستبداد ملاك العقارات على النحو المخالف للقانون، ويستند المخرج عمر عبد العزيز في تبنيه للقضية الإنسانية الكبرى، إلى مبدأ العدالة الاجتماعية، التي تحظر تشريد الأسر وضياع مستقبل الأبناء، حيث يركز على الحيل والألاعيب التي يتبعها أصحاب النفوذ للتمكن من إخلاء العقارات المِؤجرة منذ سنوات بأسعار زهيدة تم الاتفاق عليها في أزمنة سابقة. كما يطرح صورة مأساوية كنموذج لما سوف يحدث في حال فسخ العقود القديمة وطرد السكان، فالزوج «صلاح السعدني»، يفكر ملياً في عمل بوليصة تأمين، تكون مستحقة بعد وفاته لابنته وزوجته، ويدبر عملية انتحار غامضة ومستترة كي تظفر عائلته الصغيرة بالتعويض المالي المناسب، الذي يوفر لهم درجة من درجات الأمان.
وبالطريقة ذاتها تفكر الزوجة، في الانتحار كحل نهائي بعد استنفاد كل الوسائل والطرق السلمية للنجاة من المصير المجهول المرتقب، حال إخراجهما بالقوة الجبرية من السكن، فبهجت قمر ككاتب وعمر عبد العزيز كمخرج يفترضان أقصى درجات الصعوبة لأحوال الموظفين وغيرهم من سكان العقارات القديمة المؤجرة.
ورغم أن الأفكار تبدو كاريكاتيرية، إلا أنها تعبر عن عمق الأزمة بالفعل، خاصة في ظل العجز عن إيجاد حلول منطقية تضمن لأولئك المهددون بالطرد بدائل آمنة تبعث على الاستقرار واستكمال مشوار الحياة لهم ولأبنائهم.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى الأبعاد الأخرى، التي وضعها الفيلم في بؤرة الأحداث للانتباه، كزيادة معدل جرائم السرقة والنصب والاحتيال والانحلال الأخلاقي والرشوة والفساد، فكل هذه الظواهر ذات صلة بالجوع والبطالة والعراء، فضلاً عن تولد مشكلات وأزمات أخرى نفسية وعصبية، كتلك التي أوردها المخرج للتحذير من مغبة الاستهتار باحتياج البسطاء من الناس، والمساس بأمنهم الغذائي والسكني، فالبطل الذي هام على وجهه في الشارع متجرداً من ملابسه في مشهد النهاية كان يدق ناقوس الخطر منبهاً ومحذراً من كارثة حقيقية من شأنها أن تهدد المجتمع، لو طفح الكيل وصارت الطبقة الفقيرة والمتوسطة بلا مأوى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية