التلاطم الدلالي والتعارض بين اللغة والكلام: عن العنف اللغوي ومراوغات العبارة

حاتم الصكَر
حجم الخط
0

لقد داهمتنا ظواهر العنف وتجلياته المختلفة واحتشدت حتى كدنا أن نغرق في تصنيفها أو ملاحقتها، لكثرة تفاصيلها ومفرداتها. وكنا قد توقفنا قبل عامين عند ظاهرة العنف البصري التي انتشرت مع الحرب على غزة وما جرى فيها من تدمير يفوق التصور والخيال. ورأينا أن مشاهد العنف المصورة تتوالى بطريقة تصبح مناظرها بسبب هذا التواتر عادية، سرعان ما يعتادها المتلقي. وهو أمر يتسبب به العنف البصري، ويترك آثاره في التلقي، ما جعل المهتمين بالصورة ودلالاتها يتوقفون عنده. فقد سبق لسوزان سونتاغ أن تنبهت بصدد صور العنف إلى ما تحدثه من أثر خطير شخّصته بأن «صدمة الوحشية المصوَّرة تزول تدريجياً بتكرار الرؤية، فالبيان المصوَّر يمنح كل شخص ألفة معينة مع الوحشية، جاعلا من الرهيب أمراً اعتيادياً مألوفاً». وهذا الاعتياد على التوحش يلغي أثر الصورة المنتظر، ويسهم في صنع انحراف شعوري لدى المتلقي، حيث لا تهزه تلك الصور الموشحة بالفظاعة والألم.
كنت صغيراً أصطحب الأسرة عند وفاة فرد منها إلى مقبرة السلام التي تُعرف بأنها أكبر مقبرة في العالم، فأجد مندهشاً حفاري القبور يمارسون عملهم ويتبادلون الحديث والضحك أحياناً ثم يتناولون طعامهم بانتظار أن يجف تراب القبر الذي يحفرون. كنت أعجب ولا أصدق أن بإمكان إنسان بجانب مناظر الموت هذه أن يتناول طعاماً، إلا إذا كان ذا قلب من حجر كما يقال عادة.
وهذا الاندهاش حصل لي تماماً، وأنا أرى الناس يطالعون الصور المتلفزة عن الموت الجماعي والأعضاء البشرية الملتقطة من بين أنقاض المباني، وبعضها لأطفال، بينما يتناولون الطعام والشراب أمام أجهزة التلفاز. لقد حصل الاعتياد إذاً وستمر الصور في فراغ شعوري ونفسي لا رد فعل إزاءه يوازي حجمه، وسوف تُنسى تلك الصور كما يحصل كل مرة.
ومؤخراً تنبهت إلى عنف من نوع آخر: عنف لغوي يتبارى مستخدموه في سكّ أفظع الألفاظ التي تتحول فيها الكلمات إلى طعنات غائرة في اللحم البشري. استوقفني مثلاً الوعيد بأن أبواب جهنم سوف تفتح. وتتداعى من الذاكرة ما توصف به جهنم، والعذاب الذي يتلقاه ساكنوها بنيران مستعرة متواصلة. وكلما التهمت الأجساد قالت هل من مزيد. تتقرب الصورة السمعية من الشعور، فتدرك أنك تتعامل مع عنف لغوي مفرط تنجزه الكلمات.
تبدو الكلمات مسالمة في بيتها القاموسي. إنها مفردات في لغة وصفها فرديناند دي سوسير بأنها ملكة كلامية ينتجها المجتمع. وهي عرضة للاستخدام بمعناها المشترك بين الجماعة. لكن إجراءها في التداول الجملي يجعلها كلاماً يتصل بالأداء والقدرة الذاتية للمتكلم. فهي حدث فردي، يعطي للكلمات معنى مختلفا عن استخدامها في اللغة كما تواضع عليه الجميع.
هذا الكلام الذي يتخيره الفرد يكشف طبيعة خطابه. فتكون جهنم مثلاً في الوعيد إنذاراً بكارثة محتملة لا يمكن حصر عواقبها.
تناور اللغة وتراوغ في التراكيب عادة. فالحديث في السياسة تتردد فيه اليوم عبارة السلام الذي تصنعه القوة. لتأمل محمول العبارة ودلالتها نجد أن المفردة فقدت معناها اللغوي. فأي سلام يمكن أن تصنعه القوة؟ وما حدودها وطبيعة هذا السلام القادم وقد أنتجته القوة بظلال دلالتها المرعبة؟ إنه سلام من نوع خيالي يموت فيه الجميع فيعم الأرض السلام!
وصفة غريبة لا تخفف غرابتها ما يحمل السلام من ظلال لمعاني الدعة والأمن والسلامة. لقد أنجزت القوة شيئاً لا يمكن أن تمحو الذاكرة ضحاياه وصورهم على مذبح ذلك السلام المدجج بالأسلحة.
تفقد الروح كثيراً من فاعليتها في هذا التلاطم الدلالي، والتعارض بين اللغة والكلام.
فالحديث الدائر بزهو عن الصفقات هو جزء مما يمنح السوق حرية يصفها فارغاس يوسا بأنها جزء من حضارة الفرجة لأن «الحرية الاقتصادية وحرية السوق لن ترافقهما حياة ثقافية مكثفة ولا حياة روحانية، إذ يمكن لها أن تفقد طبيعتها، أن تفسد، أن تتلوث. وللأسف، في عصرنا، نعيش من وجهة نظر ثقافية ما يمكن لنا أن ندعوه تراجعًا أو انحطاطًا. لقد أصبحت الثقافة لعبة، ترفيهًا، وتسلية. لقد هُمّشت بطريقة كبيرة إزاء الزينة والسهولة والسوق».
قد يبدو الوصف حادّاً لا يخلو من عنف أيضاً. فالحضارة ليست كما وُصفت هنا. إنها في معنى آخر إشارات وعلامات تظل تعمل حتى في أحلك الظروف. بل إنها تناوئ قسوة المدنية ومظاهرها العمرانية الصادمة وطبيعة علاقاتها الإنسانية السالبة. لكن ما قاله يوسا بصدد الفقر الروحي هو انتباه لما في اللغة من قدرة على استلاب الإنسان ومواجهة مصيره منفرداً بدون عون، حيث تتعطل اللغة ولا تقوم بدورها الدلالي، وتغدو مثل أحجار على جهة الطريق لا تهدي السائرين.
من هنا خدمت اللغة ما في عقل الإنسان حتى وهو يصور شعوره ومداركه محتكماً إلى ما يراه، فتقدم له اللغة إمكانات الكلام والتداول. ومن هنا تتباين الرؤى: يقول المثل العربي (وكل إناء بالذي فيه ينضح). الوعاء هنا يحمل ماء عذباً في بيئة صحراوية. لكن الإناء ذاته قد يُملأ بما ليس صالحاً، فينضح بما يحمل. ويراد منه أن الفرد إنما يعبر عما في نفسه، وما تحمل من طبائع، قد لا تظهر للعيان إلا حين يتحدث أو يقوم بفعل ما.
وعند الغربين مثل مشابه، لكنه متوسع من الإناء: (إن ما في البئر يخرج بالدلاء). فالمحتوى سيكون واضحاً بخروج الدلو الذي يحمله. تتفحصه الأعين أو تتذوقه الألسن لتعرف محتواه. فكأن الإنسان يخفي مفرداته في بئر داخل نفسه، وتقوم عملية الكلام بإخراجه وعرض محتواه.
ومثلها امتثال اللغة في مستواها الكلامي للمحيط والبيئة. فيقول العرب عن الشيء الهين الذي يسبب الخراب: القشة التي قصمت ظهر البعير. محتكمين إلى قدرته الكبيرة على التحمل والصبر، وسقوطه مكسور الظهر بعد قشة بسيطة زادت على ما يحمل. لكن الغربي يمد بصره إلى مائدته، ويرى الشراب في الكأس، فيقول عن الشيء الهيّن ذاته الذي قصم ظهر بعيرنا الصابر: إنها القطرة التي أفاضت الكأس.
تناور اللغة عقولنا وتهبنا مستويات الكلام الممكنة التي نختار منها ما يعكس خطابنا. يدهشنا أحياناً عمل المحامي. إن مهنة المحاماة خرجت من السفسطة والقدرة على الجدل وتعليم الأولاد ملَكة الحجاج، بحيث يقدرون من بعد على إقناع المخاطَبين بكلام منمق وحجج ذرائعية، بأن الأبيض الذي تراه أعينهم هو لون أسود. وكانت القبائل أيضاً تعلّم أبناءها الخطابة والمنافرات، لتكون اللغة في متناولهم ينمقون منها كلاماً يعلون فيه شأن أقوامهم بمبالغات مبررة في تلك المناجزات.
ويتسلل العنف اللغوي إلى الخطابات السائدة اليوم من جهة تكييف الخطأ العقلي في تقدير الأمور، وعدّه مساومةً أو رفعاً لسقف المطالب التفاوضية كي يصل المفاوض إلى ما يريد.
ومؤخراً ساد في الخطاب الإعلامي مصطلح الهجرة الطوعية بديلاً لعملية التهجير الجماعية للناس. تتدخل اللغة هنا لتنتج دلالة تحمل مغالطة كبيرة. فما هو طوعي في واقعة التهجير وإفراغ الأرض من ساكنيها ليس إلا تحصيل لما سبقه من هدم المساكن والمدارس ومراكز الإيواء وحرق الخيام، فلا يمكن من بعد أن يظل من اختيار. فالطوعية في الوصف اللغوي المناور تفترض شخصاً أو مجموعة تسير بمحض إرادتها خارجة من أمن بيوتها، لتبحث عن مكان تهاجر إليه بطَراً وحبّاً في التغيير مثلاً.
ستظل اللغة مجالاً للمغالطة وبناء الأكاذيب التي أفدح ما فيها أن صانعيها يصدقون أنها حقائق، ويتصرفون على أساسها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية