قدم المغني الأمريكي الراحل هاري نيلسون تجربة فنية فريدة للأطفال، من خلال فيلم الرسوم المتحركة The Point 1971، الذي قام بتأليف قصته الخيالية وكتابة وتلحين وأداء أغنيات الفيلم، وقد صدرت هذه الأغنيات في ألبوم بالعنوان نفسه أيضاً. على الرغم من أن هاري نيلسون لم يترك إرثاً موسيقياً ضخماً، لكنه يعد بحق من الفنانين المتميزين في عالم الغناء الأمريكي، وخلال حياته التي امتدت من عام 1941 حتى عام 1994، قدم مجموعة من الأغنيات الشهيرة التي لا تزال مسموعة إما بصوته، أو بصوت غيره من المطربين الذين يعيدون غناء أعماله، كما أعاد هو غناء أعمال لغيره بنسخ رائعة جعلت هذه الأعمال ترتبط به، كما لو أنه مبدعها الأصلي، كأغنية Without You وأغنية Everybody’s talking at me. كان هاري نيلسون صاحب خيال غني وأسلوب متفرد في كتابة كلمات الأغاني، وكذلك في تأليف الموسيقى وألوان التعبير الغنائي.
أوبليو الصغير المختلف
يعد فيلم الرسوم المتحركة The Point من أمتع وأعمق الأعمال الفنية، التي تم تقديمها للأطفال، وأحياناً يشعر المرء بأن هاري نيلسون لم يكن يخاطب الطفل فحسب، وإنما كان يخاطب نقطة ما عميقة غائرة في أعماق المتلقي الكبير أيضاً. فالحكاية الشيقة الرمزية جمعت بين البساطة والعمق بمهارة شديدة، البساطة التي تستطيع أن تجذب الأطفال وتثير خيالهم وأن تكون مفهومة لديهم، وأن تغرس في أذهانهم فكرة ومعنى، وتضيء لهم نوراً في طريق الحياة. والعمق الذي يثير أذهان الكبار بينما يلامس الطفولة في أعماقهم، ويطرح بعض الأفكار حول التفرد والهوية والاختلاف وقبول الآخر.
بطل القصة طفل صغير اسمه أوبليو، هو الوحيد المختلف في قرية مدببة الطابع والطراز، فكل شيء في تلك القرية مدبب وحاد الأطراف، الأماكن والأبنية والأشجار والحيوانات لها نهايات مدببة، وكذلك البشر رؤوسهم مدببة ومرتفعة نحو الأعلى. ما عدا أوبليو الطفل الجميل، الذي ولد لأبوين طبيعيين وفق قواعد تلك القرية، أي برأسين مدببين حادين، فوجئ الأبوان بولادة الطفل برأس مستديرة، وأشفقا على هذا الطفل الذي ولد مشوهاً في حالة نادرة تحدث للمرة الأولى في القرية، شعرا بالحزن والخجل لكنهما أحباه، فهو ابنهما على أي حال ولا ذنب له فيما حدث، وظلا يمنيان النفس بأن يتحول شكل رأسه ويرتفع مدبباً حاداً مع الوقت، لكن ذلك لم يحدث وظل الرأس مستديراً.
أخذ الأبوان يفكران في كيفية التعامل مع الأمر الواقع، ماذا سيقولان لأهل القرية، وكيف سيظهر هذا الطفل أمام الناس وكيف سيتقبله المجتمع، وكان لا بد من اللجوء إلى الحيلة، فصنعت له أمه قبعة مدببة حادة عالية ليضعها أوبليو على رأسه طوال الوقت، لعلها تخفي ذلك التشوه والنقص لديه، وتوفر له شيئاً من الاندماج مع أقرانه المدببين. كبر الطفل قليلاً وخرج ليواجه المجتمع بينما يصاحبه حيوانه الأليف، الكلب الذي يدعى آرو، المدبب أيضاً كالسهم، آرو أوفى الأصدقاء والرفيق الذي لا يفارقه أبداً. كانت الأمور تمضي على ما يرام ما دام أوبليو يغطي رأسه المستديرة ولا يظهر تشوهه أمام الناس، إلى أن اشترك أوبليو في اللعب مع بقية الأطفال اللعبة الشعبية الأولى في القرية، وهي القذف بمثلث إلى الأعلى يتم التقاطه بطرف الرأس المدبب الحاد الذي يستقر في فراغ المثلث. تحداه الصغار أنه لا يستطيع اللعب بسبب رأسه المستدير، لكنه تحداهم هو الآخر، بل استطاع أن يهزمهم، وأن يكسب اللعبة بواسطة قبعته المدببة وبمساعدة كلبه الوفي أيضاً.
هنا ثارت الأحقاد، فأوبليو تفوق على ابن مسؤوول مهم في القرية، وأحد المقربين من الملك، غضب الأب الذي يعد ابنه ويجهزه ليكون مسؤولاً من بعده، وذهب إلى الملك الطيب الكسول النائم طوال الوقت تقريباً، وأخبره بأن قانون القرية قد تم اختراقه بوجود طفل مستدير الرأس مثل أوبليو، وأنه لا بد من الحفاظ على خصائص القرية والالتزام بقواعدها وعدم السماح بمخالفة، أو الخروج عن هذه القواعد، وقال إن أوبليو يجب أن يطرد من القرية، قال الملك الحنون إن أوبليو طفل لطيف، لكن المسؤول أقنعه بضرورة احترام القانون وتنفيذه وإبعاد هذا الطفل من القرية إلى الأبد.
تعقد محاكمة كبرى للطفل البريء أوبليو على مرأى ومسمع من الجميع في القرية، ودارت المرافعات الحامية، وشن الهجوم القوي على الطفل الذي ارتكب جريمة الرأس المستدير، الذي اخترق القانون وهدد القرية وأخل بنظامها. وعلى الرغم من تعاطف الأغلبية مع الطفل المسكين، إلا أن الجميع اتفق على أن القانون هو القانون ويجب أن يطبق بلا رحمة أو شفقة. كل هذا وأبليو مندهش لا يستطيع أن يفهم، أي جريمة تلك التي ارتكبها ليحدث هذا كله، ويحاول ببراءة أن يقنع المسؤول بالتراجع عن قرار الطرد، ويعده بأنه لن يلعب بالمثلث أبداً مرة أخرى، لكن قرار الطرد كان نهائياً وشمل الكلب آرو أيضاً، الذي عد خائناً ومتآمراً لأنه ساعد أوبليو في الفوز.
بعد وداع حزين للأب والأم ينطلق أوبليو المطرود مع كلبه آرو ويذهب إلى الغابة العجيبة التي لا معنى لها، يغادر قريته ذات الشكل الواحد المدبب، المنطبع على البشر والمباني والعربات والأشجار والحيوانات وكل شيء. يرى للمرة الأولى في حياته أشكالاً أخرى غير مدببة، ويجد نفسه في دنيا أخرى واسعة، مختلفة عن عالم القرية الصغير المحدود. كان أوبليو متحمساً في البداية لاكتشاف كل شيء، يظهر له الرجل ذو الرؤوس الثلاث الذي يشير إلى جميع الاتجاهات، ثم هاجمه النحل الضخم للغاية، فسقط من أعلى منحدر على الرجل الصخرة، المكون من مجموعة من الأحجار مختلفة الأحجام المستديرة للغاية، يستمع أوبليو إلى كلمات الرجل وما فيها من حكمة ومعان مهمة، ينظر إلى حفرة عميقة لا نهاية لها ويستمع إلى تردد الصوت فيها، بعد ذلك يرى النساء البدينات المنتفخات كالبالون، وعلى الرغم من أحجامهن الكبيرة فإنهن يتراقصن بخفة ويتطايرن في الهواء، ثم يقابل الرجل الشجرة ويتعلم منه مجموعة من الحكم أيضاً.
يلتقي أوبليو بعدد كبير من الشخصيات الغريبة عما اعتاده في قريته، وتختلف كل شخصية عن الأخرى، ولا يوجد أحد يشبه الآخر، وعاني في لحظات من الشعور بالوحدة والخوف، لكنه تعلم أن الأشياء يجب أن لا تكون متشابهة كي تكون ذات قيمة، فلكل شيء فائدته ومعناه الخاص مهما بدا غريباً أو غير مألوف. ويكتشف أن الغابة التي يقال عنها إنها بلا معنى، ويعدها أهل قريته عقاباً ومنفى لمن يطرد إليها، هي غابة مليئة بالحكمة والكثير من المعاني العميقة، وإن قريته ذات الشكل الواحد والبشر المتشابهون كنسخ متطابقة، إنما هي قرية فقيرة المعنى محدودة الأفق، مجرد مكان منغلق يرفض الاختلاف، وينبذ من يخرج عن إطار مقاييسه ولا يطابق القالب الذي يجب أن يوضع داخله.
إلى جانب تلك القصة الخيالية الرائعة التي كتبها هاري نيلسون، ألف مجموعة رائعة أيضاً من الأغاني التي نستمع إليها بصوته في الفيلم، والتي جعلها أغنيات لطيفة اللحن بسيطة الكلمات خفيفة الإيقاع، سهلة التلقي حيث أنها موجهة للأطفال، لكنها في الوقت ذاته شديدة العمق وجادة بشكل كبير، وبعضها فلسفي للغاية في معادلة صعبة التحقيق. اشتهرت أغنيات الفيلم كأعمال مستقلة تسمع وحدها، وعلى رأسها أغنية «أنا وآرو» التي لا يمل سامعها ويرغب في تكرارها، تعبر الأغنية عن الصداقة بين أوبليو وكلبه آرو، ومصيرهما المشترك في رحلتهما المثيرة المليئة بالمغامرات والمفاجآت.
أما أكثر الأغنيات عمقاً فهي أغنية «فكر في مشاكلك»، التي تدور حول فكرة تقبل الحزن وطريقة التعامل معه، والتطلع إلى الهموم من منظور أوسع، الأغنية سريالية ومفعمة بالرموز والمعاني، لكنها تبدو بسيطة كحكاية خيالية للأطفال، وتحمل في طياتها تأملات فلسفية عن الألم والمعاناة، وكيف أن المشاكل التي تبدو كبيرة، قد تبدو أيضاً صغيرة وتافهة عندما يتم وضعها في سياق أكبر. يحكي لنا نيلسون من خلال هذه الأغنية قصة دمعة سقطت من عين شخص حزين، واستقرت في فنجان الشاي الصباحي الخاص به، ثم يروي لنا ما تمر به تلك الدمعة حتى تصل إلى المحيط وتتحول إلى جزء من دورة الحياة الطبيعية. وتعبر أغنية «طوق النجاة» عن الشعور الإنساني بالعزلة والضياع، والبحث عن طوق النجاة، والاحتياج إلى المساعدة في أوقات الشك وانعدام اليقين واختلال التوازن، غنى نيلسون هذه الأغنية بأسلوب رائع، موظفاً بعض التعبيرات الصوتية والتقنية التي تحاكي صدى الصوت وتردده لخلق الإحساس بالوحدة والفراغ.
كاتبة مصرية