تونس ـ «القدس العربي»: تُعدّ مسرحية «جاكراندا» التراجيدية من أبرز أحداث الموسم المسرحي في تونس، فهي مرآةٌ تُجسّد المجتمع المعاصر، بصمته وخيبات أمله، وأيضًا برغبته المُستمرة في إعادة صياغة الواقع. ويبدو من خلال مشاهدة عروض هذه المسرحية أن الثنائي عبد الحليم المسعودي ونزار السعيدي يُحققان نجاحًا لافتا بهذا العمل الذي جلب إليه الأنظار قبل انطلاق المهرجانات الصيفية.
قدم المسرح الوطني التونسي لجمهوره الوفي عملاً مسرحياً مؤثراً ومواكبا للتحولات الاجتماعية الراهنة بعنوان «جاكراندا» أو «مأساة مركز الاتصال» باللغة الفرنسية، وهو عمل من تأليف عبد الحليم المسعودي وإخراج نزار السعيدي، وإنتاج برنامج المسرح الوطني للشاب لسنة 2025. وتقام عروض هذه المسرحية، التي جمعت من جديد بين عبد الحليم المسعودي ونزار السعيدي وذلك بعد مسرحية «تائهون» سنة 2021، بقاعة الفن الرابع بالعاصمة وهي القاعة الرمز للمسرح الوطني التونسي التي شهدت أهم إبداعاته.
الإطار المكاني لمسرحية «جاكراندا» هو فضاء «مركز نداء» يحمل اسم «تانيت» آلهة الخصب عند القرطاجيين أجداد التونسيين وكأن مركز تانيت هو الوطن بكل تاريخه وكل ذكرياته. والمقصود بمركز النداء هو تلك الشركة التي توظف أشخاصا مهمتهم الرد على استفسارات زبائن مؤسسات إتصالية أو مالية أو غيرها متعاقدة مع مركز النداء من أجل هذه المهمة، وقد عرفت هذه المراكز باستقطاب عدد هام من خريجي التعليم العالي في تونس الذين هم بانتظار إيجاد وظيفة.
ويقع مركز النداء في أعلى عمارة في حيّ لافايات القريب من قلب العاصمة، وهو حي قديم قدم وسط المدينة ينبض بالحركة والحياة، حتى بات البعض يعتبره جزءا من وسط المدينة وليس حيا من الأحياء المحيطة بها. ورأى بعض النقاد في الطابق العلوي للعمارة الذي تم اختياره كإطار مكاني للمسرحية دلالة على ترك العالم السفلي بكل تناقضاته والهروب إلى الأعلى للتحرر من المآسي، فيما رأى البعض الآخر في هذا الاختيار دلالة على شعور أبطال المسرحية باستمرار بامكانية السقوط من العلو الشاهق والفناء. أما الإطار الزماني للمسرحية فيتعلق بفترة نهاية العشرية الثانية من الألفية الثانية أي الزمن المعاصر بكل آلامه ومآسيه مع ما اختزنته الذاكرة طيلة السنوات السابقة لهذه الفترة. لكن عملية تنشيط الذاكرة تلك من قبل أبطال المسرحية وخوضهم في ما مضى من أحداث يجعل الإطار الزماني متغيرا، فهو تارة في الحاضر، وطورا في الماضي بكل الخيبات والمآسي التي راكمها الإنسان في رحلة الحياة التي يسعى فيها سعيا محموما للبحث عن السعادة المفقودة.
في فضاء بارد وخالٍ من المشاعر، تجتمع في مركز الاتصال «تانيت» شخصياتٌ يؤدي أدوارها طاقم موهوب من الممثلين وهم على التوالي حمودة بن حسين، أصالة كواص، أنيس كمون، ثواب العيدودي، حلمي الخليفي، مريم التومي، محمد عرفات القيزاني، وحسناء غنام. يواجه هؤلاء جميعا حياة صعبة ومعقدة وكلٌّ منهم تختزن ذاكرته ماضيا أليما، وحاضراً مضطرباً، ومستقبلاً غامضاً يسبب باستمرار الحيرة والقلق النفسي.
كان الأداء التمثيلي جيدا إلى أبعد الحدود وذلك بسبب التناغم اللافت بين حمودة بن حسين وأصالة كواص بالدرجة الأولى بالإضافة إلى الباقين. كما كان النص الذي كتبه عبد الحليم المسعودي ممتعا وهو الكاتب والمؤلف المسرحي والمثقف المتمكن من اللغة ومفرداتها ومحسناتها البديعية.
ففي هذا النص المسرحي المليء بالرصانة والعمق، يُوفر نزار السعيدي لهذه الشخصيات الهائمة، التي يرهقها انتظار الاتصالات والمستقبل الغامض والصمت المطبق وطغيان ما يرغب الآخر على ما تريده الذات، منبرا لتعبر عن ذواتها. فيُصبح مركز الاتصال مسرحًا لتساؤل وجودي: كيف يُمكن للمرء أن يروي قصته بينما يوجد في مكان يُصادر فيه الكلام لا يسمح فيه إلا للجواب على استفسارات المتصلين زبائن المؤسسات المتعاقدة مع مركز النداء؟ كيف يُمكن للمرء أن ينهض من حطامه بينما يبدو الأمل مُهمشا والمستقبل غامضا؟
تساؤلات وجودية
مسرحية «مأساة مركز الاتصال» ليست فقط تعالج قضية أو عددا من القضايا، بل تتجاوز ذلك الدور التقليدي للمسرح لتطرح تساؤلات وجودية تدعو إلى التأمل والتفكير. ويبدو أن المؤلف غاص في مشاكل العاملين في هذه المراكز واستمع إلى مشاغلهم وهي في الحقيقة مشاكل ومشاغل أغلب العاملين في القطاع الخاص في تونس. حيث يشهد هذا القطاع أزمة حقيقية نتيجة اضطرابات الثورة وتأثيرها السلبي على الاقتصاد، وانصراف الحكومات المتعاقبة عن دعمها والوقوف إلى جانبها في أحلك الظروف ما جعلها مهددة بالغلق والإفلاس وجعل العاملين فيها يخشون من شبح البطالة.
جرت العادة في مراكز النداء أن تعج القاعة بالاتصالات وتتعالى أصوات رنات الهواتف من قبل طالبي الخدمة لكن لمؤلف المسرحية ومخرجها رأي آخر. فقد قام بتحويل مركز النداء من مكان يعج بالحياة والإجابة على التساؤلات إلى مكان لعرض المآسي والآلام من قبل العاملين في هذا المركز الحاملين لتجارب مختلفة.
ويبدو أن المؤلف والمخرج أرادا الإشارة إلى أزمة غياب التواصل والحوار رغم توفر عديد الأجهزة والتقنيات الحديثة التي من المفروض أنها تسهل عمليات التواصل. وبالتالي فإننا إزاء فراغ تواصلي رغم أننا في فضاء التواصل نفسه الذي يتفاعل فيه موظفو مراكز النداء مع طالبي الخدمات.
إن المسرحية التي يبدو أنها ستكون من أبرز أحداث الموسم المسرحي، هي صرخة، ومحاولة لكسر الصمت المفروض على جيل بأكمله وُلد في الشك ونشأ في الفراغ. إن «مأساة مركز الاتصال» مرآة تعكس المجتمع التونسي المُعاصر، الذي يرهقه صمته حفاظا على الأمن الاستقرار، وتدميه خيبة أمله في الطبقة السياسية، لكن أيضًا تحدوه رغبة لا تتزعزع في إعادة إنتاج الواقع.
وفي هذا الإطار تعتبر الكاتبة والناقدة والصحافية التونسية ليلى بورقعة في حديثها لـ«القدس العربي» أن «جاكراندا» هي المسرحية التي لا نسمع فيها حكاية، ولكن نُستدعى فيها إلى محاكمة هي بمثابة المرآة التي تعكس وجوهنا في لحظة مواجهة عارية أمام الحقيقة. ونتلمس المأساة في كل فصول المسرحية فحتى الأكثر وعيا وثقافة وثقة بكيانها من أبطال هذا العمل المسرحي تقوم في أحد المقاطع بقطع لسانها في إشارة رمزية إلى عجز اللغة والتعبير الحر عن تغيير الواقع.
وتضيف: «كما أن صوت الطاووس المرافق للعمل كان دلالة على المأساة ونذير شؤم وإيذانا بالخراب الذي يحطم السكينة ويوقظ الأشباح القديمة التي تسكن وجدان الشخصيات. فالطاووس الذي لم يكن اختياره عبثيا هو رمز الكبرياء المفقود والحضارة التونسية المنهارة وقد انبعث كصرخة تحذيرية من داخل قلب مركز النداء تانيت الآلهة القرطاجية ورمز الحضارة التونسية.
إن مسرحية مأساة مركز الاتصال هي باختصار محاولة لكسر الصمت الذي أطبق على النفوس والحيرة البادية على الجميع بشأن الحاضر والمستقبل. فهل فعلا بقي لنا فقط لسان مقطوع وطاووس مفجوع ووطن موجوع مثلما ورد في المسرحية؟».