يعد الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي مخلصاً لذاته، ولنفسه، ولجنوحه، الذي يتنكر للشعريات الكبرى، ولا يحاول ترديد ما جادت به قرائح الأسماء الشهيرة في قصيدة الحداثة العربية. لا تُرى في نصوصه أصداء الآخرين، ولا تستشعر أبوة شاعر معين تسري في نسيج قصائده. إنه وليد قصائده، وقصائده وليدة جنونه، وجموحه، وحياته كبطل تراجيدي مضاد، يحارب قضاياه الوجودية بالصمت، والإنكار. كأن لا شيء هناك، لا شيء، مولياً ظهره لكوارث عصرنا، كاظماً في نفسه مشاعر الغضب حيال سرقة وطنه، بالسلاح من قبل الأعداء، وبالخيانة من قبل الأقربين، واختفاء بيته من الوجود عندما أراد العودة إليه. أن يمضي المرء في الحياة، مخادعاً ذاكرته، وهويته، غير مكترث لحجم الدمار المعاصر، فهذا أمر يستحق الدراسة وإعادة التفكير. فنحن إزاء موقف شديد القسوة، تتصاعد فيه عدمية بلا حدود، تعلن رفضها للإنسانية برمتها، ولم تعد تبالي بأحد، نتيجة هذا الضياع، الذي يسلم المرء إلى فقدان بهجة الوجود.
فلنبدأ مع الشاعر بقصيدة: «كل شيء نحو الهاوية»:
«أنتِ، هذا الفم المؤدي نحو الجحيم
هاتان العينان الذاهبتان نحو الخراب
وذلك الرأس الأجرد، رأس الفتنة
كل شيء مصاب بالملل
الأصدقاء.. صفحاتهم الباردة كما السماء
تلك البقرة الجالسة أمام المدفأة على أريكة من الفرو،
ملابسنا الداخلية كالبيانات السياسية مصابة بالعطب
لا شيء
خارج عن المألوف،
لا شيء شاذ في حياتنا المملة
حتى أنتِ أصبحتِ كأي بحيرة أصابها الجفاف
لا شيء لا شيء
خارج عن المألوف
سوى أنت».
منذ اللحظة الأولى، ومع عنوان القصيدة، يتم إصدار حكم نهائي على العالم، بأنه يتجه نحو النهاية. إذاً، فلا شيء يستحق العناء، ولا شيء يستحق الاهتمام. فالهاوية هي مستقر السقوط، والعدم، والشعور باللاجدوى. وعلى الرغم من أنه يخاطب أنثاه، إلا أن العذاب والألم والتفسخ الروحي، يمثلون خطاب القصيدة بدون مراوغة. انظر إلى المفردات: جحيم، هاوية، خراب، ملل، عطب، جفاف، إلخ.. عالم جحيمي، مكتظ بالخراب، واللامعنى، يعدد فيه الشاعر كل الأخبار السيئة، مدخراً خبراً واحداً جيداً، للحظة النهاية، ربما على مضض. ففي انعطافة حادة، بعيدة عن هذا السياق الملعون يختتم القصيدة بسطر خارج توقعاتنا، مخاطباً تلك الأنثى الحمول، بجملة غزل محافظة: «لا شيء خارج عن المألوف سوى أنتِ».
لكن، على أي حال، لا يقين هناك بأن هذه الأنثى تمثل ما هو ثابت لديه.
يبدو الشاعر واعياً بعبثية الحياة، يعتبرها لعبة مملة، فراغاً هائلاً، وأنه يحيا وسط عالم بلا مغزى، فاقداً للفرادة. يينما هو لا يريد الخلاص، رافضاً أيضاً العيش في وهم الخلاص. إنه يستسلم للكآبة مطيعاً، من دون أي بادرة دفاع، كما يعترف في النص التالي:
«تسحب الغطاء، تطردني عن السرير
تلك المجنونة
تسرق الطريق
تحطم أسناني
وتورث الهرم المبكر
تمشي أمامي تحتل مكاني في سيارة الأجرة
تشرب الألم وحدها
آه.. تلك العجوز، إنها تعيش على قلبي».
