أوبرا «لا ترافياتا» بنسختها التونسية إنتاج فريد يجمع بين التميز الفني والتعاون الدولي

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:يواصل مسرح الأوبرا في تونس تحقيق طموحه المتمثل في تزويد البلاد بذخيرة غنائية وطنية هامة. وقد تم إطلاق هذا المشروع الثقافي واسع النطاق في عام 2023، وهو جزء من ديناميكية مبنية على ثلاث ركائز هي التدريب والنقل والإبداع. وبعد النجاح الذي حققه عرض كارمن الأوبرالي في عام 2024، جاء الدور على أوبرا «لا ترافياتا» لجوزيبي فيردي لتقديمها على المسرح التونسي، في إنتاج فريد من نوعه يجمع بين التميز الفني والتعاون الدولي.
ويقود هذه المبادرة مسرح الأوبرا في تونس من خلال مركز الموسيقى والأوبرا ومركز الباليه والفنون الكوريغرافية. وتحظى المبادرة بدعم من وزارة الشؤون الثقافية وبالشراكة مع المعهد الثقافي الإيطالي في تونس.
وتشكل النسخة التونسية من أوبرا «لا ترافياتا»، علامة فارقة في تاريخ الأوبرا في البلاد. ولأول مرة، يتم ادخال فرقة الباليه الأوبرالية في عرض هذا العمل الرئيسي من ذخيرة الموسيقى الكلاسيكية، ما يضفي بعدًا رقصيًا جديدًا على هذا الإنتاج. وتم تقدم العرض الأول لهذه الأوبرا التي انتظرها الجميع على خشبة مسرح الأوبرا كما تم حشد الطاقات الفنية المحلية الأوركسترالية سواء السيمفونية التونسية تحت إشراف شادي القرفي، أو جوقة أوبرا تونس التي شكلها كارلو أرجيلي، إضافة الى العازفين المنفردين التونسيين، من دون أن ننسى راقصي الباليه بقيادة سهام بلخوجة.
أوبرا «لا ترافياتا» مستوحاة من رواية سيدة الكاميليا للكاتب ألكسندر دوماس الابن، وتروي المصير المؤثر لفيوليتا فاليري، وهي شابة تضحي بسعادتها من أجل الحب، في باريس الرومانسية والقاسية. وتستفيد هذه التحفة الفنية لفيردي، والتي أخرجها ستيفانو فيزيولي، من تأثيرات بصرية ودرامية جديدة، أثثتها رقصات بيجي فانيلي، وفيديوهات وائل منصور، وإضاءة محمد حشاد وتصميم الديكور والأزياء التي تكفل بها المصمم كامل دخيل.
كما شهد العرض مشاركة نخبة من الأصوات الأوبرالية التونسية، على غرار حسان الدوس، وليليا بن شيخة، وهيثم الحضيري، ومرام بوجبل، وهندة بن شعبان، وحاتم النصري، وغيث سعد، ومنتصر بازز، ومحمد علي الزش، وصادق بن حسونة وضياء الرايس. وشاركت في العرض أيضا فرقة الباليه التي أضفت بعدا بصريا جديدا على المسرح ونجحت من خلاله في دمج الرقص التعبيري مع المشاهد الدرامية.
ولئن تم إخراج هذا العمل الأوبرالي بنسخة محلية إلا أنه احترم النص الأصلي الذي كتبه فرانسيسكو ماريا بيافي. وتولى الإدارة الموسيقية المايسترو الإيطالي نيكوليتا كونتي، الذي يؤكد تعاونه مع الفنانين التونسيين مرة أخرى على أهمية الحوار بين الثقافات في نجاح هذا المشروع.

الأوبرا تُعاش

تم تأليف أوبرا «لا ترافياتا» في عام 1853 على يد جوزيبي فيردي، وقد تحدت منذ فترة طويلة الأعراف المتبعة في ذلك الوقت. اختار فيردي أن يقدم على المسرح قصة حب مأساوية وإنسانية، متجذرة في الحياة البرجوازية اليومية في القرن التاسع عشر، بعيدًا عن الحكايات البطولية أو الدراما الأسطورية. ومن خلال شخصية فيوليتا فاليري، يصور بأسلوب مذهل الصراعات بين الحب الصادق والتحيزات الاجتماعية. وقد أثارت الأزياء المستوحاة من باريس خلال القرن التاسع عشر إعجاب الجمهور برقيها.
في أولى عروضها، أمتعت أوبرا «لا ترافياتا»، في نسختها المحلية، عشاق الأوبرا في تونس. وضمت أصواتا غنائية ذات قوة نادرة، وأوركسترا سيمفونية ملهمة، في تناغم تام مع النبضات المأساوية للعمل. كان كل شيء موجودًا أي الانضباط، والزخم، والجمال. وهذا دليل واضح آخر على أن تونس لا تزال تتنفس من خلال فنها، بفنانيها وبأبنائها من مختلف الأعمار، كلهم ​​مجتمعون في قاعة مكتظة ومتلهفين لملاقاة الجمال والفن.
انطفأ النور، وارتفع الستار وحبس الحضور أنفاسهم. ففي تلك الأمسية، لم تكن أوبرا «لا ترافياتا» وحدها التي عادت إلى المسرح، بل كانت نسخة مجسدة ومُعاد اختراعها في عرض غنائي منسوج بالعاطفة والفخر الخفي.
ما حرك القاعة حقًا في تلك الأمسية هي قصة فيوليتا فاليري، الشابة الباريسية، والمرأة الحرة في عالم مقيد، وحبها الملتهب والملعون لألفريدو جيرمونت. فهي مأساة مليئة بالعاطفة والتضحية، حيث يسود القلب على العقل، وحيث لا يستطيع الحب، مهما كان نقيًا، الهروب من ثقل الإكراهات والتقاليد المجتمعية.
ترجم هذا الشغف المؤثر صوتان استثنائيان هما ليليا بن شيخة وحسان الدوس. ليليا هي مغنية سوبرانو تونسية، جسدت في العمل شخصية فيوليتا بصوتها النادر الذي احتضن منحنيات الألم الرومانسي. وحسان الدوس الذي يتمتع بحضور خاص يمنح بعدا إضافيا للأوبرا الغنائية. وهما يشكلان معًا ثنائيًا مأساويًا وحيويًا، معلقًا بين النشوة والهاوية. نلمح عيونهم وحبهم المكتوم بأصواتهم الجريحة. لكن الحب، في فيردي، لا ينتصر أبدًا من دون ألم. وعندما يطالب والد ألفريدو بالانفصال، باسم شرف العائلة، تضحي فيوليتا بنفسها بصمت. فالمشهد الذي تكتب فيه فيوليتا رسالة الوداع، وهي بمفردها في الضوء القاسي، يمثل ذروة المشاعر.

مغامرة فنية ووطنية

يختار إنتاج فيزيولي الرصانة التعبيرية مع إضاءة مختارة بعناية وتوجيه دقيق للممثلين، وأزياء تتفاعل مع تلك الفترة التي حصلت فيها الحكاية من دون تقييدها. ويتميز العرض بأكمله بصرامته الشكلية ودفئه الإنساني. لكن الأهم من ذلك كله أن العرض كان مغامرة فنية غير مسبوقة، ولفتة طموحة تضع تونس في دائرة الإبداع الغنائي. هنا، الأوبرا ليست ترفا مستوردا بل هي لغة يتحدث بها الفنانون التونسيون بكل سهولة وصدق. إنهم لا «يعزفون الأوبرا» – بل يصنعون الأوبرا، بتلك الروح الإضافية التي تحول التقنية إلى معجزة حية.
ولا يقتصر هذا الإنتاج الجديد على إعادة النظر في عمل كلاسيكي من ذخيرة العالم بل يضع الأساس لهوية غنائية تونسية ناشئة، منفتحة على العالم ومتجذرة في ديناميكية النقل الفني. وتمثل أوبرا «لا ترافياتا» خطوة حاسمة نحو إنشاء ذخيرة أوبرا وطنية حقيقية، في قلب مشروع ثقافي طموح للأجيال الفنية الأوبرالية القادمة.
ومن المقرر أن تتواصل عروض هذا العمل الأوبرالي خلال شهر أيار/مايو على خشبة مسرح الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي. فالعمل هو دعوة لإعادة إحياء هذه الرحلة العاطفية، التي تحملها أنفاس موسيقية ودرامية وإنسانية عميقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية