لا تتوقف الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وعموم مدينة القدس، فتوالي الأيام يحمل الكثير من الممارسات والتحولات السياسية والدينية على صعيد أفعال الاحتلال في الأقصى، أو على صعيد تراجع دور الأوقاف الإسلامية في الوصاية عليه.
أحد أبرز التحولات حملتها «مسيرة الأعلام» الأخيرة منذ نحو أسبوعين، فقد كانت الأكثر صعوبة على القدس والأقصى، حيث وصفها نشطاء بأنها أحد أسوأ الأيام في تاريخ المسجد.
«القدس العربي» تحاور ابن القدس المبعد عنها، الأكاديمي والباحث المتخصص في شؤون المدينة وأقصاها عبد الله معروف، الذي خرج منها مضطرا قبل أكثر من22 عاما.
ومعروف الذي يقيم مؤقتا في اسطنبول يعتبر باحثا ومتخصصا في علوم القدس والمسجد الأقصى، ويعمل حالياً مدرساً في جامعة إسطنبول 29 مايو، وهو أستاذ دراسات بيت المقدس بالجامعة نفسها، بعد أن عمل لسنوات مسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى.
ويرى معروف في هذا الحوار أن «مسيرة الأعلام» عكست جانبا من سياسات تحويل المناسبات الوطنية الإسرائيلية إلى مناسبات دينية، وهي مسألة غير مسبوقة في المسجد الأقصى، ويصف ما جرى بإنه يشكل فضيحة للعالم العربي والإسلامي. وفي هذا الحوار الخاص تحدث معروف عن ملفات كثيرة لعل أبرزها آليات العمل لحماية الأقصى في ظل تنامي سياسات استهدافه، ونتائج سياسات المستوطنين لتحويل الصراع إلى صراع ديني، وكذلك تراجع مفهوم الوضع القائم الذي لم يعد قائما حسب معطيات الميدان، وفي ما يلي نص الحوار.
○ منذ فترة طويلة غادرت مدينة القدس، بعد أن عملت في المسجد الأقصى لفترة من الزمن، البعد المادي لم يجعلك بعيدا تماما بل ربما أصبحت أكثر قربا، بداية متى غادرت القدس؟
• غادرت المدينة المحتلة قبل نحو 23 عاما، كنت مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في المسجد الأقصى وكان مكتبي في باب الرحمة.
○ وأنت بعيد تراقب ما يحل بالأقصى خاصة والقدس عموما، كيف ترى التحولات عما كان الوضع سابقا وعما هو الحال عليه اليوم؟ ما المختلف؟
• المختلف كثير جدا، طبيعة ونوعية الاقتحامات اختلفت مئة في المئة، لماذا نقول ذلك؟ في الفترة التي كنت فيها بالأقصى كان فيها جانب من الاقتحامات لكنها في جانب آخر هي فترة منعت فيها الاقتحامات وتحديدا خلال الفترة ما بين عام 2000 -2003. أي خلال فترة انتفاضة الأقصى الثانية. أُخرجت من القدس سنة 2002 في شهر تموز/يوليو، حيث لم تكن هناك اقتحامات لكون دائرة الأوقاف الإسلامية، في تلك الفترة، منعت الاقتحامات بأي شكل من الأشكال. أما قبل تاريخ 29-9-2000 أي قبل دخول ارائيل شارون إلى الأقصى، كانت دائرة الأوقاف الإسلامية هي المشرفة على دخول السياح أو الزوار، أي من غير المسلمين، وكان من بين هؤلاء المستوطنون واليهود، كانوا يدخلون بصفتهم سياحا من دون أن يترتب على ذلك أي حق أو فعل أو أي إشارة دينية، والأساس هنا أنهم كانوا يمنعون كلية من تأدية أي طقوس دينية، حتى أنهم كانوا يحصلون على تذكرة لدخول قبة الصخرة أو المتحف الإسلامي.
بعد سنة 2003 سلطات الاحتلال قررت فتح المجال للمستوطنين للدخول بشكل فردي من دون تنسيق مع الأوقاف الإسلامية، كان عنوان الدعاية الأساسي التي اشتغل عليها الاحتلال، في تلك الفترة، أنه يفتح المجال فقط للزيارة وليس للعبادة بأي شكل من الأشكال، بمعنى كانوا يدخلون باعتبارهم زوارا يقومون بجولة في الساحة تحت إشراف شرطة الاحتلال ويكون معهم حارس من دائرة الأوقاف الإسلامية، والمجموعة لم تكن تزيد عن بين 5- 10 أشخاص. الحارس الذي يتبع الأوقاف كان يسجل أي حركة وبمجرد حدوث أي إشكالية أو تجاوز مثل مجرد تحريك «شفايف» عبر التمتمة في إشارة للصلاة أو الدخول بلباس ديني مثل القمصان التي يتدلى خيطان من أطرافها فإنه كان يقوم بتبليغ الشرطي المرافق وبالتالي يقوم بإخراجه مباشرة من المسجد الأقصى، وهذا الذي اختلف تماما اليوم.
○ لمن لا يتابع هذا الأمر فإنه بمثابة انقلاب رأسا على عقب عما كان قبل عشرين عاما تقريبا؟
• الآن لم تعد لدائرة الأوقاف الإسلامية أي سلطة أو دور أو سيطرة على دخول المستوطنين للمسجد الأقصى. وهذا أولا، لكن ما جرى بعد عامي 2015 و 2024 عكس تغييرا كاملا في مفهوم الزيارة وكل التفاصيل التي تحدثت عنها سابقا.
في عام 2024 أقر بن غفير مسألة أن يكون لليهود الحق بالصلاة بالأقصى، وهو تجاوز ما كان متفقا عليه سابقا وتحديدا في «تفاهمات كيري» عام 2015 التي منحت اليهود حق الزيارة في الأقصى من دون أي حق للعبادة.
هنا نلحظ أن التغيير يصل إلى 180 درجة، فمن مجرد مجموعة صغيرة لليهود تدخل مع السياح الآخرين وتقوم بالزيارة وبشكل خفي ومشروط ومسيطر عليه وبإشراف الأوقاف الإسلامية بشكل كامل، إلى دخول كامل من دون شروط ومع ممارسة الطقوس الدينية كلها، وكأن المستوطن يملك المكان بين قوسين. ما نشاهد من اقتحامات يومية هو دخول المستوطنين للأقصى وكأنهم يملكون المكان، هذه الصورة العامة التي ينقلها المستوطنون عبر الاقتحامات اليومية.
○ مجمل ما تقول وما راجعته أثناء التحضير للقاء يظهر أن التحول الكبير والكبير جدا أمر قديم وليس حدثا جديدا، أي أنه لا يرتبط مباشرة بأحداث 7 أكتوبر عام 2023. ما أبرز الدلالات والمؤشرات على ذلك؟
• اتفق معك، ليست هناك أي علاقة بـ 7 أكتوبر، التغييرات في الأقصى كانت قائمة على قدم وساق منذ اللحظة الأولى من عام 2003 حيث بدأت عمليات تغيير الوضع القائم في الأقصى. أما عند السؤال: لماذا هذا العام بالتحديد؟ فيمكنني القول إن الاحتلال في هذا العام قرر فتح الأقصى للمستوطنين من دون دائرة الأوقاف الإسلامية، حيث فرض نفسه كشريك في إدارة الأقصى، قبل ذلك لم يكن الأمر كذلك بالمرة، حيث كان للأوقاف الحق الحصري لإدارة شؤون الأقصى، بعد 2003 رسم (حدد) الاحتلال نفسه بالقوة شريكا في إدارة المكان وهذا لم يكن له أي علاقة بالسابع من أكتوبر. قبل أربعة شهور من السابع من أكتوبر وفي شهر حزيران/يونيو 2023، عضو الكنيست عميت هليفي من حزب الليكود طرح لأول مرة مشروع قانون تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، بشكل رسمي بالكنيست، وهذا أمر غير التقسيم الزمني الذي طرح عام 2013 بشكل رسمي وصار معمولا فيه باعتباره أمرا طبيعيا.
قبل طوفان الأقصى كان الحديث عن التقسيم المكاني، وبنسبة جنونية حيث كان يقال إن يكون70 في المئة لليهود و30 في المئة للمسلمين. بناء على ذلك نحن نرى سلسلة كاملة من الأحداث والتجاوزات ليست لها أي علاقة بالسابع من أكتوبر. وهذا أمر مفروغ منه ولسنا بحاجة لمن يدعي أن ما يجري بالأقصى مرتبط بتداعيات السابع من أكتوبر.
○ لكن ما جرى في احتفالات «مسيرة الأعلام» قبل فترة قصيرة كان حدثا عكس التحول الأكبر، لقد حدثت تطورات جديدة على مستويات عدة… ما رأيك؟
• مسيرة الأعلام في المسجد الأقصى هذا العام كانت فضيحة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فضيحة للعالم العربي والإسلامي من وجهة نظري، لماذا أقول كذلك؟ سأجيب. في عام 2021 كانت الدعاية التي طرحتها جماعات المعبد اليهودية تتمثل في إقامة طقوس دينية داخل المسجد الأقصى فقط، لحظتها قامت الدنيا ولم تقعد، حيث اندلعت معركة «سيف القدس»، كنا إزاء معركة كاملة امتدت لشهر كامل في الأقصى وباب العمود والشيخ جراح، وفي أواخر رمضان أي «يوم القدس» (بين تنصيص) انتفضت القدس والضفة وأطلقت الصواريخ من غزة وقامت القيامة كما يقال. الآن ما جرى فعليا عام 2025 تمثل في أن مسيرة الأعلام لم تحدث فقط في شوارع القدس مثلما جرت العادة بعد العصر، لمدة ثلاث ساعات داخل القدس وصولا لحائط البراق، لكن ما جرى هذا العام خلال اقتحام الاحتلال للأقصى في الصباح، حدثت مسيرة أعلام خاصة داخل الأقصى ذلك لأول مرة، هذا ما أصفه بالفضيحة بكل ما للكلمة من معنى، لماذا؟ المعركة السابقة كانت ضد الطقوس الدينية، اليوم نرى طقوسا دينية ومسيرة أعلام انتفضت كل فلسطين بسببها عام 2021، وقبل أن تحدث في شوارع القدس حدثت في الأقصى وداخل ساحاته. أضف إلى ذلك أن عدد المقتحمين أكبر من عدد المقتحمين للقدس على مدار58 سنة، وبالتالي أخذ الموضوع طابعا كارثيا حقيقيا، نوعية الطقوس التي تمت تأديتها في هذا اليوم كانت شيئا مؤلما ومزعجا ومتعبا نفسيا، والسبب انه يفترض في يوم «توحيد القدس» (بين تنصيص) وهو يوم وطني/ سياسي، ليس له علاقة بالدين اليهودي وليس له طقوس دينية خاصة، ليس له أي علاقة في مواسم الحج اليهودي، مع ذلك قامت جماعات المعبد بتحويله لموسم ديني، حيث دخلوا للأقصى بالتابلين (قطع أشرطة توضع فيها لفائف التوراة)، والطاليت (الشال الخاص بالصلاة)، (أدوات الصلاة)، ولأول مرة حاول 3 أشخاص إدخال اللفائف التوراتية الكبيرة، للمسجد الأقصى في هذه المرحلة، كجزء من تحويل مناسبة وطنية إلى مناسبة دينية. وهو غير مسبوق بالأقصى ويمنحك إشارة على أن جماعات المعبد تقوم بتحوير المناسبات الوطنية إلى مناسبات دينية، أي أصبحنا نرى تدينا سياسيا، إن صح التعبير، تحويل كل شيء سياسي إلى شيء ديني، عكس تحويل الديني إلى سياسي، وهذا هو العنوان الذي يميز جماعات تيار الصهيونية الدينية الذي تنتمي له جماعات المعبد، وهي تيار يستخدم السياسة لأجل الدين وليس العكس. وهذا شيء كارثي فعلا من وجهة نظري.
○ عموم ما يشهد الأقصى منذ فترة لا بأس بها، وما يجري مؤخرا يبدو أنه يجرنا إلى أن يكون جوهر الصراع دينيا، لا أعرف بالضبط رؤيتك للصراع لكن ما أراه أننا ننزلق باتجاه أن يصبح الصراع دينيا؟
• يشير تاريخ إسرائيل أنها مرت في ثلاث حالات سياسية، الأولى اليسار، والثانية اليمين، والثالثة تيار الصهيونية الدينية، في المرحلة الأولى كانت إسرائيل يسارية علمانية ليبرالية أنشأها بن غوريون، تستخدم أحيانا الدين لأغراض سياسية وبطريقة فيها نوع الاستخفاف بالدين والمتدينين، في تلك الفترة كانت نسبة المتدينين أقلية بالنسبة للفئات الأخرى، «الحريديم» كانوا 2.6 في المئة زمن بن غوريون، اليوم نسبتهم 17 في المئة من المجتمع اليهودي، (13 في المئة إذا احتسبنا العرب الفلسطينيين). المرحلة الثانية، أي بعد عام 1977 حيث نجح مناحيم بيغن وخلال فترته انتقلت إسرائيل لمرحلة جديدة، وأصبحنا في مرحلة إسرائيل القومية اليمينية لكن في ذات الوقت علمانية، تيار قومي علماني، عادة التيارات القومية لا تكون مضادة للأديان حيث تعتبر الدين اليهودي تراثا وطنيا قوميا للشعب اليهودي، هنا نذكر مثلا أن حزب الليكود كان أقرب للأحزاب الدينية رغم كونه علمانيا وليس حزبا دينيا، اليوم اختلف الوضع تماما، حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو تقوم على الصهيونية الدينية، هذا التيار لا يتعامل بفكرة السياسة أو استخدام الدين لأغراض سياسية، العكس هو الذي يحدث، فهو تيار ديني بمعنى انه يقوم على فكرة النبوءآت التوراتية والتلمودية وضرورة تحقيقها، ولأجل ذلك لا بد من تحقيق المناخ السياسي المطلوب، وبالتالي هو تيار يستخدم السياسة من أجل الدين، أي يدير كل أمور الدولة السياسية بناء على الرؤية الدينية/ الحاخامية (الحاخامات)، وهو يسير اليوم بهذا الاتجاه، فنحن إزاء تيار ديني لا يرى الصراع سياسيا، إنما صراعا دينيا، أي بين دينين، وهو صراع قائم على فكرة المسيح.
○ كإنه يعيدنا إلى فترة الحروب الصليبية؟
• بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، وفي الحروب القديمة (فترة الحروب الصليبية) كنا ننظر للأمر على أننا نحن أبناء الأرض الأصليين، وتحديدا في أيام الصليبيين، هنا أتحدى أن يكون هناك مؤرخ واحد ممن كتب عن تلك المرحلة استخدم مصطلح صليبيين، المسلمون كانوا يسمونهم فرنجة، لماذا؟ لأن بالنسبة لإبن الأرض كان ينظر لهم على أنهم أشخاص غريبين أوروبيين قادمين من أرض غريبة ويريدون احتلال الأرض، هكذا تمت قراءة الأمر، بالنسبة لهم أطلقوا على أنفسهم مصطلح صليبيين حيث نسبوا أنفسهم للصليب واعتبروا أنفسهم في حرب بين الإسلام والمسيحية والشعار هو الصليب باعتباره رمز الفداء. المسلمون نظروا للأمر على أنه حرب بين محتل وشعب واقع تحت الاحتلال.
نفس الشيء نراه اليوم، حيث أن تيار الصهيونية الدينية ينظر للأمر نظرة دينية بحتة، بالنسبة لنا مجمل القضية الفلسطينية عبارة عن فكرة مفادها أن هناك شعبا يقع تحت الاحتلال من قوى خارجية وعلى المحتل أن يتراجع عن احتلاله وينتهي الأمر.
أما الصهيونية الدينية فتنظر للأمر على أنه صراع متعلق بفكرة تحقيق النبوءآت الدينية. بما أنه متعلق بالدين نلحظ أنه لأول مرة أصبح الأقصى في مركز الهجوم الإسرائيلي، وهو ما يحول الصراع إلى صيغة دينية، والسبب في ذلك، رضينا به أم لم نرض، هو أن المسجد الأقصى ذو مكانة دينية بالنسبة للمسلمين في كل العالم. مدينة القدس وبأهميتها جميعها هي مدينة ذات طابع ديني، ليس هناك من يحب القدس كون حجارتها جميلة أو ملونة. بالمقابل يافا جميلة وحيفا أيضا لكنها ذات مكانة مختلفة بالنسبة للمسلمين من الناحية الدينية. ولكون المسجد الأقصى في قلب المواجهة فإنه لا مجال أن تتحول القضية إلى موضوع ديني، فالأقصى مكان لجميع المسلمين على الأرض وليس حكرا على الشعب الفلسطيني.
تيار الصهيونية الدينية يجنح من خلال هجومه على الأقصى والقدس وتركيزه عليهما، ورعايته لجماعات المعبد المتطرفة بقيادة الوزير المتطرف بن غفير، وكل محاولات تغيير الوضع القائم في الأقصى، بتغيير مسار المواجهة لدينية طالما التيار اليهودي المسيطر يدفع بهذا الاتجاه.
○ على سيرة محاولات تهويد الأقصى تحدثت صحيفة عبرية عن أن مفهوم «الوضع القائم لم يعد قائما» بالمقابل أرى أن الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية لا تقوم بتوصيف الوقائع كما هي، كيف ترى ذلك؟
• بداية لا بد من فهم نقطة مهمة ترتبط بتعامل المؤسسات الرسمية العربية مع الأقصى وما يتعرض له، حيث يمكن توصيف هذا التعامل بإنه سياسة فيها الكثير من البيروقراطية الحكومية المتعارف عليها على مدار السنوات الماضية، تعاطي الحكومات بطيء، وهي تنظر لأي مسألة من خلال مسار بيروقراطي. بتقديري أن هذا الكلام وهذا التعامل لا يجب أن يحدث في المسجد الأقصى، إنه يعكس خطأ وخللا حقيقيا، وهو لا يعني أن الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية لا تنظران للموضوع بجدية وخطورة أبدا، هم يرون ذلك ويدركون الخطورة، لكن هذه البيروقراطية التي تغلف العمل الحكومي تعيق تحقيق أي إنجاز إن صح التعبير فيما يتعلق بالأقصى. على سبيل المثال مسألة عدم مواجهة الاحتلال وعدم تأزيم الوضع في القدس والأقصى باعتبار هذه رؤية الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية، أراها خطأ، وإن حدثت كفعل سياسي عربي فإنه لا يجب أن تحدث في قضية بحجم الأقصى.
على سبيل المثال موضوع الدعاء لغزة، قبل حوالي شهر قام الاحتلال بمنع خطيب الأقصى من الدعاء لغزة في صلاة جمعة، جاء التوجيه إنه لا نريد الدخول في أزمة مع الجهات الإسرائيلية ولا نريد منحهم ذرائع ومبررات للهجوم، وبالتالي تحول الخطباء إلى الإشارة إلى غزة من دون ذكرها. وهذا الكلام سببه أن البيروقراطية الرسمية تسير بنفس الاتجاه السابق، أي جعل الأمور ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية التي تريد كل الأمور ان تبقى تسير على نحو طبيعي. بتقديري هذا أمر لا يصح. نحن لسنا في وضع طبيعي أصلا، هذا أولا، ثانيا، الأصل كان أن الدفع بتأزيم القضية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وذلك يكون عكس رغبة الاحتلال، بحيث يجب أن يسمع الاحتلال كلمة غزة بدل مرة في الأسبوع خمس مرات في اليوم، وليأتي الاحتلال ليمنع الحراس ويفعل ما يريد. أنا أريد أن أعمل أزمة في القدس، هذا هو الواجب، لكن فعليا هذا لا يحدث، لكوننا لا نخرج عن ذات العقلية في التعاطي مع الأقصى وما يحاك له، أنا والنشطاء الذين يؤمنون بالمنطق الذي أتحدث عنه ندعم بتوجيه الفعل ورد الفعل الرسمي الحكومي باتجاه الصواب، وذلك يكون من باب أن الأقصى ليس ملكا لأحد، إنه ملك الجميع ولا يجب الصمت على ما يجري فيه.
○ وكأن السؤال هنا يكون، كيف يمكن الحد من تغول الاحتلال في التعامل مع الأقصى والقدس في ظل التحولات الجديدة في مسيرة الأعلام؟
• المفتاح من وجهة نظري هو التأزيم، لقد رأينا أثر ذلك من عام 2015 وحتى اليوم، منذ ذلك العام كانت لدينا مواجهة واحدة مع الاحتلال كل عام ونصف، 2015 هبة السكاكين، 2017 هبة باب الأسباط، 2019 هبة باب الرحمة، 2021 معركة سيف القدس، و2023 معركة طوفان الأقصى حتى اللحظة. نلحظ في كل محطة عملية تأزيم كبيرة، أفضل مثالين على التأزيم الشعبي «هبة باب الأسباط» و«هبة باب الرحمة»، الهبة الأولى عندما قام الاحتلال بتركيب البوابات الإلكترونية على مداخل الأقصى وانتهى الأمر، لو رضينا بالأمر ومشينا خلف الموقف الرسمي والبيروقراطي العربي لأصبحت البوابات واقعا لا يمكن تجاوزه، ولو مشينا في نهاية الهبة للرسمي لكان باب حطة مغلقا أيضا، إذ كانت لدى الاحتلال خطة لإغلاق الباب نهائيا، وأصر الشعب على الدخول من باب حطة وليس من باب الأسباط. لقد حدثت أزمة يومها، حيث تأزمت القضية أكثر وأكثر، وفي النهاية الشعب عمل ما يريد. ويوم وقعت «هبة باب الرحمة» بعد أن غير الاحتلال قفل الباب، القفل الذي كان يغلق باب الرحمة من أكثر من 16 سنة كان يعود للأوقاف الإسلامية، كان مكتبي هناك بالمناسبة وذلك عام 2002، الاحتلال عندما غير القفل قامت القيامة، كان هناك رأي يقول يكفي، سنعيد الأمور لما كانت عليه، أي أن نضع قفلا من دائرة الأوقاف ونرمي قفل شرطة الاحتلال، الناس لم تقبل، لقد قامت هنا بالدفع باتجاه التأزيم، لا نريد الحل الوسط أو أن تعود الأمور لما كانت عليه، لا نريد الأقفال، نريد فتح الباب كما كان الأمر قبل أكثر من 16 عاما بحيث يعود المكان إلى سابق عهده كمصلى للمسلمين. عندما ذهبنا للتأزيم فتح الباب من دون موافقة الاحتلال وظل حتى اللحظة أي منذ ست سنوات 2019.
في القدس مفتاحنا هو التأزيم، لماذا أقول ذلك؟ لأن الاحتلال إذا لمس منا التقدم في القدس فإنه سيتراجع، هذه طبيعته، فإذا اصطدم بالشعب الفلسطيني في القدس يدرك أنه سيذهب باتجاه انتفاضة جديدة، فالقدس قادرة على إشعال الوضع كله، ونلحظ هنا أنه يحرص على ألا يصل الأمر إلى اندلاع انتفاضة ثالثة، لذا يتراجع عندما يرى تصعيدا وتأزيما من ناحية الفلسطينيين والعرب، أما التراجع من قبلنا فإنه يقرأ من الاحتلال على أنه حالة ضعف، ويترتب عليه ممارسات إضافية. الحل ليس من عندي، إنما الاحتلال يعطينا إياه، التأزيم.
○ سؤال أخير، هناك مخاوف أن يحل بالأقصى ما حل بالحرم الإبراهيمي بالخليل، كيف تنظر لهذه المخاوف، مستحقة؟
• لا سمح الله، لقد أصبح الحرم الإبراهيمي بمثابة كنيس للاحتلال. هناك سؤال: ما الذي يمنع الاحتلال عن ذلك؟
○ ربما الخوف من غضب الجماهير؟
• بالضبط، إنها تلك المخاوف من غضب الجماهير. طالما هذا الخوف موجود فإنه لن يقدم على ذلك، أما سبب الخوف فمرده خوفه من التأزيم، طالما هذا الخوف موجود فإن الأقصى بخير، وفي لحظة زوال هذا الخوف لا سمح الله، نقول على المسجد الأقصى «يا رحمن يا رحيم»، الموضوع هنا متعلق بشعبنا، طالما شعبنا يزرع الخوف في الاحتلال ويرعبه من فكرة رد فعل هائل وكبير إذا اقترب من الأقصى فإن الأقصى سيبقى بخير، والمفتاح لذلك أن يظهر شعبنا رد فعل كبير وهائل على أي فعل في الأقصى مهما كان الحدث صغيرا، أو مهما كان يبدو صغيرا، المطلوب منا رد فعل شعبي على حجم الأقصى وليس على حجم الحدث الصغير، أما إذا لم تصل رسالة للاحتلال مفادها أن إجراءاته في الأقصى لن يترتب عليها موقف كبير بحجم الأقصى، فإنه لن يصبح مصيره كما هو الحال في المسجد الإبراهيمي بل سيذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
○ قبل أن ننهي حوارنا، وأنت اليوم في إسطنبول، حيث أجبرت على الخروج من القدس مبعدا، هل كان في ذلك أي خير؟
• صحيح لم أخرج كخيار، بل تم طردي. كنت أقول للمقدسيين أنني لن أخرج من القدس إلا محمولا للمقبرة أو محمولا في سيارة شرطة، كانت الثانية. لكن كما يقال في كل شيء هناك خير، والنشطاء في القدس كانوا يخبرونني دوما أن من يدافعون عن الأقصى ممن هم في الخارج لديهم القدرة على الحديث والكلام أكثر ممن هم في الداخل بفعل إجراءات الاحتلال ضدهم. وبالتالي دفاعي عن الأقصى شرف لي.