تبدو الكآبة هنا قدراً غير قابل للتغيير، فهي ليست مجرد شعور فقط، بل هي كائن حي يسيطر عليه. تسحب الغطاء عنه، لا تستره، تتركه عارياً أمام نفسه وأمام العالم، بلا مأوى، كشخص لا يعرف الراحة، مطروداً من أبسط الاحتياجات البيولوجية، وهو النوم، أو الاسترخاء. إن السرير، هو وطن صغير، بالغ الخصوصية، يحتوي الإنسان، في الوقت الذي يأوي إليه، ملاذ ضروري، وليس قطعة أثاث مصمتة، نقضي فيه نصف أعمارنا، ونتقاسم معه الألفة، والراحة، والأمان.
من اللافت هنا تشبيه الكآبة بالأنثى، وكأن «هناك واقعاً معيناً، لا يمنح فرصة لتعدد أدوات القهر والإحباط، ولكنه يركزها في أكثر الكائنات رمزية للطمأنينة، وهي الأنثى. لا بأس، فالمواطن العربي لم يعد يشعر بالأمان في ذاته، أو في وطنه، ولا حتى محيطه القريب. وكأن الكآبة صارت جزءاً من هويته، يحاصرنا بها البرغوثي عبر أكثر من قصيدة، معطياً مثالاً صريحاً على الوعي بحالتنا. وكأنه يذكرنا بمقولة ألبير كامو بأن: «العبث لا يكمن في الحياة، بل في انفصال الإنسان عن حياة لا تستجيب».
إنها نصوص لا تمنح المعنى، بقدر ما تظهر خواءه، لأنها ابنة ذات شاعرة لا مبالية، لا تكترث بشيء، ولا تعاني أي تناقضات في موقفها العدمي من العالم. فهي خارج المدارس والتيارات الشعرية المعروفة، تحيا في فقاعة وحدها. ربما كان البرغوثي يرغم نفسه على استضافة شاعر آخر، من ثقافة أخرى، لكنه يشاركه بعض الرؤى، ويفكر، أحياناً، على طريقته، وهو الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي، الذي سيطر على ذائقة جزء لا بأس به من القراء العرب، في السنوات الماضية، وتغلغلت أعماله في نسيج بعض الأعمال الإبداعية التي صدرت تحت سطوة هذا الشاعر الوحشي، بعدما صار موضة أدببة يجب التعرف عليها، ولا بأس أيضاً من تجربتها.
لذا، تبدو هذه الذات متصالحة مع محيطها، مستسلمة لبشاعته، وتعقيداته، تتغذى على الضوضاء الصادرة عن داخلها، وهي تصنع قصائد غير مدجنة، لا تنتمي إلى المألوف، ولا تدعي النضال، بغية الارتفاع على أنقاضه، وإن كنت «أظن» أنها تطوي بين جوانحها، في مكان خفي، هزيمة عقائدية، وأيديولوجية من حيث الجوهر. خسارة أفقدتها الأمل، وأفقدتها العناد، والإيمان بالمستقبل؛ فمعظم القصائد هي استبطان للسياسة، ولكن بشكل مختلف، حتى لو صارت في الاتجاه المعاكس، هروب يقود في النهاية، إلى المربع الأول، إلى نقطة الصفر. قد نكتشف ذلك إذا انقشع الضباب الذي يكسو بعض الكلمات، واخترقنا بعض الحجب التي تخفي المعاني المضمرة.
يقول في قصيدة «وجه المدينة» واصماً المكان. نعم (واصماً) وليس واصفاً:
«تبدو المدينة
كقبر سجين بريء، المباني تحجب رؤية النجوم
والأسفلت يطير مع الهواء كشرائط ملونة من
الأحلام والذكريات
الصباح كأيدٍ مغلولة
المدينة تسلب الجميع حريته
أمرُّ عبر شوارعها
أشعر كأن النجوم تتساقط
من رأسي
ولا أحد في الشارع.»
في هذه القصيدة، لا تبدو المدينة واقعاً جغرافياً، بقدر ما هي تمثيل مجازي لظروف قهرية تحيط بالمرء. مدينة تبدو كقبر سجين بريء، وكأنها تُختزل في الظلم، كمساحة لا عدالة فيها، فالقبر هو الانغلاق. النهايات، إنه اللاوجود، حتى المباني لم تكن عوناً في احتضان المتعبين، بل تحولت إلى العداء، فهي تحجب النجوم، رمز الأمل والاتساع اللامحدود. وراحت تسفر عن وجهها القبيح، قاضية على أي وهم بالجمال. مدينة تسلب المرء حريته.
إذا قشرت كلمات القصيدة جيداً، فستجد نفسك في مدينة محتلة، هناك في فلسطين، تستمع إلى صوت شاعر فلسطيني حتى النخاع، يقوده كبرياؤه إلى عدم إسناد عذاباته إلى المحتل، وهو هنا الكيان الصهيوني. إنه يعترف بالهزيمة، ولكنه ينكر على العدو فخار الانتصار لأنه، في الحقيقة، ليس انتصاراً شريفاً، إنها مجازر وسرقات ترتكبها مجموعة من المشردين، ولصوص الأرض والتاريخ.
لنقرأ قصيدة أخرى، تنهل من الفراغ، واللااكتراث، وعدم الحاجة إلى أحد، بعد فقدان الثقة في العالم:
«لا أحد أخشى خيانته
العمر، حاويات القمامة
أحذيتي المهترئة
إنه جمال سائب،
لا أحد
لا صيف أخشى خيانته
مثل الشوارع التي
أمرّ عليها الآن…
ذهني خاوٍ تماماً
كأنه مغسول للتو
صداع خفيف في رأسي وطنين
البرد يخترق الذاكرة
أسمع دقات قلبي عالية
ربما من الورق الزيتي
الذي دخنته ومعدتي خاوية.»
خطاب الإدانة واضح منذ اللحظة الأولى، يبدأ مع العنوان شديد الدلالة، الذي يرفض الآخرين، ويحرمهم من ثمرة انتصاراتهم عليه، فهو يضع نفسه في موقع ضعة وضياع، ميكانيزمات دفاعية محبطة، تسلم الخصم إلى حالة من عدم الشعور بلذة النصر. ماذا تفعل إزاء خصم يضع نفسه في مرتبة بشرية متدنية، ينتعل أحذية مهترئة. يجد المخدر، ولا يملك ثمن الطعام، أو لا يهتم بوجود طعام، فهو لا يرغب في الحياة على ما يبدو، فالعمر حاويات قمامة، بما تعنيه هذه الجملة القاتمة، التي تعلن عن احتقارها للزمن وتفاهة الوجود!
فكما في معظم قصائد هذا الديوان، تتخلى الأنا الواعية عن موقعها، مفسحة المجال للأنا المنسحقة، المقهورة. أنا، لم تعد تراقب الحياة من موقع القوة، من خلال ذات لا ترغب في البقاء، وتتجه نحو إلغاء كل شيء، لا مكان للحب، ولا حاجة بها إلى الاعتراف. متحررة من معظم العلاقات، في حياة لم تعد تراكم أي قيمة تذكر. مقابل فجاجة الواقع، وفراغه من المعاني التقليدية. لا يقين بشيء بعد تحول الأرض إلى غنيمة لمستعمر، لا شيء هناك سوى الفراغ، والشعور بالعدم، الهذيان، والقلق، بعد الصدمات القوية التي تتعرض لها هوية محطمة.
مهيب البرغوثي: «يد يتيمة»
الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 2023
112 صفحة.