الاتحاد العام التونسي للشغل: أزمة داخلية وانقسامات حادة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يعيش الاتحاد العام التونسي للشغل منذ فترة على وقع أزمة حادة تكاد تفقده أدواره الاجتماعية التاريخية التي لعبها في أصعب المحطات في تاريخ البلاد. وبعض أسباب الأزمة يتعلق بترتيب الوضع الداخلي وبأعضائه وهياكله، وبعضها بالانقسامات المتعلقة بكيفية التعامل مع السلطة سواء بتصعيد المعارضة أو بالتهدئة. وتتجه الأنظار نحو موعد المؤتمر المقبل للاتحاد أيام 25 و26 و27 آذار/مارس 2026 والذي يمثل استحقاقا مصيريا سيحدد مآلات هذه الأزمة بكل ما تحمله من تأثيرات على المشهد الاجتماعي والسياسي في البلاد.

أدوار عديدة

دأب الاتحاد العام التونسي للشغل على لعب أدوار عديدة تتجاوز دوره الاجتماعي النقابي، حتى بات لاعبا هاما وأساسيا في المشهد التونسي لا يمكن تجاوزه أو تهميشه. فقد تجاوز الاتحاد دوره كجماعة ضغط مدافعة عن حقوق العمال وطبقة الشغالين حسب تعريفه في علم الاجتماع السياسي، ليكون مساهما فاعلا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد.
وحتى في زمن الديكتاتورية، وبعد خلاف مرير مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة سالت فيه الدماء واعتقل بسببه قادة الاتحاد وكادت البلاد أن تدخل في نفق مظلم نتيجة صراع كسر العظم ذاك، اضطر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى مهادنة الاتحاد وإكرام قياداته ليتجنب غضبه وليحيده في صراعاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فالنظام في عهد بن علي أدرك أهمية منظمة حشاد بعد أن عاين علاقة الاتحاد بنظام بورقيبة التي تراوحت بين المشاركة في الحكم مع بدايات الاستقلال وبين الصدام في عقدي السبعينات والثمانينات، وأدرك أيضا شدة بأس المنظمة الشغيلة في مقاومة الاستعمار الفرنسي ودحره وهو ما كلفها اغتيال أمينها العام فرحات حشاد على يد الاستخبارات الفرنسية، لذلك جنح معها إلى الترغيب بدل الترهيب.
وبعد الثورة لعب الاتحاد الدور الأبرز في جمع الفرقاء السياسيين حول طاولة المفاوضات، وأبرز تونس للعالم كدولة راشدة لها مؤسسات ومنظمات عريقة ترعى خلافاتها الداخلية وليست بحاجة لوصايات أممية أو إقليمية. وأهل هذا الدور الاتحاد العام التونسي للشغل إلى نيل جائزة نوبل للسلام بمعية الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
لكن بعد 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ إلغاء الرئيس قيس سعيد لدستور سنة 2014 وحل البرلمان والحكومة، أي ما تسميه المعارضة انقلابا على الشرعية ويسميه أنصار الرئيس سعيد تصحيحا للمسار، دخل الاتحاد في ما سماه البعض موتا سريريا لم يعد معه فاعلا في المعارضة ولا مشاركا في الحكم. والمريب أن الغياب اللافت للاتحاد عن المشهد السياسي لم يكن بسبب إغراءات للقيادة مثلما كان عليه الحال زمن بن علي، ما جعل البعض يعتقد جازما أن السبب الرئيسي لغياب الاتحاد هو وجود مشاكل داخلية حالت دون لعبه للدور الذي اعتاد عليه على مر السنوات.

