لم أعد أسافر إلى الإسكندرية إلا مرة كل عام وربما مرتين. لم تعد هناك المدينة التي نشأت وعشت بها، والإسكندرية تعني الحركة التي لم تعد كما كانت. كانت الزيارة هذه المرة تلبية لدعوة تلقيتها منذ أكثر من عامين لحضور مؤتمر عن المدن الكوزموبوليتانية بين الأمس واليوم. كنت أمر بمحنة مرضية صعبة، وافقت على الدعوة أملا في أن أمر من الأزمة وأعيش وأذهب، وحدث. كانت الدعوة من دينا سامح طه أستاذة العمارة في كلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، ومن نزار الصياد صاحب الكتب الرائعة عن المدن مثل «تقاليد التراث.. عن الهوية والعمارة والعمران ما بين الأصيل والمقلد والمتخيل» و»المدينة الأصولية»، الذي أشرف على إعداده وكتبت عنه من قبل، وغيرها، ممثلا للجمعية الدولية لدراسة البيئات التراثية في أمريكا حيث يعمل ويعيش.
جاء الموعد وسافرت في الثالث والعشرين من مايو/أيار للبقاء ثلاثة أيام. كان اليوم الرابع والعشرين هو يوم محاضرتي عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية بين الأمس واليوم. شهد الملتقي اسماء رائعة من الباحثين والمفكرين من دول العالم مثل، مارك جلِّم من جامعة أوريغون الأمريكية، ورئيس الجمعية الدولية لدراسة البيئات التراثية، ومحمد جمال أستاذ العمارة وتاريخها في جامعة يورك في بريطانيا، ومحمد حسن إسماعيل ومحمد عاصم حنفي من جامعة الإسكندرية، وحسن حافظ وكريم بدر من جامعة القاهرة، وهبة صفي الدين من الجامعة المصرية الدولية، ومحمد الجسّار من جامعة الكويت، وكارولين راموس من البرتغال، وأسماءعديدة أخرى من جامعات صينية وغيرها. كانت المفاجأة الأولى هي أن أصحاب الدعوة حجزوا لي ومعي زوجتي سندي الدائم، في بنسيون كوتيري جراي الشهير سابقا باسم بنسيون مصر، في العمارة التاريخية، التي تحمل اسم فينيسيا الصغيرة، المجاورة للعمارة التي فيها مطعم أثينيوس صاحب التاريخ العظيم المستمر، الذي يتجلي في صداقة رائعة مع صاحبه الصديق يعقوب نصار، سليل عائلة نصار الشهيرة، والقارئ المثقف هو وكل أفراد عائلته. المطعم الذي صار مثل «مكة» التي أحج اليها في كل زيارة، وأدعو أصدقائي للحضور، بين الكرم الحاتمي للصديق يعقوب نصار. قبل السفر عرفت من فيسبوك أن محمد عوض سيقيم حفل توقيع لكتابه الجديد الصادر بالإنكليزية، عن الفنون الجميلة والتأثيرات الفرنسية على البناء والميادين في الإسكندرية، في المركز الثقافي الفرنسي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من مايو. ولأني سأعود إلى القاهرة يوم الإثنين، قلت فلتكن الزيارة له في بيته وأحصل على الكتاب. محمد عوض هو كما يصفونه عرّاب الإسكندرية الذي حاول ما استطاع الحفاظ على تراثها، شاركته في لقاءات كثيرة في مكتبة الإسكندرية أيام إسماعيل سراج الدين. كذلك هو صاحب المؤلفات العظيمة عن الإسكندرية وتاريخها وعماراتها مثل، «إيطاليا في الإسكندرية»، أو «مصر وفرنسا» وغيرها مما كتبت عنه مقالات موسعة من قبل، والذي اعترف دائما أن كتاباتي عن الإسكندرية تغيرت مع قراءاتي له، فصار مرجعي الحضاري والإنساني تتسع بي الرؤية والعبارة. كانت سحر حمودة شريكة النشاط أيضا مع محمد عوض في مكتبة الإسكندرية، التي شغلت من قبل رئاسة قسم اللغة الإنكليزية في كلية الآداب في جامعة الإسكندرية، وعمادة كلية اللغات والترجمة في جامعة فاروس وصاحبة كتب رائعة مثل، «ذات يوم في القدس» و»عمر طوسون أمير الإسكندرية»، وغيرها كتبت أيضا عن بعضها، هي من سيناقشني بينما ستدير الندوة دينا سامح طه.
أعود إلى المفاجأة الأولى، ففي عمارة فينيسيا الصغيرة فندق فؤاد، الذي جرت فيه أحداث رواية «ميرامار»، التي كتبها نجيب محفوظ في صباح كل يوم في مطعم أثينيوس في مكان لا يزال يعقوب نصار يشير لنا عليه. ما إن وصلنا إلى الفندق حتى قلت لزوجتي هيا نقوم بطقوسنا، التي لا تكتمل أي زيارة إلا بها. أولها تناول غداء من الفول والفلافل في محل محمد أحمد، الذي هو تاريخ معي ومع المدينة كتبت عنه هنا مقالا منذ عامين، حين رحل صاحبه عن الدنيا. فعلناها وعدنا إلى أثينيوس نشرب قهوتنا مع الصديق يعقوب نصار، الذي سنزوره في الغد أيضا. ذهبنا في المساء إلى بيت محمد عوض. حملتنا الذكريات إلى كل غائب جميل أيضا وحصلت على كتابه الجديد.
