هذا زمن الأستوديوهات، دون ذكر للمحتوى الذي يبث من هذه الأستوديوهات!
فتماشياً مع روح المرحلة، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في مصر، عن أستوديو جديد وصفه بأنه الأجمل في العالم!
والمرحلة التي يعيش في كنفها رئيس الهيئة الموقر، تعتمد شعارات «العالم» جزء منها؛ فلدينا أطول مئذنة، وأكبر مسجد وكنيسة، وأطول برج، كل هذا على مستوى العالم، مع أن العالم وهو أقصر منهم في كل شيء، لا يعاني الإحراج. ومن كثرة استدعاء «العالم» في أمور مصر الداخلية، يوشك القوم أن يقولوا إنهم «أكثر دولة تحصل على القروض في العالم»!
والحال كذلك، كان من الطبيعي عندما يبشر رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بإنجاز أن يستدعي «العالم» فيكون الأستوديو على مستوى العالم، لكنه في ذلك لم يقل الأفخم، أو الأكبر، أو الأحدث، على مستوى العالم، ولكن «الأجمل»، والجمال نسبي، وقديماً قال شاعر الربابة التونسي «خدوا عيني شوفوا بيها»!
وقد انتشرت هذه الأغنية في مصر، ومصر بلد الاكتفاء الذاتي في كل شيء، لذا فهي تصدر في مجال الفنون ولا تستورد، وهذا من العيوب لا المزايا، وقليلون هم من اخترقوا الحدود المصرية، ليس بالضرورة أنهم جميعاً على مستوى متقدم، فيعرف المصريون من السودان الرائع الطيب صالح، ومنه رواية واحدة هي «موسم الهجرة إلى الشمال»، ويعرفون من الجزائر أحلام مستغانمي، التي تباع رواياتها عند باعة الصحف في مصر، وقد اعتقدت أنه لا يجوز ألا أطلع على أدبها، فلما أقدمت على الرواية الأكثر انتشاراً، لم أجد على النار هدى!
لطفي بوشناق وسمير صبري
وقد بدأ المصريون يقدمون على مسلسلات غير مصرية، مثل «باب الحارة»، وبعض المسلسلات التركية، كما أنهم عرفوا من تونس لطفي بوشناق بأغنية «خدوا عيني…» تماما كما انتشرت أغنية «دي ديه» للمطرب الجزائري الشاب خالد.
«غوغل»، والذكاء الاصطناعي، وفر الحل على من يجدون صعوبة في حفظ الأسماء، لكن لا رغبة لي في الاستعانة بها، ومالها عبارة «لا يحضرني اسمه الآن»؟! لكن ليس كل الفن التونسي لطفي بوشناق، وليس كل لطفي بوشناق في «خذوا عيني شوفوا بيها»، وليس كل الأدب الجزائري أحلام، وليس كل الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»!
وأتذكر عندما انتشرت أغنية لطفي في مصر انتشاراً واسعاً أن برنامج سمير صبري العائد لشاشة ماسبيرو، بعد توقف استمر لسنوات طويلة، استضاف صبياً تونسيا، ليسأله كلمات أغنية لطفي بوشناق، ووقف الصبي قريب العهد بمرحلة الطفولة شامخاً وهو يقول إنها ليست أغنية لطفي بوشناق، إنها أغنية من التراث التونسي، فكان ذلك مفاجأة لنا!
برنامج سمير صبري كان يقدم عبر التلفزيون المصري، وهو ينتمي لفصيلة «المنوعات» وتقريباً كان التسجيل من قاعة في فندق، وليس من أجمل أستوديو في العالم ومع ذلك، كان يجذب المشاهدين إليه، فمن الآن يمكنه أن يكون سمير صبري ليليق بمرحلة أجمل استوديو في العالم، والجمال جمال الروح؟!
المشكل، أنه كلما كان الاستغراق في الشكل، فإن هذا للهروب من المضمون، وقد كان عبد اللطيف المناوي كرئيس لقطاع الاخبار في التلفزيون المصري قبل الثورة، يستعد لافتتاح أستوديو كبير، ولا أظن أن هذا كان سيمثل قيمة، ما لم يهتم بالمحتوى، مع أن الوضع في مرحلة ما قبل الثورة، أفضل من الآن، من حيث جودة ما يذاع، وكان البرنامج المسائي «البيت بيتك» بجانب برنامج «صباح الخير يا مصر»، يغروا بالمشاهدة، وكانت الأستوديوهات مع ذلك متواضعة، ولم يكن هذا مما يشغل المشاهد!
«الجزيرة»، التي أقامت الدنيا وأقعدتها كانت تبث من «علبة كبريت»، حسب أبو علاء حسني مبارك، وكان الأستوديو هو كرسي أو ثلاثة كراس، وطاولة تم تكريمها بسكينة معجون، فليس بالأستوديوهات الفخمة وحدها تنجح القنوات التلفزيونية!