غياب وتهميش

أدى انصراف الاتحاد إلى حل مشاكله وصراعاته الداخلية وابتعاده عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلى انصراف السلطة التنفيذية إلى لعب هذا الدور بصورة منفردة ومن دون التنسيق مع الاتحاد مثلما جرت عليه العادة، خاصة وأن الرئيس قيس سعيد لا يؤمن كثيرا بما يسمى «الأجسام الوسيطة» في الحياة السياسية، أي الأحزاب والمنظمات الوطنية وغيرها. فقد تم رفع الأجر الأدنى الأساسي المضمون من قبل الحكومة، والأجر الأدنى الفلاحي المضمون وفي مخصصات المتقاعدين وأصحاب الأجور الضعيفة، وتمت مراجعة السلم الضريبي لتحسين المقدرة الشرائية للمواطن، وذلك من دون العودة إلى المنظمة الشغيلة.
وأدت كل تلك القرارات إضافة إلى تنقيح مدونة الشغل لمنع المناولة والتشغيل الهش للتونسيين من قبل الحكومة، إلى ترسخ قناعة لدى أبناء الاتحاد بأن الحكومة تسطو على الدور التاريخي للمنظمة. فحتى دولة الاستقلال برئاسة الراحل الحبيب بورقيبة والتي اتخذت قرارات وقامت بإجراءات ترسخ الدور الاجتماعي للدولة، صاغت برنامجها بالشراكة مع الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي نالت قياداته حقائب وزارية هامة وساهمت في وضع المخططات التنموية، ولم يقع إقصاء الاتحاد من لعب دوره الاجتماعي مثلما يحصل اليوم.
ونتيجة لهذا الإقصاء عبر الاتحاد في أكثر من مناسبة عن عدم رضاه على هذا التوجه من السلطة التنفيذية، ومن ذلك ما صرح به سابقا أمينه العام المساعد وناطقه الرسمي سامي الطاهري بمناسبة مناقشة مشروع تنقيح قانون الشغل لإلغاء المناولة والتشغيل الهش. حيث طالب الطاهري بإعادة النظر في القانون مؤكدا على أنه يتضمن العديد من الثغرات التي سيتم استغلالها في جميع القطاعات لطرد العمال وأنه صيغ على عجل وبطريقة شعبوية ولم يراع الواقع الميداني.
وأكد الطاهري في تصريحه يومها على أن الاتحاد نبه من الثغرات الموجودة في مشروع القانون والتي ستكون لها تداعيات سلبية، إلا أن الجهات المعنية لم تستمع إلى ملاحظات الاتحاد وتجاهلتها. وانتقد استماع المشرعين للقانون إلى منظمة الأعراف من دون منظمة الشغالين رغم أن الاتحاد معني بهذا القانون باعتباره المدافع عن حقوق العمال ومصالحهم.
كما أكد على أن الثغرات الكثيرة الموجودة في مشروع القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2025 المؤرخ في 21 أيار/مايو 2025 والمتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، سيتحملها العمال. كما بين أن قطاع السياحة من أكثر القطاعات المتضررة، وأن عدد المطرودين أكبر بكثير من الرقم الذي أعلنت عنه جامعة السياحة، لأن الكثيرين يعملون في السوق السوداء من دون عقود ولا يعلنون عن طردهم.
كما أشار الطاهري إلى أن هناك قطاعات أخرى ما زالت ستتضرر من القانون، الذي لم يراع برأيه الملاحظات التي قدّمها اتحاد الشغل. كما لم يقع مشاركة أهل الاختصاص، وتم الاكتفاء بمجرد شعارات لا معنى لها على حد تعبيره.

حالة تخبط

لكن الاتحاد وفي ظل حالة التخبط التي يعيشها خرج ناطقه الرسمي نفسه ليتراجع عن موقفه السابق بشأن قانون منع المناولة، وصدح بموقف جديد من خلال تدوينة على صفحته الرسمية هنأ فيها العمال الذين تم ترسيمهم بعد دخول قانون تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة حيز التنفيذ. وثمن الطاهري قرار حل شركة الاتصالية للخدمات وانتداب عمالها وهي شركة عمومية تشرف على التشغيل الهش صلب الإدارات العمومية.
وجاء في تدوينة الطاهري الذي هنأ العمال بالقانون الجديد رغم عدم استشارة الاتحاد، بأن تنبيه المنظمة إلى تعمد بعض المؤسسات التعجيل بطرد العمال توقيا من الترسيم لأصحاب العقود محددة المدة والإدماج لعمال المناولة، قد أتى أكله ولجم مساعي التحايل على القانون، فتتالت بلاغات الترسيم. وأضاف قائلا: «هنيئا لجميع العاملات والعمال رفع الحيف عنهم وهو أمر نثمنه والفرحة تزداد بأن كذبة كتلة الأجور قد انهارت تماما ولن تتعللوا بها بعد الآن، لكن من الضروري التفكير في دعم المؤسسات العمومية التي تم فيها الترسيم والإدماج وعدم تركها تواجه مصيرها مثلما وقع منذ عقود».
لقد بدأت أزمة الاتحاد حين عارض تيار داخله بشدة قرار تعديل الفصل 20 من القانون الأساسي للمنظمة، والذي تم بموجبه تمديد فترة رئاسة القيادة الحالية لولاية جديدة بدعوى الحفاظ على استقرار الاتحاد. فقبل تعديل هذا الفصل كان حق الترشح لعضوية المكتب التنفيذي يكون لدورتين على أقصى تقدير، لكن التعديل مكن القيادات من الترشح لدورة إضافية. ونتيجة لهذا التعديل برز تيار معارض للأمين العام ومكتبه التنفيذي يرفض التمديد لهم لولاية جديدة وذلك دفاعا عن الديمقراطية داخل المنظمة.
وزادت التصدعات لاحقا داخل الاتحاد في خريف السنة الماضية وذلك مع بروز ”جبهة معارضة” داخل القيادة تضم 5 أعضاء من المكتب التنفيذي، وهم أنور قدور وصلاح الدين السالمي ومنعم عميرة والطاهر المزي وعثمان الجلولي. حيث قررت هذه المجموعة أن تدخل في اعتصام مفتوح بمقر الاتحاد العام التونسي للشغل احتجاجا على الأوضاع داخل هذه المنظمة الوطنية.
وسبق لهذه المجموعة المدعومة من المكتب الجهوي بصفاقس أن دخلت في خلاف مع الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي خلال اجتماع المجلس الوطني الذي انعقد بمدينة المنستير خلال شهر أيلول/سبتمبر من السنة الماضية. والسبب في هذا الخلاف هو إسقاط الأمين العام ومن يساندونه، وهم 9 أعضاء من المكتب التنفيذي للنقطة 12 من اللائحة العامة والمتعلقة بعقد مؤتمر استثنائي مع بداية سنة 2025 لإصلاح وضع الاتحاد الداخلي.
وقد أدى القرار المتخذ بإسقاط النقطة 12 خلال الجلسة الختامية للمجلس الوطني أيضا إلى انسحاب عدد من الاتحادات الجهوية والقطاعات وأعضاء المكتب التنفيذي الخمسة. لأن سحب النقطة 12 سيؤدي بالنهاية إلى عدم عقد مؤتمر استثنائي وستبقى الأوضاع على ما هي عليه الآن إلى سنة 2027 في حين أن الاتحاد برأيهم بحاجة إلى عملية إصلاحية عاجلة.

فشل في تطويق الأزمة

تم تطويق الأزمة في البداية من قبل بعض العقلاء الذين أقنعوا الأعضاء الخمسة بعدم الدخول في اعتصام مفتوح، لكن النجاح في تقريب وجهات النظر بشأن المؤتمر باء بالفشل. وما زاد الطين بلة أن الأمين العام اعتبر أن من يطالبون بتقريب موعد المؤتمر أو عقد مؤتمر استثنائي عاجل هم أقلية داخل المكتب التنفيذي وعليهم احترام قرارات الأغلبية.
كما لمح الطبوبي إلى أن من يعارضونه يفعلون ذلك لأسباب جهوية ويروجون لفكرة «شمال جنوب» وأنه لا مجال لتقسيم الاتحاد وأن الحركة العمالية موحدة ولا مجال فيها لهذه التقسيمات. كما انتقد الأمين العام في هذا الخطاب الذي ألقاه مع بداية العام الحالي الحكومة وطالبها باستئناف المفاوضات الاجتماعية المتعلقة بالزيادة في أجور العمال سواء في القطاع العام أو الخاص.
وتطورت الأزمة إلى مطالبة البعض باستقالة المكتب التنفيذي للاتحاد الذي جعل المنظمة العتيدة خارج التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلد. وقام أكثر من نصف أعضاء المجلس الوطني بالمطالبة باستكمال أشغال المجلس الوطني الذي انعقد في أيلول/سبتمبر 2024 وأثاروا مجددا النقطة 12 المتعلقة بالمؤتمر.
كما برزت على السطح مع بداية هذا العام خلافات أخرى جديدة، ورأى البعض أن هذه الخلافات التي تبرز من خلال التصريحات الصادرة عن بعض القيادات، أو من خلال الملاسنات والتنصت على المكالمات الهاتفية قد تزيد من الانقسامات داخل هذه المنظمة الوطنية العريقة. لقد تم تسريب مكالمة هاتفية للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، وصف فيها بعض نقابيي الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس بـ”المافيا”.
وجعل هذا التسريب بعض القيادات تطالب الأمين العام بالاستقالة من منصبه ووصفت الأمر بـ«الفضيحة» التي لم يسبق حدوثها في تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه. كما اعتبر المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس والذي يضم جزيرة قرقنة مسقط رأس الزعيمين التاريخيين للاتحاد فرحات حشاد والحبيب عاشور، أن المكالمة المسربة خلفت فتنة داخل هياكل المنظمة وأثارت احتقانا وتوترا كبيرين لدى كل النقابيين.
كما اعتبر المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس أن المكالمة غير المسبوقة في تاريخ الاتحاد ضربت مبدأ الوحدة النقابية التي طالما ميزت الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه. وحمل الاتحاد الجهوي الأمين العام نور الدين الطبوبي المسؤولية عن الوضع المتأزم الذي يعيشه الاتحاد وطالبه بالتوضيح من جهة والاعتذار للقيادات الجهوية بصفاقس من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار يرى هشام الحاجي الكاتب والباحث المختص في علم الاجتماع السياسي في حديثه لـ«القدس العربي» أن الأزمة التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل في الفترة الأخيرة تعود إلى سببين رئيسيين، السبب الأول يتمثل في أن أغلب النقابيين قد قاموا بقراءة خاطئة لمسار ما بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011، تاريخ الثورة، وأرادوا الاستحواذ على جانب كبير من الحقل السياسي ومن القرار السياسي. وتغيرت، حسب محدثنا قواعد الممارسة النقابية وأصبح المعطى السياسي يتحكم في الممارسة النقابية ويرهنها لفائدته وظهر شعار «الاتحاد أكبر قوة في البلاد» المخادع الذي أفقد الاتحاد العام التونسي للشغل الكثير من شعبيته ومن عوامل قوته الحقيقية ووقع «ابتذال» سلاح الإضراب عن العمل الذي تحول إلى ممارسة لا تؤثر فعليا وإلى أمر ممجوج من الرأي العام.
والسبب الثاني، برأي الحاجي هو رغبة القيادة الحالية في احتكار الاتحاد العام التونسي للشغل من خلال تنقيح القانون الأساسي للمنظمة لإلغاء مبدأ التداول وهذا زاد في المساس من صورة الاتحاد. كما أن هذا نقل «المعركة»، حسب محدثنا إلى داخل المنظمة النقابية زاد في تضخيم سلبيات كانت موجودة كالمحسوبية والجهويات وأفرز تحالفات مصلحية لا تخلو من الزبونية صلب المكتب التنفيذي خاصة.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل حادة هذه المرة لانها بالأساس أزمة داخلية وقد يستدعي الخروج منها زمنا طويلا. ولكن في كل الحالات أعتقد جازما، وبالنظر إلى معرفتي بتاريخ الاتحاد وقياداته وقواعده، أنه سيتجاوزها لأن الاتحاد العام التونسي للشغل رقم أساسي في المعادلات الاجتماعية والسياسية لتونس منذ عقود طويلة وهو متغلغل في البيئة الاجتماعية التونسية ونابع منها وانبثق من رحمها وليس دخيلا عليها».
وفي انتظار موعد المؤتمر المقبل، فإن تساؤلات عديدة تطرح بشأن ملامح المرحلة المقبلة، وهل سيستعيد الاتحاد أدواره الاجتماعية التاريخية ويعود كقوة تاثير فاعلة في المشهد العام في البلاد؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية