منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الإيرانية، يبذل الكيان الصهيوني مجهوداً مُضنياً من دون جدوى للتعتيم على الخسائر التي لحقت بقواته المُسلحة وبنيته التحتية جراء استهداف الصواريخ الإيرانية للمناطق الحيوية والعسكرية في تل أبيب، ولا يزال الكذب هو عنوان الرسائل التي تبعث بها أجهزة الإعلام العبرية للتقليل من حجم الهزائم المُتكررة على مدار الساعة في العديد من الأرجاء.
لقد أفشلت وسائل التواصل الاجتماعي كافة مُحاولات التهوين والتضليل من جانب الإعلام الصهيوني، حيث يتم نشر الأخبار المنقولة عبر وكالات الأنباء العالمية أولاً بأول بأعلى مستويات الوضوح ووفق ما يصل من معلومات مؤكدة عن الجحيم الذي يعيشه سكان الكيان في شتى المُدن.
وليس أدل على الحقيقة العارية، من ذلك التتبع اللحظي لمسيرات الهروب الجماعي لسكان تل أبيب عن طريق البحر فارين من الموت المُحقق قبل أن تطولهم نيران الصواريخ الإيرانية التي تُصيب أهدافها بدقة.
وأعطت الحرب الإيرانية الصهيونية أبعاداً وملامح جديدة للإعلام غير الرسمي المُتمثل في السوشيال ميديا والأكثر تأثيراً في جمهور المُتابعين على مستوى العالم، خاصة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، فأغلب ما يتم ترويجه عبر الصفحات والمنصات الإلكترونية يكون مدعوماً بالصور والفيديوهات، ما ينفي بقوة شُبهة تلفيق الأخبار المُتداولة عن خسائر إسرائيل الكُبرى طوال الأيام الماضية.
غير أن طوابير الفارين من جحيم الحرب في إسرائيل واعترافات عدد غير قليل من سكان تل أبيب بما أصابهم من خوف ورعب ودمار بعد الضربات الإيرانية الحاسمة واضطرارهم إلى الرحيل، يجعل من الرسائل الإلكترونية المصورة والمكتوبة حقيقة دامغة لا ريب فيها، ويقلب موازين القوة لصالح إيران وفق ما تُنبئ به تلك الرسائل ويغير بلا شك مُعطيات المُعادلة العسكرية بين الطرفين، الطرف الصهيوني الذي بدأ بالعدوان، والطرف الإيراني الذي تمكن من صد الهجمات في البداية، ثم سرعان ما حول المسار في اتجاه آخر ألحق الهزيمة الساحقة بالعدو على مرأى ومسمع من العالم.
ولم تكن الحقائق تنجلي بهذا الشكل إلا في ظل المُتابعات المُستمرة لوسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت بين عشية وضحاها إلى صُحف سيارة يستنتج منها العامة من الناس ما يحدث على أرض الواقع، غير مُقيدين في ما يستقبلونه من معلومات وأخبار بما تنقله وسائل الإعلام الرسمية لكل دولة.
وربما يأتي دور السوشيال ميديا في هذا الصدد مُعززاً للشفافية التي ظلت غائبة على مدى سنوات من المشاهد العسكرية الميدانية المُماثلة، ففي أحسن الأحوال كانت نصف الحقيقة فقط هي التي يتم الكشف عنها قبل تقنيات التواصل الاجتماعي الإلكترونية الحديثة وتسيدها على هذا النحو.
بيد أن بظهورها صار إخفاء الهزائم والانتصارات أمراً بالغ الصعوبة، مهما بذلت أجهزة المُخابرات التابعة لإسرائيل أو الموالية لها من جهود للتعمية على الحقيقة، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك عجز جهاز المخابرات الأمريكية وجهاز الموساد الإسرائيلي وفشلهما التام في التعتيم على ما يحدث لوضوح الرؤية من ناحية وتداول المعلومات الصحيحة من ناحية أخرى بعد الحصول عليها من مصادر عالمية مُتعددة.
وبفضل نشاط الأقمار الاصطناعية لم تعد هناك معلومة عسكرية أو غير عسكرية، يُمكن إخفاءها بشكل مُطلق وإلى الأبد كما كان يحدث في الماضي قبل تعاظم الدور التكنولوجي والتطور الحداثي إقليمياً ودولياً وعالمياً.
ولعل المارد التكنولوجي الذي أخرجته أمريكا من قمقمه، بات هو الوسيلة التي تُستخدم ضدها أحياناً، إذ لم تعد قادرة على التحكم التام في تسارع وتيرة التقدم والتطور وحماية نفسها من آثاره الجانبية المُضادة، لا سيما في أوقات الحرب والظروف غير المواتية بالنسبة لها في بعض الأحيان.
وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر وتليغرام وانستغرام واليوتيوب والواتساب وغيرها في تحويل العالم إلى مسرح كبير مكشوف تتحرك عليه الشخصيات وتتفاعل فوقه الأحداث بلا أغطية تحجب الرؤى وتمنع ظهور الأشباح، وتُظلم جانباً من المشهد الحربي.
ما يُمكن تأكيده في هذا الجانب والاستدلال على واقعيته يتمثل في وصول أدق المعلومات مُباشرة من المصادر العالمية والمُتعددة، إلى أبعد نقطة على الكرة الأرضية، فضلاً عن تدفق المعلومات وسيولتها لتصل إلى كافة المناحي بما فيها القرى والكفور والنجوع عبر قنوات التواصل المُمتدة أفرعها في كل الاتجاهات، الأمر الذي يجعل من المُستحيل العودة إلى ممارسة لُعبة الإخفاء والكذب على المواطن أياً كان موقعه على الخريطة.