صنعاء – «القدس العربي»: أعلن البنك المركزي اليمنيّ في صنعاء، الذي تديره حركة «أنصار الله»(الحوثيون)، أمس الثلاثاء، طرح إصدار ثان من العملة الورقية فئة مائتي ريال، وذلك بعد ثلاثة أيام من إعلانه طرح عملة معدنية جديدة من فئة خمسين ريالا.
وانقسم المراقبون اليمنيون في قراءة الأثر الاقتصادي لهذا الإعلان، فبينما يرى بعضهم إن هذه الخطوة من شأنها أن تعزز من الانقسام النقدي في بلد يتوفر فيه بنكين مركزيين وعملتين وسعري صرف مختلفين، علاوة على تأثيره المتوقع على اتفاق خفض التصعيد الاقتصادي بين الطرفين، الذي رعته الأمم المتحدة العام الماضي، وبالتالي ترجيح استئناف التصعيد المتبادل بين الجانبين، يرى آخرون أن الإصدار النقدي الجديد هو استبدال كتلة نقدية جديدة بكتلة تالفة لها غطاء، وبالتالي لن يترتب عليه أي تضخم بأي مستوى من المستويات، لاسيما في ظل الجمود الراهن في عملية التسوية، وفي المقابل استمرار اهتراء البنكنوت في أسواق مناطق سلطة الحركة وتصاعد حاجة السوق لنقد مواز للتالف.
البنك المركزي في صنعاء، أوضح، في بيان، أن طرح هذه العملة للتداول ابتداء من اليوم الأربعاء، يأتي «تنفيذًا لخطته الخاصة بترميم ومعالجة النظام النقدي، والتي بُنيت على أساس الحفاظ على القوة الشرائية للعملة الوطنية، وتسهيل المعاملات اليومية التي تلبي احتياجات كافة أبناء الشعب اليمني».
وأضاف أن «هذا الإصدار سيخصص إلى جانب الفئات المعدنية المُصدرة مؤخرًا لإنهاء مشكلة الأوراق النقدية التالفة لفئة المئتين والخمسين ريال وما دونها، وذلك حرصًا من البنك المركزي على استخدام أدواته بما يخدم أبناء الشعب دون أن يترتب على ذلك إضافة أي كتلة نقدية أو التأثير على أسعار الصرف».
وأشار إلى أنه «تم تصميم وطباعة هذا الإصدار وفق أحدث الممارسات والمعايير والمواصفات العالمية الخاصة بطباعة الأوراق النقدية «البنكنوت»، كما أنها تتمتع بمزايا أمنية مكونة من عدة مستويات»، دون أي معلومات إضافية عن مكان طباعة الإصدار الجديد.
وقال «مركزي صنعاء» إنه «سيدرس خلال الستة أشهر القادمة مدى الحاجة لسك وإصدار فئات ما دون الخمسين ريالاً» في إشارة إلى مضيه باتجاه إصدارات جديدة.
وذكر أنه «تم تأجيل طرح هذا الإصدار رغم جاهزيته منذ فترة، كفرصة لتنفيذ استحقاقات السلام وفق خارطة الطريق»، متهمًا الرياض بالمماطلة «في تنفيذها (خارطة الطريق) في الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة المواطنين اليومية» حد تعبيره.
وفي اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي مع محافظ البنك المركزي اليمني، الذي تديره الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في عدن، أحمد المعبقي، أمس الثلاثاء، «أثنى السفراء على العمل المحوري للبنك لاستقرار اقتصاد اليمن ودعم العملة». وشددوا «بوضوح أن البنك المركزي اليمني هو المؤسسة الوحيدة التي تستطيع إصدار العملة القانونية في اليمن».
وفي «تدوينة» على حساب بعثة الاتحاد في اليمن على منصة «إكس» اعتبر السفراء «أن أي محاولات أخرى لصك العملة المعدنية هي تزوير غير قانوني».
فيما اعتبر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، خلال لقائه سفراء الاتحاد الأوروبي، أمس الثلاثاء، في عدن، ذهاب الحوثيين إلى إصدار عملات جديدة خارج إطار البنك المركزي، «تحديًا صريحًا لكل الجهود الرامية لتحسين الظروف المعيشية في البلاد» وفق وكالة الانباء اليمنية (سبأ) بنسختها الحكومية.
وبناء على الصورة المعلنة للإصدار الثاني من العملة الورقية فئة مائتي ريال، فالوجه الأمامي للورقة يحمل صورة لجامع الجند بمحافظة تعز، وهي رسالة سياسية يوضح من خلالها الحوثيون انفتاحهم على التنوع المذهبي، فمسجد الجند يمثل منارة للمذهب الشافعي في اليمن. أما الوجه الخلفي للورقة النقدية الجديدة فحمل صورة لميناء المعلا في عدن، وهي رسالة سياسية أخرى تؤكد من خلالها الجماعة إيمانها بوحدة البلاد.
ما يمكن مناقشته إزاء هذه الخطوة هو قراءة الأثر الاقتصادي المترتب على الإصدار النقدي الجديد، وما سيترب عليه من تأثير على أسعار الصرف، علاوة على تأثيره على واقع الانقسام النقدي والمالي القائم في البلد، كما لا يمكن تجاوز تأثيره على اتفاق خفض التصعيد الاقتصادي، الذي رعته الأمم المتحدة العام الماضي، بين الجانبين.
الصحافي الاقتصادي، ماجد الداعري، رئيس تحرير موقع «مراقبون برس»، اعتبر هذا الإصدار النقدي الورقي الجديد بمثابة «اعلان وفاة لكل التفاهمات النقدية والاتفاقيات الأممية بين صنعاء وعدن حول حل الأزمة الاقتصادية وإنهاء الانقسام النقدي».
ويرى في تصريح لـ «القدس العربي» أن هذا الخطوة أيضًا «تمثل قمة التصعيد الاقتصادي والتحدي للدولة لليمنية والمجتمع الدولي والأمم المتحدة، آلتي كان ممثلها إلى اليمن قد سبق وأن رعى العام الماضي اتفاق التهدئة».
ويعتقد أن الأمر «بالنسبة للعملة الورقية مختلف عن المعدنية، من حيث توفر إمكانيات الطباعة التي تشي إلى أنهم باتوا قاب قوسين من إعلان طباعتهم الخمسمائة والألف ريال قريبًا بمساعدة سرية غير معلنة من دولة كبرى، لأن الأمر يحتاج تقنيات وإمكانيات فنية لا يمكنها توفرها لدى الحوثيين، إذا صدقت مزاعمهم بأن طبيعتها وفق مواصفات عالمية».
كما يعتقد الداعري أن هذا الإصدار «سيزيد نسبيًا من حجم الانهيار الاقتصادي وسعر صرف العملة المحلية بمناطق الحوثيين، خاصة إذا كانت الكتلة المطبوعة كبيرة وتؤسس لقطاع نقدي مستقل للحوثيين ينهي أي إمكانية للعودة لأي اتفاق ممكن لحل الأزمة الاقتصادية وإنهاء الانقسام النقدي وتوحيد سعر صرف العملة المحلية بين صنعاء وعدن بعد اليوم، لأن الحوثيين يعتبرون عقوبات تصنيفهم أمريكياً كمنظمة إرهابية قد قضت على أي إمكانية لتوقيع اتفاق اقتصادي معهم، وليس أمامهم إلا التصعيد واستثمار كل الفرص المتاحة أمامهم لإصدار الفئات النقدية كعملات إلزامية لسلطة أمر واقع» حد تعبيره.
فيما اعتبر الصحافي الاقتصادي، رشيد الحداد، أن هذا الإصدار النقدي لن يترتب عليه أي تضخم نقدي، ولن يؤثر على الانقسام النقدي القائم، موضحًا أن ارتفاع سعر الصرف في المحافظات الجنوبية هو ما تسبب في الانقسام النقدي الحاصل.
وقال لـ«القدس العربي»: «هذا الإصدار النقدي جاء استجابة لحاجة السوق المحلية، خاصة بعد أن تدهورت الحالة الفنية لفئة المائتي ريال الموجودة في السوق المحلي، وهي طبعة متوفرة منذ عام 1996، ونتيجة التداول تراجعت لأدنى المستويات، والآن تم وضع إصدار ثان من الفئة النقدية، وهو إصدار لن يكون له أي أثر تضخمي، خاصة وأن هذا الإصدار جاء بدل اصدار تالف».
ويرى أن هذا الإصدار «بمثابة إعلان من قبل صنعاء بأنها ماضية في اتخاذ كل المعالجات لأزمة السيولة النقدية، خاصة وأن اتفاقات السلام، وعلى رأسها اتفاقات الملف الاقتصادي تأخرت بشكل كبير، ما أدى إلى تراجع في وضع العملة في السوق المحلي، وبالتالي انكماش الأسواق. اليوم عودة هذه الكتلة النقدية التي كانت شبه مجمدة ستسهم في تعزيز العرض النقدي للعملة الوطنية في الأسواق المحلية، خصوصًا وأن حكومة صنعاء تستحوذ على ما نسبته 70 ٪ من السوق المحلي، وسيكون لها أثر إيجابي»، نافيًا أن «يكون لها أي آثار تضخمية على سعر صرف العملة وعلى أسعار المواد الغذائية الأساسية».
واستدرك: «ومع ذلك هي رسالة لدول التحالف أن صنعاء ماضية في اتخاذ المزيد من المعالجات لأزمة السيولة، في حال ما تم التهرب من التزامات السلام، أما في حال ما تم تنفيذ اتفاقات السلام فإن الأمر سيتغير كليًا، وربما أن صنعاء مستعدة للدخول في اتفاقات اقتصادية تفضي لإنهاء الانقسام النقدي في البلد».
وفي يوليو/ تموز 2024 أعلن المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، عن توصلِ الطرفين اليمنيين إلى اتفاق بشأن القطاع المصرفي وشركة الخطوط الجوية اليمنية في سياق احتواء التصعيد الاقتصادي، الذي بلغت ذروته من خلال عدد من القرارات لكل من البنك المركزي اليمني في صنعاء وعدن.
ووفق المبعوث الأممي، اتفق الطرفان على «إلغاء القرارات والإجراءات الأخيرة ضد البنوك من الجانبين، والتوقف مستقبلاً عن أي قرارات أو إجراءات مماثله، واستئناف طيران اليمنية للرحلات بين صنعاء والأردن، وزيادة عدد رحلاتها إلى ثلاث يوميًا، وتسيير رحلات إلى القاهرة والهند يومياً أو حسب الحاجة».
كما اتفقا على أن «تُعقد اجتماعات لمعالجة التحديات الإدارية والفنية والمالية التي تواجهها الشركة (طيران اليمنية)، والبدء في عقدِ اجتماعات لمناقشة كافة القضايا الاقتصادية والإنسانية بناءً على خارطة الطريق».
لكن يمكن القول إن ذلك الاتفاق تعثر منذ لحظة ولادته، إذ لم تنعقد اجتماعات لمعالجة التحديات الإدارية والفنية والمالية لشركة طيران اليمنية، وأي اجتماعات أخرى لمناقشة كافة القضايا الاقتصادية والإنسانية بناء على خارطة الطريق، وهو الجمود المستمر على كافة المستويات السياسية والاقتصادية في البلد.