يوليو: ولادة على حافة اللغة والهوية

محمد فتيلينه
حجم الخط
2

في عزِّ الصيف، حين تشتدّ الشمس كما لو أنّها تُصفِّي حسابا قديما مع الأرض، يُولد بعض الكُتّاب. لا يولدون كغيرهم، بل كما تُولد القصيدة من فوضى الألم، وكما تُولد النار من تحت الرماد. في يوليو/تموز، تخرج الأرواح مشتعلة لا بالصرخة الأولى فحسب، بل بالأسئلة الوجودية الكبيرة التي لا تهدأ: من أنا؟ ولماذا هذا العالم قاسٍ هكذا؟ وهل للغة أن تخلّصنا من الفقد؟ يوليو ليس مجرد شهر في روزنامة الغافلين. إنه نافذة زمنية مفتوحة على المجهول، على غرباء لا يملكون سوى القلم ولا يعرفون سوى الورق وطنا. كل من وُلدوا فيه ـ محمد ديب، كافكا، غسان كنفاني، مونرو، برونتي، وسواهم ـ حملوا في ملامحهم أثر وهج الشمس الأولى، تلك التي تلهب الجلد وتوقد الروح في آن.

محمد ديب: شمس الجزائر التي لا تغيب

ولد محمد ديب في الحادي والعشرين من يوليو، لكنه لم يولد فقط من رحم أمٍّ أمازيغية فقيرة، بل من رحم أرضٍ تُستباح، ولغةٍ تُغتصب. حين كتب «الدار الكبيرة» لم يكن يبني بيتا، بل يعيد رسم خريطة وطن مسروق، منزلا بعد منزل، جدارا بعد آخر، كما يفعل اللاجئ في الحلم. لم يكن ديب مجرد راوٍ لحكايات الفقراء، بل كان ضميرهم الأعلى، صوتهم المقموع بلغة الخصوم (الفرنسية)، ومن خلال أدواته، حوّل الألم إلى طقس نبيل للنجاة.
مالك حداد: غريبٌ في أرض اللسان
في الخامس من يوليو، حين يحتفل الجزائريون بالاستقلال، وُلد كاتب لم يشعر يوما بأنه تحرر. مالك حداد كان أسير لغة لا تشبهه، فكتب بالفرنسية عن وجع لا يُقال بها. رواياته ليست مجرد نثر جميل، بل نداء داخلي لرجل يبحث عن صوته في مرآة الآخرين. سأهبك غزالة، ليست قصة حب، بل محاولة لفهم ما إذا كانت الكتابة فعل خيانة أو فعل خلاص. وقد عاش حياته كما لو أنه يجتاز جسرا مهتزّا، لا أرض له في أي ضفة، لكنه ظلّ يحمل في يده قلادة من الكلمات، كأنها تعويذة أو لعنة.

غسان كنفاني: مداد اللاجئ ودم الشهيد

وُلد كنفاني في يوليو أيضا، لكنّه لم يحتج إلى شمسه ليشتعل. وُلد وفي قلبه رماد نكبة، وفي عينيه ظلّ خيمة. رجال في الشمس ليست فقط صرخة في خواء الصحراء، بل إعلان موت الإنسان عندما يفقد وطنه. كان كنفاني يعرف أن الرواية الفلسطينية لا تُكتب بالحبر فقط، بل بالدم. لذلك ظلّت كل رواية منه كأنها جُرح مفتوح، لا يلتئم، ولا يريد أن يلتئم. كتب عن الهوية كمن يمشي على الزجاج، كل خطوة فيها وجع، وكل صمتٍ فيها نداء.
إلياس خوري: العبور من الغيتو إلى «باب الشمس»
إلياس خوري، المولود في لبنان، اختار أن يكتب لا عن وطنه وحده، بل عن الفكرة، عن التراجيديا التي تتكرّر دون ملل. «أولاد الغيتو» ليس فقط أطفالا منسيين، بل أشباح الذاكرة، شهود القتل الجماعي الذي صمتت عنه البشرية. لغة خوري لا تسير على خط مستقيم، بل تتفرّع كأنهار حزينة تبحث عن مصب. وكأن في رواياته محاولة لالتقاط الموجة الأخيرة قبل أن تبتلعها الحرب.
النساء اللواتي كتبن من الهامش:
ليلى عوشال، سهير القلماوي، وأليس مونرو، هن كذلك عرفت عيونهن النور مع ساعات يوليو الأولى، بدورهن كتبن من شرفة الجرح. لم تكن كتابتهن ترفا فكريا/ ولا محاولة لاختراق الذكورة الأدبية، بل حربا صامتة ضدّ النفي والاختزال.
سهير القلماوي: لم تكتب فقط، بل حطّمت الجدار الأول.
ليلى عوشال: كتبت عن الذاكرة المنفية، عن المرأة التي تفقد وطنها ثم تُطالب بأن تنسى.
أما أليس مونرو، فكانت الحارسة الصامتة لتفاصيل الحياة، تسحب القارئ نحو مأساة صغيرة، ولكن بطيئة وعميقة، مثل موجة لا صوت لها لكنها تغرقك.

فرانز كافكا: العدو الأكبر للطمأنينة

كافكا، وُلد في الثالث من يوليو، لكنه كان يشبه الشتاء أكثر من الصيف. كتب عن «التحوّل»، عن الكائن الذي لا يعرف اسمه، عن الإنسان الذي يصحو ذات يوم ليجد نفسه حشرة. لم يكن يحلم بالخلاص، بل فقط بفهم السؤال. في كل سطر من المحاكمة، كانت هناك يد خفية تسحب القارئ إلى قبو الروح، حيث يسكن الخوف والذنب واللاجدوى. كافكا هو الكاتب الذي جعل الوجود نفسه تهمة.
إرنست همنغواي: الساكت الذي يسمع كل شيء
همنغواي كتب قليلا، لكنه قال كثيرا. من «العجوز والبحر» إلى «وداعا للسلاح»، بدت كتاباته كأنها صراع أبدي بين الجسد والقدر، بين الألم والانضباط. كانت حياته رواية خاسرة، لكنه كتبها كما يكتب المقاتل تقريرا عن حربٍ يعرف أنه لن يخرج منها حيّا. يوليو لم يكن فقط شهر مولده، بل أيضا شهر نهايته، كأن حلقة النار قد اكتملت.
إيميلي برونتي: حين تحبّ العاصفة
إيميلي، الفتاة الأكثر غموضا في آل برونتي، كتبت «مرتفعات وذرينغ» كأنها تُشعل شمعة وسط إعصار. شخصياتها لا تحب ولا تكره، بل تهيم، وتشتعل، وتنطفئ. كتبت عن الحب كما لم يكتبه أحد، لا كحالة نفسية، بل كقوة طبيعية، كريح تعصف بمن لا يستحق ولا من يستعد. وربما كان يوليو، شهر ولادتها، هو أول درس في الجنون الذي سكن روايتها الوحيدة.
يوليو كألم مشترك:
كل هؤلاء الكتّاب، رغم اختلاف جنسياتهم وتجاربهم، خرجوا من رحم واحد: الألم. كتبوا عن الخسارة كأنها أصل الأشياء، وعن التحول كأنه قدر لا مهرب منه. في يوليو، لم يولدوا فقط، بل احترقوا. كانت حياتهم سيرة من الحيرة، وكانت رواياتهم مثل نجوم بعيدة: لا تنير الطريق، لكنها تجعلنا نعرف أن هناك سماء. ربما يعتقد أكثرهم أن الرواية ليست مهنة ولا موهبة، بل إنها عبور من الخوف إلى الأمل، ومن الحبر إلى الجرح. وكل من وُلد في يوليو كان يحمل شرارة هذا العبور.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية