احتفت الجامعة الأمريكية في بيروت AUB مؤخرا بمنجز الفنان اللبناني جبران طرزي، بعد أن احتضنت جناحا لمؤسسة «جبران طرزي» في معرض «الجدران المفتوحة» الذي افتتح في 12 آذار/مارس 2025 وما زال المعرض قائما في حرم الجامعة الأمريكية في بيروت. ووضع جبران طرزي في طليعة الحركة التشكيلية اللبنانية إلى جانب فنانين لبنانيين قدامى أمثال خليل صليبي (1870 – 1928)، وصليبا دويهي (1915 – 1994)، وعمر أنسي (1901 – 1969)، وسيزار جميل (1898 – 1958). عطفا على ذلك كانت لمساهمة الشخصية النقدية المعروفة مراد منتظمي الوقع الكبير في نفوس ومتذوقي أعمال جبران طرزي، بعد أن قدم محاضرة قيمة في 6 أيار/مايو 2025 أيضا في الجامعة الأمريكية في بيروت، تناولت تجربته ضمن أدق التفاصيل الخاصة بالحرفة والفن والتوجه الإبداعي، ايمانا بما حملته أعماله من توجه وطريقة أسلوب ميزته عن غيره من الفنانين العرب. اصطحب محاضرة المؤرخ الفني مراد منتظمي حول جبران طرزي، معرض ثان متزامن في بيروت حول جبران طرزي في صالة أجيال الفنية من 7 مايو حتى 14 حزيران/يونيو 2025 ويأخذ هذا المعرض منحى أكاديميا بزيارات طلابية منتظمة. ومن الإنصاف بعد كل هذه التجربة المهمة، التأكيد على أن الفنان اللبناني جبران طرزي، يجتهد في موضعين فكريين، من خلال تجربته الفنية، يتجلى الأول في اكتساب مفهوم الأصالة بينما يسعى في موضع آخر ليعلي من تجربته الحديثة، من خلال الارتكاز على مفهوم المعاصرة في الفن العربي، وإذا كنا قد قرأنا لمفكرين أمثال محمد عابد الجابري في كتابه «نحن والتراث» ورائد الفكر العربي الجزائري محمد أركون في اهتماماته المتعلقة بالمناهج المعرفية وقراءاته التي تخصص التراث والمعاصرة، من خلال الطروحات الفكرية عبر مؤلفاتهما، فقد وجدنا من الضروري الإشارة إلى مرتكزات الفنان اللبناني جبران طرزي، وهو يجمع بين الإشكاليتين المتباينتين (الأصالة والتجديد) في عشرات الأعمال الفنية له، التي بدأها منذ سبعينيات القرن المنصرم حتى لحظة رحيله عام 2010 فقد تبنى هذا الفنان المحمل بإرث التراث العربي والمشرقي عموما مشروعا فنيا يليق بتجربته، التي كلفته الاعتزال عن الجميع متفرغا لمشروع جمالي وفني ذي توجه فكري له أسباب واضحة تهيمن على شخصيته، فالرصانة في طرح المشاريع الفنية الحقيقية حسب رؤيته لا تنجح بالادعاءات أو الاقتباس والتأثير المباشر، بل تحتاج لوقت للتأمل والانفتاح على الآخر، ولكن عبر أدوات معرفية وليست قوالب جامدة، فهل يمكن أن نعد جبران طرزي أحد تلك الأسماء العربية التي تبنت مشروع الأصالة والتجديد الفني مثلما عبّر مفكرون وباحثون عرب في طروحاتهم المعرفية حول إشكالية التراث والمعاصرة، مثلما حدث مع الشاعر السوري أدونيس في كتابه «الثابت والمتحول» وما موقف الفنان من ثورة الحداثة التي عاشتها الدول العربية، إبان مرحلة ستينيات القرن المنصرم؟
التجريد الهندسي
وفرضية اللجوء الى الأصالة

لنتوقف عند نقطة مهمة وهي، أن الفنان ينتمي لمرحلة من تاريخ الدول العربية، التي واكبت استقلال الغالب منها، فولادته عام 1944 أتاحت له بعد عشرين عاما أن يواكب الحركات السياسية والفكرية، مع التحولات في مفاهيم الاستقلال لبلداننا العربية، وهي مرحلة حرجة ومفيدة، من خلال اكتساب المعرفة والحرب لإثبات الهوية العربية، فلا اختلاف في آراء الكثير ممن عرفوا الفنان جبران طرزي، على أن التجريد الهندسي مثّل له حقلا منفردا من دراسته والعمل عليه، وقد عبّر وفق نظرته الفنية والفكرية عن مزيد من الأدلة الجمالية بأن التجريد يأتي بالفهم الروحي والهوية المشرقية، ولكن لا يمكن استبعاد الإشارات والدلالات عن قوالب وحدته الموضوعية والأسلوبية، وبدا أن اللجوء إلى إحياء التراث المشرقي في لوحاته هو لتجسيد خطاب المعرفة من خلال (الأشكال والتنوع في حسابات العمل التجريدي)، وبما أن ممارسته تتوجب أن تكون بحدود معرفة مفتوحة أمام المتلقي من خلال مساحة التأمل الذهني، فقد مضى الفنان بمشروعه بعيدا عن العاطفة التي لا جدوى منها، بل سعى لمخاطبة العقل والأخذ بجماليات الشكل الهندسي التجريدي، الذي يمثل وحدة كافية لترجيح المتخيل في الفن المعاصر ولكن كيف يحدث هذا، هل هناك منهج، أو طريق يسلكها الفنان؟ وما موقفه من التجريد الفني خاصة الهندسي منه؟ حتى تكون الإجابة صريحة علينا العودة إلى تاريخه الشخصي، فقد ولد الفنان في أسرة تمتهن الفن، خاصة الحرف التقليدية ذات الطابع التراثي، وكان لتاريخ أسرته الذي امتد لأكثر من مئة وستين عاما أن يكون كفيلا بأن يظهر لنا فنانا من طراز جبران طرزي، الذي اتصفت أعماله بالبناء الفني الرصين والتعامل الحذر مع التكوينات، التي تعتمد على التداخل الذي انبنى بين وحدة الشكل ومحتوى الفكرة والتنظير المسبق لها، كما جاء في بيانه (رغبة الشرق) الذي نشره في كتابه تنويعات هندسية، وأكد فيه (من المشروع أدرك معنى المقدس من خلال العمل الإبداعي، إلا أنه من الإفراط تكريس الفن التجريدي كفن مقدس) اعتقد أن هذه العبارة لا تختلف مع الطروحات الفكرية التي تبناها المفكرون العرب، وهم يحملون على عاتقهم إعادة قراءة التراث العربي فالفنان هنا يعد جزءا مكملا عبر (حقل الرسم ) لما قدمه الآخرون من تنظيرات معرفية فمقولة التراث والعودة إليه فنيا لا تعني المقاطعة مع الحداثة وخطاباتها، بل بدا لنا أن سعي الفنان للاهتمام بالهوية التراثية والإصرار على تأكيدها فنيا، هو الامتداد الطبيعي للاعتزاز بالفن العربي، ومنه الفن المشرقي، أما مفهوم الحداثة فقد تعامل معه بحذر والتزام ويذكرني هنا بما قاله الشاعر اللبناني عباس بيضون في مقالته المنشورة في مجلة «أسفار» العراقية (لا أجد من واجبنا عبادة الحداثة فأنا أترك ذلك لمتعبديها الكثر)، قد ينطبق هذا القول على ما سبقه جبران طرزي من طرح واذا كان عباس بيضون يتحدث عن الشعر المعاصر، فجبران تحدث عن الفن، وكلاهما يعيدان النظر في مقولات الحداثة مثلما يصران على الاهتمام بالهوية والإرث العربي، ولكن التساؤل المطروح هنا كيف يوائم الفنان طرزي بين المقولتين في فنه وضروراته الجمالية والبنائية؟ يشير الناقد طلال معلا في كتابه غروب الفن لمسألة مهمة، حيث يقول (تبرز الجوانب النظرية والمفاهيمية الفاعلة في العملية الفنية أنه لا يتم التعامل مع الفنون المعاصرة وفق نموذج واحد) هذه المقولة كفيلة لوحدها أن تعيدنا إلى التجارب المتعددة التي قام بها الفنان، سواء عبر التجريد الهندسي الذي أنجز عشرات الأعمال (كالمتحف العربي للفن الحديث في دولة قطر سنة 2015 بمجموعة متكاملة، بالإضافة إلى متحف عالمي آخر شهير سنة 2023، إضافة لعرض لوحاته في باريس سنة 2016 إلى جانب الفنان العالمي فزارلي) وحتى أعماله ذات الطابع التقليدي المتمثل في الصناديق الخشبية، أو ما تم عرضه عام 2017 لعمله لوحة المرايا الذي يعد ما بعد الحداثة والموسوم (الزمن الأفقي والعمودي) وهو عمل تركيبي تطور وتصاعدت وتيرته في مستويات البنائية والصياغة الشكلية، ليكون إنتاجا مختلفا كمشروع يمزج فيه بين الأصالة والتجديد، وأعتقد أنها جزء مكمل من طروحاته التنظيرية، التي حملها بيانه رغبة الشرق، حيث أشار (لا خلاص خارج بلدية أصلية مطبوعة بتصميم البحث عن الكونية). لنتأمل ما يطمح إليه الفنان عبر آرائه هنا، إنه التمسك بالهوية والتقارب مع معطيات الحداثة.
خطاب الحداثة فنيا

كل الذين تناولوا مصطلح الحداثة وجدوه مفهوما يتنازعه الاختلاف، وبالطبع لكل واحد منا النظر والحق في آرائه الفكرية والفنية، أما إذا عدنا لمفهوم الحداثة في الفن العربي، فله أمر آخر ليس لأن تاريخنا شهد تحولات جمة، وحمل بواعث الاهتمام بحركة التغيير، بل لأننا معنيون بتتبع الطرق التي تجعلنا نمضي مع الآخر ونلتفت إلى إرثنا وتاريخنا المشرقي، وإذا كان الفن حسبما يصفه الناقد عاصم عبد الأمير في كتابه «الرسم العراقي حداثة تكييف» (بأنه حقل تخييلي ميدانه إنتاج الرموز التي تنيب عن أحلامنا وأزماتنا وخيباتنا) فإن العودة لقراءة ما أنتجه الفنان جبران طرزي ستكون منسجمة مع ما يذهب إليه هذا التصور، خاصة إذا ما عرفنا أن عمله التركيبي «لوحة المرايا»، جاءت ضمن سياق (تراثي/ ومعاصرة)، فإن العودة إلى أساسيات عمله وما حملته من خصائص بنائية وتنوع في الرؤية ستحدد لنا وجهة نظر الفنان معرفيا، وكيف يفهم الحداثة ويتعامل مع خطابها اعتمادا على ثقافته الغربية، خاصة الفرنسية والتزامه بالإرث المشرقي وقد ينطبق قول (وليام سيتز من خلال تقديمه لمعرض الفن الحديث في نيويورك عام 1961 من أن الموجة الحالية من فن التركيب تشير إلى تغيير من فن تجريدي ذاتي غير موضوعي إلى الارتباط المنقح بالبيئة، فإن طريقة وضع الأشياء متجاورة هي وسيلة ملائمة لمشاعر عدم الرضا من التعبير الدولي المائع) شخصيا أجد أن هذه المقولة التي ذكرت في كتاب «الحركات الفنية منذ 1945 تجلت بصدق ووضوح في عمل الفنان اللبناني جبران طرزي، الذي صمم فيها لوحة المرايا والتي سماها الزمن الأفقي والعمودي، فهي عمل تركيبي له أهداف فكرية وجمالية، مع أن التوجه العام للفنان هو الجمع بين الاثنين، أولهما الاحتفاظ بالأصالة، والاندماج في النموذج الغربي، دون المساس بالهوية، وهو منعطف مهم في معرفة ما يلجأ إليه جبران طرزي من تأكيدات في أعماله والتي منها التجريد الهندسي، وعمل المرايا والصناديق الخشبية. إذن من حقنا بعد كل ما رأيناه من إرث فني لهذا الفنان الذي يمتلك مقومات الاسم العالمي أن نقول، إنه متصوف بلغ نقطة الجمال والمعرفة من خلال هويته المشرقية وتمسكه بخطاب الحداثة وتمثيلها فنيا.

كاتب عراقي