في اليوم التالي السبت كانت ندوتي، حضرها تقريبا كل أعضاء الوفود الحاضرين من العالم وعدد هائل من أهل الإسكندرية. رحت أتحدث عن المدينة الكوزموبوليتانية بين الأمس واليوم، منذ كانت عاصمة العالم في العصر الهلليني يشار إليها بالإسكندرية القريبة من مصر، وما جرى لها. وكيف جاء ذلك في ثلاثيتي الروائية «لا أحد ينام في الإسكندرية» عن إسكندرية العالمية، ثم «طيور العنبر» عن المدينة التي أخلتها سياسة عبد الناصر من الجاليات الأجنبية، «ثم الجزء الثالث» الإسكندرية في غيمة» عن التغير الذي لحق مع السادات وبعده بالمدينة، فصارت أصولية تقريبا تنتهج الوهابية والسلفية، وبدأ الفساد في المباني وتمت إزالة السينمات والملاهي الليلية والمسارح وغير ذلك كثير، وكيف لا يزال الأمر، فلم يعد باقيا منها غير منطقة الميناء الشرقية كبحر مفتوح، وهي المنطقة التي تمتد من الشاطبي حتى الأنفوشي، وكيف لأن تحتها آثارا غارقة، لا يتشجع الفساد على ردمها لإقامة مولات وعمارات ناطحات سحاب تمنع الشمس والهواء، بعد أن كان البحر المتوسط هو ثقافتنا منذ عصر محمد على باشا. تفاصيل كثيرة لا يكفيها المقال وبدأ الحوار الذي أثري الندوة مع سحر حمودة ثم الأسئلة من الجمهور. ما إن انتهت الندوة حتى صرت هدفا للتصوير من الشباب، ثم وجدتهم يطلبون الوقوف في صورة جماعية رائعة مع عدد كبير من الجمهور.
بعد الندوة عدت إلى مطعم نصار في المساء حيث ينتظرني بكرمه، ومعه اثنان من الإسكندرية طلبا ذلك منه لمعرفتهما بصداقتنا، هما وائل عزب صاحب أجمل صفحة على فيسبوك هي «حواديت الإسكندرية»، وخميس بيصار صاحب أقدم محل زهور في شارع فؤاد في المدينة، وصاحب الحكايات والفيديوهات الرائعة عنها. أمضينا أربع ساعات في جمال الأحلام الضائعة، وفي اليوم التالي زرت خميس بيصار في محله في شارع فؤاد لأسمع حكايات أكثر. راح يطلعني على صور تاريخية عن المكان والعائلة وزوارهم من الباشوات، إلى الملك فاروق فكانت من أجمل حصاد الرحلة.
كنت أعرف أن الطقس الثاني الذي تكتمل به الزيارة هو العشاء في النادي اليوناني بالميناء الشرقية. كان هناك في اليوم الثالث حفل عشاء في مطعم مجاور له يطل على الميناء الشرقي أيضا هو مطعم «جانب البحر» أو «سي سايد». وبالدارجة «جنب البحر» ولن يختلف الأمر لي عن النادي اليوناني. أبهجني الحوار مع الحاضرين من مصر وخارجها وتعليقاتهم على محاضرتي وسعادتهم الفائقة بما قلت، وكيف يعرف بعضهم رواياتي، وكيف بدأ بعضهم يبحث عن نسخ بالعربية، أو مترجمة لها وسيقتنونها وستكون بيننا لقاءات حولها على السوشيال ميديا. كل الأسماء التي ذكرتها في البداية تقريبا وغيرها. كان من الجمال باعتبار المُلتقى عن المدن الكوزموبوليتانية أن يتم عرض فيلم رائع لحوالي ساعة لنزار الصياد ومعه الباحثان القاهريان عبد العظيم فهمي وحسن حافظ عن قاهرة بين القصرين عبر التاريخ.
نزار الصياد لا يكتفي بالكتب، لكنه كقاهري يوثق بالأفلام وهذا ثاني فيلم له. أبهجني الفيلم الذي فيه جولة له مع مشاركيه في القاهرة، وحديث عنها منذ النشأة وما جرى عليها وما جاء عنها في كتب التاريخ والرحالة وكتاب محدثين مثل نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وخيري شلبي.
كل هذه البهجة التي ساعدتني على الحركة، لم تمنع النوستالجيا والحنين أن ياتي بالشجن الذي تجاوزته بهذه اللقاءت العظيمة بالنقاش، وكان من أجمل ما عدت به إلى جانب كتاب محمد عوض الجديد، «معجم الدليل المعماري للمدينة» الذي حرره المعماري زياد السيد هو وزوجته دينا سامح طه، الذي لعلي أقف عنده مع كتاب عوض في ما بعد.
كاتب مصري