فاضل العزاوي من البيان الشعري إلى روح الستينيين الحيّة

حاتم الصكَر
حجم الخط
3

لا تليق العزلة والسكون بشاعر كفاضل العزاوي (كركوك 1940-)، ملأ الفضاء النقدي والكتابة الشعرية بكثير من الحيوية والمشاكسة والشغب في ستينيات الشعر العربي المميزة، ونداءات التجديد والتحديث الممزوجة بكثير من مذاق الإيديولوجيا والعمل السياسي وأحلام اليسار، وطموح أفراده للتغيير والبحث عن عالم أكثر رحابة وعدلاً، تتوسع الرؤية من أجله لتعانق تجارب عالمية مشابهة، سيكون حضورها جلياً في الخطاب الشعري الستيني كما في الفنون الأخرى.
توافقت قناعات العزاوي السياسية والفكرية مع هفوٍ عارم للتغيير. حماسة دعته للصراخ أحياناً ـ «ها أنذا أصرخ في شوارع الجزيرة العربية»، هو أحد قصائده الصاخبة والتي كتبت عام 1968 في سياق فترة غليان عاشها وجيله، في ذك العقد المضطرب الحافل بالتحولات والوقائع. ودفع ثمنه سنوات في الاعتقال والمحاكمة والفصل من الدراسة.
لكن العزاوي مثابر من نوع خاص.لا يتوقف عند العمل السياسي والصحافي، بل يتعداه لمراجعة الثوابت الشعرية والإلحاح على التجديد، وإن ظل فترة في إطار كتابة القصيدة الوزنية البيتة التي تناسب المناخ الثوري، والصوت المرتفع لدعواته للتغيير. وثم الخروج منها إلى قصيدة النثر التي أسماها في دراسة لاحقة في كتابه «الروح الحيّة – جيل الستينات في العراق» (1997) بقصيدة النثر الحرة، والتي قال إنها بجانب بعض قصائد التفعيلة، كانت محاولة للوصول إلى لغة أخرى وإيقاع مختلف وجديد، لا علاقة له بالشعر السائد آنذاك.
ويمثل لتلك المحاولات بقصائد معروفة له، ستدلنا عناوينها على ما تضمر وتعلن في مبناها، مادام العنوان في وعي جيله الشعري أحد موجهات القراءة وصدماتها المتعمدة، ويحظى بعناية خاصة عند صياغته. منها ما يصفه بأنه أهم قصائده مثل: «لنخرج إلى الشوارع وننسف العالم القديم بالقنابل»، و«ها أنذا أصرخ في شوارع الجزيرة العربية»، و«نزهة المحارب»، و«تعاليم ف. العزاوي إلى العالم»، و«أنا الصرخة، أية حنجرة تعرفني..».
ذلك التمركز الذاتي لفاضل العزاوي يرافقه تصور موقع الشاعر قائداً جماهيرياً ومحرضاً ثورياً، في وعيه دون شك صورة جيفارا رمزاً للثوار حينها. ولكن العزاوي في وعي نرجسي حاد، يضع اسمه في العناوين وثنايا نصوصه الشعرية مثل «هبوط فاضل إلى العالم» و«أغنية إلى ف.العزاوي»، وفي كتابة الرواية أيضاً له «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة».
ولئن بث فاضل روح الخروج على الآباء الشعريين، وهوّن كثيراً من تجارب ما يعرف بجيل الرواد، ظل في الوقت نفسه منقاداً لنوع خاص من التراث، يقول إنه يرى الحداثة «كبؤرة للتنوير الإنساني مبثوثة حتى في أكثر الأزمان إيغالاً في القدم». ويمثل لذلك بملحمة جلجامش فيرى أننا يجب أن نقرأ نصوصها لا بكونها ذات بعد ديني في زمنها بل بكونها مناسبة لاكتشاف معنى الحياة.
ومن اقتراحاته التي ضج بها خلال المرحلة الستينية دعوتُه لكتابة القصيدة الميكانيكية. ويسمي مراجعه المؤثرة التي وصفها بالفكرية، وهي علمية في الواقع ويؤكد حضورها في اقتراحه ذاك. وهي النظرية النسبية لأنشتاين وميكانيكا الكم وجاذبية نيوتن. لكن قراءة نماذج من قصائده الميكانيكية الثلاث مثلاً التي نشرها في ملحق من ملاحق (الروح الحية…)، والتي لم يدرجها في ما نشر من مجموعات شعرية، ترينا ضعف الصلة التي افترضها نظرياً بين تلك المؤثرات العلمية ونصوصه.
ففي نص «الطوفان الأخير» نقرأ:
«في لحظة
وتقفل العالم.
من أجلكم يكتب هذا الفعل
يا إخوة السهولة.
تكتظ حتى حافتي بالكلمات
أرسلها: مساحة الدائرة
تبطئ نصف القطر
أعرف أقطاري فقط.

من الذي يريد أن يموت
تحت خيمتي
في الطوفان الأخير؟».
ومن قصيدة ميكانيكية أخرى هي «عيون الأجداد»، نقرأ في استهلالها:
«محتلة كتلة العلبة
تحتشد الأجساد في المعادلة
ي=1/2 جذر الابتداء + مسافة العالم….».
ولا أظن أن لقارئ الشعر قدرة على تحليل ما في النص من حشر للمعادلات، والهدف منها ذكر مصطلحات علمية؛ كالكتلة ونصف القطر. فهي ملصقات لا غير لا تجد لها دلالات، وأحسَّ الشاعرُ نفسه بعماها الدلالي، فاكتفى بنشرها في الصحافة، ثم قام بنشرها تذكارياً في «الروح الحية» الذي يُعد جردَ حساب لجيله الستيني في أوساط الشعرية العراقية والعربية.
لقد أوردت تلك الاقتباسات، وتوقفت عند الدعوات المباشرة، والتي لا ننكر تحريكها للراكد في الكتابة الشعرية وفي قراءة النصوص الجديدة ونقدها، لكي أقرر صفة الاندفاع في خطاب فاضل العزاوي وانعكاس ذلك في نصوصه.
يقدم العزاوي نفسه بعد حين من دعواته تلك ومنافحته عن التغيير، بكونه إنساناً حالماً. فيقول إنه «حلم دائماً بابتكار طريقة تمكنني من تسجيل كل ما يدور في رأسي من معارك سرّية ونزوات ورغبات…». وقد ترك مدونات مهمة في سبيل ذلك خارج النصوص – في البيانات والتعليقات والكتابات النقدية والاستذكار السيري- وفي النصوص ذاتها، إذ جعلها تعكس رغباته تلك، وراح يحوّر إيقاعاتها لتلبية ما في داخله من تلك الرغبات.
ولعلّي بحاجة في هذا المفصل من المقالة، للعودة إلى البيان الشعري الذي كتبه فاضل عام 1969، ووقّعه تضامناً معه الشعراء سامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى، والذين لا تتوازن نصوصهم مع حيثيات البيان الذي بدا واضحاً تأثره بالبيان السريالي من جهة، وبثورية سياسية تستند إلى الأفكار والمقولات الماركسية غالباً.
تظهر تلك الخلطة المستحيلة وقد وسمت شكل البيان بِسمتيْن متجاذبتَين: الثورة كمفردة في قاموس نضالي وإنساني، والتغيير في الكتابة بأشكال تتجاوز المهمة المباشرة، كالوصفات التي قدمها فاضل في البيان، وعنوَنها في فقرات مثل: صناعة الحلم، وطرق الوصول إلى الحلم، وحديقة الأفكار. وهي تمزج التغيير في البنى الفنية للكتابة الشعرية من جهة، وتدعو من جهة ثانية لتغيير العالم الذي يراه البيان في سطره الأول ناقصاً، وكذلك الموجودات والأشياء، ويقترح لخلاص الشعر وحرية الشاعر في امتلاك ما يسميه (الوعي الديالكتيكي – الوجودي للشعر)، بمواجهة مشكلة الموت (بعيداً عن الحلول الميتافيزيقية). ويقود ذلك إلى صياغة قانون للكتابة الشعرية، يضعها العزاوي بصيغة سؤال: «ألا يحق للقصيدة أن تتعامل مع المسائل اليومية للإنسان؟». ليردفها بسؤال عائم معلق: «ولماذا نحن نكتب الشعر؟».
في قراءتي المتكررة للبيان ولأعمال فاضل العزاوي الشعرية، تيقنت من فرضية مفادها أن ثمة تنازعاً بين (التغيير) كمهمة نضالية إيديولوجية تجد في الماركسية وتجلياتها الثورية في الواقع نموذجاً معاصراً ناجعاً، ومن جهة أخرى التحديث كمهمة شعرية إنسانية للوصول إلى حياة أفضل.
المهمة الأولى أرضية، يشوبها حلم قريب غير مجازي بالتحول، والوصول لأنظمة موازية يسودها العدل والحريات. والثانية وهي أخطر، تكمن في التحول الأسلوبي والمضموني للقصيدة خارج الأطر التقليدية. وهي ما حاول العزاوي مخلصاً أن ينجزه نصياً، وعبر البيانات والصياغات المقترحة خارج النسق المهيمن على الكتابة الجديدة كما اقترحها الرواد.
وقد تضمن البيان الشعري جزءاً نظرياً داعماً للمحاولات التجريبية للعزاوي وأفراد من جيله، مثل سركون بولص وصلاح فائق وعبدالرحمن طهمازي على سبيل التمثيل، لا سيما في الانتقال إلى قصيدة النثر، وتعديل منظور قصيدة التفعيلة، بتخفيف محرقها الإيقاعي التقليدي القائم على التقفية والبيت والوزنية المنضبطة موسيقياً، لتقوم بموازاة ذلك حرية شكلية، ستصطدم بمطالب التفعيلة وخطابها وتنصرف إلى إيقاع قصيدة النثر ولغتها وتراكيبها ودلالاتها.
ونذكر من وصفات البيان الشعري للكتابة المغايرة، الكتابةَ تحت سطوة الحلم دون التقاطع مع اليومي والإنساني، وفي وصفة الطريق أو الوصول إلى الحلم، يرى فاضل في البيان الشعري إمكان إنتاج نصوص في (غيبوبة) تأملية، تعود بحصاد صوري، كما لو اصطحب الشاعر آلة تصوير في طريقه للوصول إلى الحقيقة. وهنا تبدو مؤثرات البيان السريالي، والكتابة التي تركها شعراء الحركة السريالية بصدد الحلم وهيمنة الخيال.
ويقترح فاضل موقفاً آخر للكتابة خارج الوعي، مثل الكتابة فى حدود النعاس، وفي غياب العقل الواعي. فيكون الحلم بتعبير البيان (جواد الشاعر إلى العوالم غير المرئية). وفي الوقت نفسه هو (صوت الرفض، وتحدي البؤس الذي يغمر العالم). ويقترح لاحقاً ما يسميه (قصيدة الإيحاء) بديلاً لقصيدة الرأي كما يقول، مدركاً خطر الإعلان الصارخ عن الرأي، وفقدان الشعرية في خضم ذلك الهياج الإيقاعي والصوري، والفكري بالضرورة.
تلك كانت معضلة الموازنة بين السياسي والشعري التي انهمك العزاوي في معالجتها. وفاتت علينا في هذه المقالة فرصة تأمل نصوصه، لنرى مدى تجاوبها مع تلك الفرضيات التي اقترحها. فالعزاوي بدون شك، قد اجترح رؤيته مخلصاً لها، ومنطلقاً من موقف حداثي وإنساني بالغ الرهافة والنضج، والهفو الدائم للتجريب سبيلاً للتغيير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية