كان التوقيت هو أول مفارقة تهز وعيي في المهجر أو المغترَب كما يحلو لي ملطّفاً من قسوة وقعِه على النفس. وما يحف بالغربة ذاتها من توسيعات دلالية تشير كلها إلى الاقتلاع والابتعاد والوحدة.
لقد وصلنا في اليوم الثالث عشر من نيسان/أبريل عام 2011 عصراً إلى الأراضي الأمريكية، عبوراً من شمس صنعاء التي تسير للمغيب خلف شمم جبالها. هناك حيث كنت أعمل بعد أن ضاقت إبرة الحياة عن خيوط العيش في الوطن، وصولاً إلى مطار القاهرة كمحطة انتظار لمواصلة الرحلة الأطول إلى مطار كندي في نيويورك. حيث ستبتلع الجغرافيا ليلة كاملة لا نحس بها، ولم نعشها، لنصحو في يوم 14 بحسب تقويم الهناك.. الأرض التي غادرناها مرغمين.. عبر سلسلة إقامات وتنقلات، لم يكن لها وقع المغترَب لما فيها من طمأنينة نفسية ولغوية واجتماعية.
زاد تاريخ وصولنا ذلك اليوم من استيائي الفطري من الرقم 13 الذي تملكني منذ الصغر. ربما بما يتردد في الروايات والأفلام، وقصة حواريي المسيح على مائدة العشاء الأخير وعدد الجالسين في لوحة دافنشي.. وما أسمع من صور نمطية عن شرور ذلك الرقم.. لكن الشؤم الآن اقترن ببداية أوديسة الغياب التي لا تبدو لها نهاية. رحلة أخذتني من وداعة حياتي وشغف عملي، ومن حضن الجماعة ودفئها.
ها قد مرّ أربعة عشر عاماً. تغوص الأقدام في رمال الغربة رويداً، حتى تتكيف الحواس على استلام رسائل الغربة جزءاً فجزءاً. أربعة عشر عاماً تحفزعلى استذكار التداعيات وتفاصيلها.
هي نيويورك (سرَّة العالم) كما يسميها الأمريكيون، ويصفونها بأنها صورة مصغّرة للعالم. ألسنة كثيرة تعثرت عند أبوابها وشوارعها ومتاهاتها، وغابات عمائرها المتكاثفة كالأخطبوط.
أمين الريحاني وجبران وما كتباه عن المدينة حال دخولهما إليها وعيشهما هناك. أرتال من الشعراء الزوار وهم يدونون انطباعاتهم عن مرائي المدينة ذات الألف وجه. مدينة تلتهم رؤى الشعراء وتصوراتهم عنها. ما إن تُذكر حتى يرد سيل أسماء هجت قصائدُهم المدينةَ وحشاً أو شبحاً، من أبنائها: والت ويتمان وألن غنزبرغ ولانغستون هيوز.
وروادها الأوائل العرب: جبران وأمين الريحاني، والشعراء العرب المعاصرون: البياتي وأدونيس ودرويش وسعدي يوسف وراشد حسين وأحمد مرسي، ومن العالم آخرون: لوركا وأودن وسنغور وسواهم. أوصاف عدة أطلقها الشعراء وهم يواجهون نيويورك بضجيجها وصلادتها وعمائرها، واشتباك مرائيها بين حضارة وصناعة وآلية واكتظاظ… وبتلك الروح الهاربة التي لا تمسك. الروح التي يرى ويتمان أنها هزيلة تكتسي بجسد مكتمل.
لم أكن أريد أن أسترجع كلمات جبران حين دخل مدن الغرب شاباً فقال إنه وجد فيها (ناساً بنفوس متعجرفة). فقد تعلمت عبر عقود سنواتي الست وأنا أطالع الفضاء الجديد ألا أحتكم إلى وعي الآخر، وما يصدره من أحكام عن الطبائع البشرية المتنوعة التي لا يحكمها نسق واحد. كنت أؤمن أن الفرد ينساق لوعيه حتى وهو ضمن الجماعة اللغوية والعرقية والدينية. إنه طراز خاص من الأحياء تتنوع ارتدادته النفسية وسبل عيشه. ولن يكون للأنساق العامة المتحكمة في السائد هيمنة على رؤية الآخر، والتمسك بفوبيا التعامل معه.
كنت أتحصن بحضارات غائرة في القِدم. لكنها تتجدد عبر تلك التركة الهائلة من معجزات البشر في الفن، والقوانين، ومفردات الحياة، والمعتقدات، والمدنية أيضاً.
بعد أعوام من إقامتي سأحل ضيفاً زائراً في كلية كليرمونت في لوس أنجلس وسأختار لمحاضرة عامة للطلبة أختم بها استضافتي عنواناً، هو العصور الذهبية للأدب والثقافة العربية. وما كنت أستخدمه من قبل وصفاً للأدب العربي في أوج نهضته، لارتباطه بذلك المعدن النفيس المقترن بالبذخ والثراء والبهرجة. تحدثت بالضرورة عن الحضارة والتراث واللغة والمنجز البشري المتخلد في المكان. وفسرت ذلك مع ذاتي بأنه تعويض عما يبدو على سطح الحياة هنا من تفوق يومي في سبل العيش. لم تكن ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ومعلقات الشعر الجاهلي وحدها في خاطري. ولكنها بابل والأهرام وتدمر، القدس وأريحا ومكة وبغداد ودمشق والقاهرة وبيروت وجرش وفاس ومراكش وقرطاج والقيروان وتيبازة.. وسواها. تلك مدن حضارات تظل أشعتها تبعث الضياء في بطون التاريخ وشواخص الأمكنة. ويهب اللسان العربي تلك المدن حضوراً متواصلاً. لذا كنت أؤمن أن الهوية هي اللغة. لغتنا بما يمتد ويتسع منها نصوصاً وآداباً وحكايات وصفات.