أزمة «القاهرة الإخبارية»
منذ تعيين أحمد المسلماني رئيساً للهيئة الوطنية الإعلام، والحديث عن الشكل ولا يتطرق للمضمون، وقد بشر ببرنامج جديد، واختار مقدميه، والتقاهم، ولا يتمتع أحدهم بالنجومية المطلوبة، وليس هذا هو المشكل، إذا توافرت الإمكانيات المهنية اللازمة لمقدم البرامج وليس لمذيع النشرة، لكن نجاح «البيت بيتك» لم يكن بالمذيعين وحدهم ولكن بفريق اعداد لا ننكر عليهم كفاءتهم المهنية، فأين فريق برنامج المسلماني؟!
إن أستوديو «إكسترا نيوز»، لا يقل عن أستوديو «سكاي نيوز عربية»، وهو على مستوى عال وجذاب ومريح للعين، لكن من يشاهد الآن القناتين مع ذلك؟
وبخصوص الأستوديو، فالأمر نفسه ينطبق على قناة «القاهرة الإخبارية»، التي تم توفير الإمكانيات لنجاحها، لكنها لم تنجح!
وعندما أشاهد نشرة الأخبار في هذه القناة أسأل نفسي ما الذي ينقصها لتنجح؟ لتكون الإجابة إنها تقلد «الجزيرة»، حتى في أولوياتها، وما دام الأصل موجوداً وتتوفر الثقة فيه، فقد كان يمكن ألا يعتمدوا ترتيب الجزيرة للأخبار، فماذا لو اهتموا بالخبر السوداني بجانب خبر الحرب على غزة، وأعطوه مساحة كبيرة من المتابعة والتحليل؟ وماذا لو استغلوا حضور بعض قيادات حماس للقاهرة الذين لم يُحرقوا بالظهور المتكرر، للحوار معهم، وماذا لو انفتحوا على السودانيين في القاهرة، بينهم كتاب وساسة، يمثلون ثروة قومية لأي قناة تلفزيونية، وماذا لو انفتحوا على المشهد السوري؟!
ليس هذا موضوعنا، فقد كانت هناك تجربة ملهمة في مصر بطلها حسن حامد، الذي أسس قناة «النيل للأخبار»، قبل أن تجهض التجربة بعد سنوات بسوء اختيار قيادات القناة، وقد مثلت بطاقم مذيعها وبرامجها طلقة، لكن يبدو أن عيناً أصابتها!
سها النقاش والثقافية التي ولدت ميتة
ومنذ بداية انطلاق «النيل للأخبار» كتبت عن هذا النجاح هنا في هذه الزاوية، وظلت أسماء مذيعها عالقة في ذهني، وبعضهم انطلق في أرض الله الواسعة فتحقق وجوده، وقد أسعدني اختيار المسلماني لواحدة من الجيل المؤسس للنيل للأخبار لتقود «الثقافية»، ووددت لو ترأست سها النقاش القناة الأولى مثلاً، فالثقافية ولدت ميتة ولا أمل في إحيائها، وأيام الحصار ظهرت فيها أكثر من مرة، وظهر فيها مجدي أحمد حسين، وفي كل مرة كنت أنتظر أن يعرف بظهوري وزير الإعلام صفوت الشريف ليصلني نبأ تدخله، لكن لا حياة لمن تنادي.
وعبر «الثقافية» بث برنامج عال الجودة إعداداً، وتقديماً، وضيوفاً، هو «الدفاتر القديمة»، يصلح للبث عبر قناة كبرى، لكن لم يسمع به إنس ولا جان.. ماذا لو أعادت «القاهرة الإخبارية» عرضه مع استبعاد الحلقة الخاصة بي. ومع ظهوري لمرات عدة على هذه القناة، فلم أجد عابر سبيل يقول إنه شاهدني، وكأننا في قناة سرية، فماذا يمكن أن تفعل سها النقاش، والتي سعدنا بتوليها رئاسته باعتباره خطوة أولى، وأنه اختيار صادف أهله.
ما علينا، ففي اعتقادي أن الأجواء الجديدة، لا تسمح، برد الاعتبار لماسبيرو، ولو على قواعد زمن مبارك، وعندما يكون الانشغال بأوسع، وأجمل أستوديو، فنحن أمام انغماس في الشكل، يتجاهل المحتوى، ولا نعرف متى شاهد المسلماني أستوديوهات العالم، ليقرر أن الأستوديو الجديد هو الأجمل على مستواه؟!
بيد أنها طلعات جوية عرف بها، مثل طلعته الخاصة بمؤتمر الدراما بشكل أقرب للزفة، لم يفض إلى شيء، وتماما مثل طلعته بإطلاق إذاعة للمسلسلات، في مرحلة تدمير الدراما، واحالة نجوم التمثيل للتقاعد المبكر، لتصنع السلطة نجوما بديلة، ضعف الطالب والمطلوب!
ومع الانفاق الكبير على الإعلام، ومع هذه الاختراعات الجديدة، فإنهم يشكون الفشل، عندما يصرح مسؤول بالشركة المتحدة هو خالد صلاح، بأنهم يتعرضون لحملة دعائية مستمرة بخصوص الموقف من غزة، وهذا إعلان فشل، فبعد هذه الترسانة الإعلامية، وبعد السيطرة الكاملة على المشهد الإعلامي في الداخل، تكون أزمتهم في برنامج أو إثنين على قناة «مكملين»، وبرنامج لا إثنين على قناة «الشرق».
إنهم يضربون الهواء دوكو!
صحافي من مصر