في مقالة العدد الأسبوعي- «القدس العربي» 12/10/2025 ناقشنا ما ظل من أثر البيان الشعري للشاعر فاضل العزاوي، وما طرأ من تغيرات أسلوبية وفكرية، تستلزم مراجعة تلك الوثيقة المهمة في سياق ستينيات الشعر العراقي والعربي. ووعدنا بالعودة لنصوص الشاعر؛ لرؤية ما تجسد من ظلال ذلك البيان الطموح والجريء بمدى التجريب الذي يدعو له، بلهجةٍ وسمتْ البيانات الشعرية العربية غالباً، وأعني لغتها وخطابها الثوري، بمعنى الانقلاب على ثوابت القناعات الشعرية والنقدية ومسلّمات القراءة، انطلاقاً من خيبة سياسية وإيديولوجية عقب ما حصل في الخامس من حزيران/يونيو 1967 من انكسار وهزائم فادحة الثمن.
فكان رد الفعل الأدبي عامة والشعري خاصة، متسماً بذات الغضب الذي جرى في الغرب بعد الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وازدادت نداءات الرفض والتمرد، والخروج على المألوف السياقيّ في الكتابة. ولم ينجُ الشعر العربي من التأثر بتلك الهبّات التي صنعت التحولات المفصلية في سيرورة الكتابة الشعرية موضوعاتٍ وأساليب ورؤى. واشتد التأثير بسبب السريالية وصعودها العارم، واعتمادها الحلم وحرية المخيلة؛ وهما ركنان أساسيان في بيان السريالية الأول الذي كتبه أندريه بروتون، واصفاً الإنسان بالحالم الأبدي، ومكرّساً الرفض، والدعوة لاجتراح طرق أخرى للكتابة. وهي مما خصهما البيان الشعري للعزاوي بأهمية خاصة، وتوضيح وتأكيد موسعين.
سيعيد فاضل العزاوي قراءة بيانه الشعري بعد ربع قرن، ويسجل ما يسميها (ملاحظات) حول البيان الذي يعدّه، مُحقّاً بالقول «وثيقة شعرية لها أهميتها حتى اليوم». وسوف أتوقف عند قوله في تلك المراجعة إنه لو أراد إعادة كتابة البيان الشعري اليوم، لقام بصياغته بطريقة مختلفة، مستدركاً بالقول «ولكن ليس كثيراً». وبكونه شاعراً ذا مشروع انقلابي حداثي، لم يمنع نفسه من نقد لما في البيان من «عبارات غامضة غير مفسرة جيداً أحياناً، وتأكيدات ذات إيحاءات ميتافيزيقية أو تجريدية..» كما يقول.
ولا نملك إلا أن نحيي شجاعة الشاعر في المراجعة والوصف وتشخيص الخلل بجرأة نحبها فيه، ونرى أنها مصدر ما تميزت به قصيدته من طابع تحريضي يحثّ على المساءلة والمراجعة، والتأمل في مصائر الفكر، ومآلات الحداثة التي توضَع تحت لافتتها نصوصُه وجيله من شعراء ما عرف باىسم جماعة كركوك، أو من زملائهم من شعراء الستينيات الآخرين بوجه خاص.
ولكن كتابه «بعيداً داخل الغابة – البيان النقدي للحداثة العربية»، 1994، يتضمن بيانات نقدية وليس بياناً واحداً. يسائل فيها الحداثة العربية التي رأى أنها تعاني من أزمة. فالمثقفون العرب بحسب وصف العزاوي (امتلكوا وهم الحداثة، لا الحداثة نفسها). كما يرى أنه (قد أُسيء دوماً فهم معنى الحداثة ودلالتها، والأرض التي تقف عليها). وذلك لم يحلْ بين العزاوي وإيراد اشتراطات للحداثة، تنطبق على كتابة الشعر بطريقة قصيدة النثر التي يرى أنها النقلة الحقيقية للتحديث. فالشعر الذي رأت نازك الملائكة أنه (الشعر الحر) ما هو إلا خطأ اصطلاحي، فما كتبته ليس شعراً حراً. ثم يعترف في فقرة أخرى بأن ما كتبته نازك والسياب أكسب «القصيدة روحاً جديدة، ذات طابع شخصي، ونظرت إلى موضوعها من زاوية شعرية أكثر حميمية». وهو ما لم يكن وارداً في تقييماته السابقة.
أما قصيدة النثر فقد رصد العزاوي خروجها من الظل، وانتشارها بفعل مزاياها التي يسمي منها: الاختزال والقصر والتكثيف، والهدوء والابتعاد عن الصراخ. والحديث لقارئ مفرد وليس لجمهور، واعتماد الوصف في بنية القصيدة، وما يتاح من صور وقصص تجعل النص مفتوحاً للقراءة. وهي أوصاف تتمثل النماذج المعروفة في قصيدة النثر وتترك الباب مفتوحاً للتجارب التي تجترح طرقاً جديدة للكتابة، صرح العزاوي في مدخل كتابه أنها كتابة حرة حتى النهاية، وأنها تبتعد عن تمثل القصيدة الغربية واستنساخها.
وموازاة لتلك المراجعة، نجد أن نصوص قصائد النثر التي كتبها العزاوي لاحقاً باتت أكثر هدوءاً وأناة وتعقلاً، وأقل احتفاء بالنشيد، وما يحفّ به من صوت عالٍ وإيقاع صاخب، وهيجان لغوي وصوري.
نقرأ في قصيدة «كيف تكتب قصيدة سحرية» من ديوانه «في كل بئر يوسف يبكي» الذي يعده من أهم إصداراته الشعرية، والذي صدر عام 1996 باللغة الإنكليزية في أمريكا، وأثبت نصه العربي في الجزء الثاني من الأعمال الشعرية (منشورات الجمل2007):
ليس أسهل من أن تكتبَ قصيدة سحرية
إذا ما امتلكتَ أعصاباً قوية
أو نيَّة صافية على الأقل
الأمر ليس صعباً بالتأكيد
خُذْ حبلا وارْبطه بغيمة
حيث طرف منه يتدلى
مثل طفلٍ، تسلّقِ الحبلَ حتى النهاية
ثم ارمِه الينا
ودعْنا نبحثْ عنك عبثاً
في كل قصيدة.
نلاحظ هنا وجود الممازحة التي تصاحب التمرد الذي عرف به السرياليون الفرنسيون، وتحديداً في صنع نص مواز تتحدث فيه القصيدة عن نفسها أو نَظمها، ولا تقارب موضوعاً خارجياً.
يقترح الشاعر هنا نصيحة لكتابة (قصيدة سحرية)، كما ينص العنوان والبيت الأول في القصيدة، جاعلاً من النص، وبسخرية واضحة، تجسيداً لما يُزعَم أن السحر يفعله في متلقيه، وينقله للفعل في قراءة القارئ. وفي البيت الخامس تبدأ القصيدة بتوجيه الشاعر المخاطَب لتحضير ما يمكن أن يصنع بنيةَ تلك القصيدة. وهنا يورد العزاوي وصايا مما يقره الخيال السريالي وحرية المخيلة، كما نص هو أيضاً في أحد مقالات كتابه النقدي «بعيداً داخل الغابة..»
وأهمها أن يحلّق الشاعر مرتبطاً بغيمة، ويتسلق إلى الأعالي بذلك الحبل كطفل يلهو، بينما يدع الحبل مرمياً إلى الأرض. فيقوم القراء بالبحث عن الشاعر في قصيدته لكن بدون جدوى. فقد أخذته الغيوم، وظل طرف الحبل بين أيدي القراء فارغاً. هنا يكافئ العزاوي الشاعر المحلق بأن يجعله مبثوثاً في كل قصيدة. فقد حاز بالسحر حق الوجود في القصائد كلها، مع تحليقه عالياً.
استمداداً من نشاط المخيلة وحيويتها، يسرد العزاوي تلك الرسالة متضمنة ما يؤمن به: كتابة (سحرية) متطورة من مقترحاته المعروفة حول الكتابة الخيالية أو تحت تأثير العوامل الخارجية. ولكن الشاعر سيظل خارج قصيدته متعلقاً بالغيمة التي وصل إليها ورمى الحبل إلى الأرض، مبتعداً – بحسب الوصفة السحرية، عن الوجود الأرضي، ومسكوناً أو ساكناً بالأحرى، في القصائد كلها.
وقد أولع السرياليون بهذا النوع من القصائد لمضاعفة الغرابة والتفرد، واستثمار عمل المخيلة الحرة. ورغم أن قصيدة فاضل تنحو منحى نقدياً لما يعمله الشاعر في نصه، لا بد لنا من بيان مدى التقاء مخيلته وطريقة بناء نصه مع الرؤية السريالية، فنستذكر قصيدة (كيف تكتب قصيدة دادائية) لتريستان تزارا:
«خذْ جريدة
خذ مقصاً
اختر منها مقالا له الطول الذي تريده لقصيدتك
اقتطع المقال
قُصَّ باعتناء الكلمات التي يتألف منها المقال، ضعها بعد ذلك في كيس.
خضَّه برفق.
ثم أخرجْ قصاصة تلو قصاصة.
استنسخها بخالص الدقة حسب ترتيب خروجها من الكيس.
ستشبهك القصيدة
وهذا أنت كاتب في منتهى الأصالة ذو إحساس ظريف وإنْ لا يفهمه العوام».
لا شك أن قصيدة تزارا تفصل كثيراً، بينما تنحو قصيدة العزاوي للتركيز الشديد الذي يميز قصيدة النثر، والحفاظ على سرد يتقنه العزاوي، كونه روائياً وكاتب قصص قصيرة. وفي تراث السريالية الشعري عدد من القصائد التي تسخر من الوصفات الجاهزة للكتابة عبر اقتراح وصفات مضادة تصب في جوهرها قصيدة العزاوي.
وإذ نعود إلى قصائد العزاوي المكتوبة في الألفية الثالثة سنجد ملامح الحزن والشعور باليأس ومقاربة موضع الوجود والفناء بكثرة، وبقصائد تتسم بالطول الذي لم يكن يعتمده العزاوي في مراحله الأولى الضاجة بالتعارضات والاحتجاج. ففي القصيدة التي ختم بها ديوانه «هنا فوق الكرة الأرضية» 2006، وعنوانها (هبوط فاضل إلى العالم) ومؤرخة في العام 2003، نجده قد خفف من حضور الأنا، متنازلاً عن ذكر اسمه الشعري كاملاً. وذكَر الهبوط إلى العالم بما يعنيه الهبوط من نزول عن مكان في العلياء. وهو ما حاور به آدم في أحد مقاطع القصيدة، وسأله عن مغزى نزوله الأرضي.
تتكون القصيدة من ثمانية عشر مقطعاً، تناور كلها مفرداتٍ وكِسراً من سيرة شعرية لا يريد أن يفصح فيها الشاعر، قدر ما يشير ويومي، أو يوحي بأحداث تخللت (هبوطه الأرضي) أو ولادته. فنجده في قطار يمرق بين مدن، كتلك التي عاش فيها الشاعر منذ تقلد منافيه وتقلدته. في القطار يحصل الحوار مع آدم القادم للأرض مطروداً، حاملاً جوازاً ملغى:
«ماذا تفعل هنا يا آدم؟
ناديته بمحبة
لكنه لم يقل شيئاً
لوح لي بيده من وراء النافذة
محيّياً إيايّ بجواز سفره الملغى
في مركز شرطة الفردوس
مطروداً إلى مدينة رأيتها
ذات مرة في الأحلام
كان اسمها النسيان».
وفي القصيدة استباق للمصير الإنساني، بعد احتفاء الأم بمولودها وحضور ملاك يخبر عن مولده. وثم طوافه المعذب في المدن والمعتقلات، وانسيابا لسرد حول الحياة بسرد متقطع، حفاظاً على توتر لغة القصيدة وشعريتها.
سمات من الهدوء والتبصر بالمستقبل، والحزن على ما فات وما لم يأت. تلك أبرز معالجات العزاوي التي يمكن فحصها لمقارنة التنظير بالتعينات النصية، وكيفيات صياغتها وبلورة خطابها المختلف المتجدد.