لم أجد في مغتَربي لساناً واحداً. واختلطت الأعراق. هي فسفيساء نادرة دون شك. تُغني الحياة وتثري الثقافة، لكن الرطانة تجعل كل شيء مختلفاً. وترتد الجماعات إلى ذواتها عابرة المكان والزمان ومستلهمة ماضيها هناك، وما ظل في ذاكرتها منه. وما تبثه أعاصير الحنين المفرط، فتلتم الجماعات في أماكن بعينها وتستورد ما لا يخطر على بال من صغار الأشياء المرتبطة بالأوطان، وقديمها أيضاً.
ولا يسد ذلك فم الحنين، حتى ينقلب المغترِب إلى شاكٍ دائم. لكني وجدت الشرقي والعربي خاصة من أكثر أصناف المهاجرين والمغتربين عودة لماضيه ومكانه الأول، وتمسكاً بحبله السري هناك.
ينشطر الوعي ويتغلف الحضور هنا بما ظل هناك.
لا أقوى على متابعة كثير من اللهجات التي تتحدث اللغة الموحدة هنا. يسرع كثيرون حتى توصف لهجاتهم بأنها كالوجبات السريعة. لتتلقاها عليك أن تعيش طويلاً، لترى ما تحمل من معان ودلالات. ويثبت إيقاعها في السمع والتلقي.
تلقفني الجنوب مستقَراً، عائدا ً إلى رسٍّ يلاحق وعيي رغم أني ولدت وعشت في حاضرة بغداد. الجنوب يظل حياً في يوميات الأسرة: حاضنتها وموروثها وحبكاتها وسِيَر الأسلاف، وقصص حياتهم الملآى بالغرائب. فالغريب هو ذاك الذي عرَّفته معاجم اللغة العربية بأنه رديف البعيد والغامض. ولذا قلّبوا في معنى الغراب وربطوه بالشؤم الذي نُسب إليه، لأنه لم يأت نوحاً بخبر عن يابسة يترقبها، بينما تترنح سفينته وتبحث عن برّ آمن، سيملؤه البشر المنتخبون للنجاة بسفينته شروراً وظلماً وظلاماً وحروباً، تلوّث اليابسة المنشودة بدم مسفوك قهراً وعدواناً، كما في أيامنا السوداء هذه..
الغربة تقرب من معنى الغراب، كما يؤول الدّميري في (حياة الحيوان الكبرى). فكأنه بشؤمه شريكُ الغريب في غربته، وفي قدَر الفراق الذي التصق به. تتغافل الرواية هنا عن المكان القلق الذي بان عنه الغراب: إنها سفينة تمضي إلى غير ما هدف، تترنح في عباب طوفان لا يبين له آخر.
بيني وبين مكاني الأول فرق في التوقيت يصل إلى ثماني ساعات وتسع في بعض الفصول. الساعات الفاصلة هي توقيتات الغربة في سياق المكان. تفرضه على الغريب ولا تشير إليها عقارب ساعة يده، أو ساعات بيته الجدارية التي تواجهه كالمرايا كل صباح، فاضحة حنينه ومعمقةً شعوره بالفقد. إنها تجعل التوقيت نصّاً يتحدى صبر الغريب، فتزيد أغلفة غربته وأغلالها. أمكنة تمنع عنك أن ترى الصحو في الداخل الذي ابتعد في الأرض، أو بعدتَ عنه في أرض الآخر. وكذلك ينقضي النهار دون أن تلحق بهم هناك. تنام وهم في صحو، وتصحو وهم نيام. تسهر كي تقبض على صباح شارد هناك، وترسل تحياتك وأسئلتك نصف نائم ومثقل بالتعب.
ليست ثماني ساعات تتفاوت في التوقيت. بل هي برزخ زماني يتمدد ظله الثقيل على المكان نفسه.
أفكر مع سركون بولص في إحدى صرخاته الشعرية وهو مقيم في (حولي أوجه الحمقى/ وأصوات الطيور الجارحة/ كيف وصلتُ؟ مَن دلّني على هذا المكان؟).
ثماني ساعات من الاختلاف عن توقيت الأرض الأم. ومَن عليها، ومَن تحت ثراها.
فاصلة عن توقيتِ مَن لا يزال يطالع الساعة وعقاربَها التي تلسع صبره بلدغاتها المتكررة، وتتضاعف العقارب وتكاد تسعى في معصمه وعلى جدران غرفته.
توقيت ذلك الذي تعطَّل وقته، وفرغت منه ساعته؛ لأنه ليس بحاجة لها في ظلامِ أبديته، التي لا يحكمها وقت أو ميعاد. يقضي غربته في الذكرى وإصلاح الذكريات بعبارة الشاعر الكولومبي أغواساكو في قصائد مترو نيويورك.
لم يعد العالم غرفة كما أوهمونا في عولمة الوعي. إنه شاسع مترامي الأركان نعيش في جزر عزلته. إنه امتداد لوعي مختلف يبدأ من الرقم ثلاثة عشر، والساعات الثماني بيننا. ومن اللسان: الباحث عن بيانه وإشراقات صوره، ودلالات مفرداته ووقعها العذب الحزين.