الباحث الفلسطيني أحمد حنيطي: هجمات المستوطنين تتركز في مناطق يعيش فيها مواطنون يحملون الجنسية الأمريكية

حاوره: سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

في عام 2008 بدأ اهتمام الباحث الفلسطيني أحمد حنيطي بالأغوار الفلسطينية، كان باحثا في بدايات طريقه، وكانت الأغوار بالنسبة له صندوقا مغلقا، دفعه حسه الوطني إلى المشاركة في مسارات الأغوار، ومن ثم في حملات شعبية كان الهدف منها إنقاذ الأغوار من غول الاستيطان. في تلك المشاركات المحدودة اكتشف حنيطي بدايات تجارب الفلسطينيين في صناعة الطوب من مخلفات النبات.
رويدا رويدا.. قرر البحث عن هذا العالم المجهول بالنسبة لباحث شاب قادم من مدينة جنين إلى رام الله، ومع تزايد البحث صدمته حقيقة أن آخر دراسة عن الأغوار كانت في عام 1985، وهو ما شجعه على زيارة المكان الغريب عنه من أجل تعميق الفهم والمعرفة. نتج عن ذلك تعمق احساسه بأهمية المكان وسكانه.
وفي دراسة الماجستير شعر أن الفرصة مواتية للذهاب لقرية بردلة التي أقام فيها نحو 170 يوما بهدف إنجاز رسالة الماجستير والتي حاول من خلالها فهم التغيير الثقافي والاجتماعي في قرية زراعية في الأغوار.
ومن الاهتمام بالأغوار انتقل لدراسة التجمعات البدوية، وعندما بدأ البحث عنهم وجد أن أغلب الدراسات الجيدة حولهم كانت باللغة الإنكليزية، ومن البدو وحياتهم في ظل سياسات الاستيطان انتقل إلى الاهتمام بالزراعة البيئية بشكل خاص، وبكل ما يخص الزراعة بشكل عام.
في رصيد الباحث حنيطي، الذي تحاوره «القدس العربي»، مجموعة كبيرة من المؤلفات مثل: «التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية»، و«السياسة الإسرائيلية تجاه الأغوار وآفاقها»، وكذلك ورقة سياسات حول: «الأغوار الفلسطينية.. الواقع ومآلات المستقبل»، وفيما يلي نص الحوار:
○ بحثك الأخير الذي حمل عنوان «حواجز الاستعمار الصهيوني بعد السابع من أكتوبر: تفعيل كامل لمنظومة السجن الكبير» ونشر قبل أشهر معدودة قام على شهادات السائقين العموميين، هذا مثير للاهتمام؟
• أحرص على التجوال في المناطق الفلسطينية في عموم الضفة الغربية. أستثمر ذلك بحكم عملي البحثي، ولهذا الغرض لا أستخدم سيارتي الخاصة، بل استخدم وسائل النقل العامة، وخلال ذلك أحصل على زبدة ما يجري في الضفة التي تشهد أكبر ورشة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية.
وفق ذلك أعتبر السائقين كنزا رهيبا، يعرفون كل شيء وكل ما حدث ويحدث. هم يتتبعون الأخبار اللحظية واليومية لمعرفة ما يجري بهدف معرفة كيف يمكنهم الحركة، وكي يتحرك السائق فإنه يتابع كل ما يجري على الأرض، إنهم يستحقون الاهتمام البحثي لفهم الحالة الفلسطينية. البحث قام فعليا على شهادات سائقي السيارات العمومي، يمكنهم أن يخبروك (المخضرمون منهم) عن طبيعة التغيرات التي حدثت وحجمها، إنهم لا يرصدون التفاصيل، إنهم يعيشونها ويمرون من خلالها، إنهم الأصدق.. هم شبكة يشكلونها بحكم كونهم جماعة مهنية تتنقل يوميا، ويعرفون مجمل ما يحدث منذ الانتفاضة الأولى والثانية واليوم، هم أكثر الناس قدرة على معرفة التغيرات التي تحدث، كيف ومتى والدلالات أيضا. مثلا لم يخطر ببالي مثلا كيف أن الاحتلال يحاصر القرى والبلدات، وأنه يجمع ثلاث قرى على بوابة حديدية واحدة.. بحيث يغلق كل الطريق ويجمعهم معا لتسهيل السيطرة، لقد أخبروني أن أي سيارة تريد أن تسير فوق شارع التفافي يجب أن تمر عن حاجز أو بوابة عسكرية. في الانتفاضة الثانية كانت هناك طرق بديلة لتلك التي يغلقها الاحتلال، أما اليوم فإن إغلاق الطرق يعني عدم المرور إلا من الطريق التي يحددها الاحتلال. السائقون يفهمون معنى البوابات الحديدية، والتي تعني أنه خلال ربع ساعة تغلق إسرائيل الضفة الغربية جميعها من دون جنود. والبوابات ممارسة احتلالية تختلف مثلا عن إغلاق الطرق بالتراب والحجارة أو قطع الطرق بتجريفها.
اليوم يمكننا إحصاء التجمعات الفلسطينية وعدد الحواجز، وسنجد أن كل قرية فلسطينية لها حاجزان، كان ذلك قبل أربعة شهور، اليوم البوابات زادت. وفي المقابل لو قمنا بتقسيم عدد سكان الضفة الغربية بالنسبة لعدد البوابات نجد أن كل 3 آلاف فلسطيني لديهم بوابة.. هنا نتحدث حرفيا عن سجن رسمي نعيش فيه.
○ من الواضح ما تقوله، لكن السؤال، كيف تقرأ هذه السياسة، ما أسباب ذلك، هل الحجة الأمنية مقنعة، أم أن هناك شيئا أعمق من فكرة الأمن؟
• من وجهة نظري هناك أمران، الأول، إنهم يريدون أن يشعروا بالراحة النفسية. الإغلاق بهذه الطريقة يعني ضمان عدم الحركة، عندما تجمد الحركة يشعرون بالراحة من دون أي حركة جنود أو دوريات، أو بأقل قدر من ذلك.
ثانيا، لقد دخلوا كل القرى الفلسطينية تقريبا. تكثف ذلك في أيام الحرب على إيران، لقد سرقوا ونهبوا وفتشوا.. يريدون تفتيش وإجراء عملية تأمين شبه كاملة.. الواضح لنا أن القضية ليست أمنا، إنما هي راحة نفسية لهم، وعقاب جماعي لنا.
○ هل يمكن أن يكون ما يجري لتحضير الضفة لخطة قادمة، هناك أجندة إسرائيلية واضحة، وبالتالي ما يجري تحضيره في حال كان هناك أي جهد للفلسطيني بالمقاومة؟
• عادة ما أحصل على تصوراتي حول ما يحدث في الميدان وما يخطط للضفة من خلال سؤال المواطنين والعائلات الذين يشتبكون مع الجيش والمستوطنين، أسألهم عن مضمون الحوارات التي تدور بينهم، وهناك مظاهر كثيرة تحدث تدفع بطرح أسئلة كي نحاول الفهم، مثلا: ماذا يعني أنه كلما قتل مستوطن، كما حدث في بروقين غرب سلفيت على سبيل المثال، يقومون بإغلاق قرى لأيام طويلة، ويجرون تفتيشا من بيت لبيت، وبعد أسبوع يجلبون المستوطنين إلى أطراف القرية، وتحديدا مستوطنين مراهقين من صغار الشبيبة. يكون السؤال: ماذا يريدون؟ هل يريدون تدشين بؤر رعوية أيضا، مثلما يحدث في المناطق الشرقية من الأغوار؟ لماذا هناك مستوطن يدشن بؤرة في سهل رامين بالقرب من طولكرم، هل الهدف تدشين مستوطنة؟ ما هو معنى الهجوم على القرى الفلسطينية القريبة من رام الله؟ كلنا نفهم سياسة تفريغ الأغوار، لكن لماذا الهجوم على قرى المغير وبرقة والمزرعة وسنجل وترمسعيا وكفر مالك وجيت والفندق وحوارة؟ ما المغزى من وراء ذلك؟ طبعا المؤكد أن هناك أهدافا محددة وسياسة رسمية وكل طرف يأخذ فيها دوره، من مستوطنين وجيش وحكومة ووزراء.
○ قبل أيام كان الخبر الملفت بالنسبة لي إبعاد مواطن عن مكان سكنه 15 يوما لأنه قاوم المستوطنين، وتحديدا في منطقة جبل الجمجمة بمدينة حلحول؟
• الأمثلة الملفتة كثيرة جدا، قبل أسبوعين كان هناك مستوطنون في سهل زراعي بالقرب من سنجل، بعد أن طردهم المواطنون جاء الجيش واعتقل من قام بالطرد بتهمة الاعتداء عليهم، وهناك صور تقدم هجوم مستوطنين على منطقة المسافر في يطا حيث جاء مستوطن وضرب أحد الشبان حتى أفقده الوعي، وعندما حاول الشبان ملاحقته تقدم الجنود ومنعوا الشبان من المقاومة.
قبل أيام كنت أمشي برفقة بدوي في منطقة شرق رام الله، رأيت البقر الخاص بالمستوطنين يرعى لوحده. وقلت للبدوي أن هذا المشهد مغر للسرقة، فكان رده: «لمس البقرة يشبه لمس تيار كهربائي 3 فاز!» تعبير ملفت ودال، وبالتالي ما معنى هجوم المستوطنين على تجمع بدوي والجيش يغلق كل الطرق الرئيسية في محيط التجمع لمنع أي مساعدة من المواطنين، ما معنى سرقة المستوطنين 1500 رأس غنم من عائلة بدوية؟ فيما الخطاب الوحيد الذي يتوحد فيه الجيش والمستوطنون يقول: «اذهبوا للأردن والسعودية..».
مسألة أخرى، هناك سياسة كبيرة تجاه الأغوار، لكن الواضح حسب تقرير لمنظمة إسرائيلية أن هناك سياسة جديدة وهي «تركيز فلسطيني في مناطق معينة.. وانتشار إسرائيلي في مناطق أوسع».
○ في الضفة هناك توسيع لشوارع رئيسية ما يطرح أسئلة مهمة، كما أن معادلة تقسيم الضفة ثلاثة أقسام أصبح أمرا غير دال، ماذا تقول؟
• المؤكد اننا توقفنا عن الحديث عن قيام دولة فلسطينية أو تقسيمها إلى ثلاثة كنتونات، زمان كان الحديث عن ثلاث مناطق لكن اليوم أصبح لكل قرية تقسيما خاصا بها. خطاب التقسيم في الانتفاضة الثانية اختلف تماما عن خطاب التقسيم اليوم.
لم نعد نتحدث اليوم عن فصل ثلاث مناطق للضفة، أما جملة «القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية»، فهو موضوع أصبح مضحكا جدا لسذاجته. اليوم كل قرية مفصولة عن محيطها. الذهاب لعطارة من بيرزيت يحتاج لساعتين أو ثلاث مع أنها لا تبعد عنها سوى دقيقة بالسيارة.
○ كيف نفهم ممارسات الحصار والإغلاق إذا في ظل معطيات غير موحدة؟
• الأمر مختلف من منطقة لأخرى، مثلا في بعض المناطق الهدف فصل منطقة عن مجموعة قرى مثل منطقة «خربة يانون» في نابلس، بمعنى أن هناك هدفا عينيا في هذا الحصار، فيما هناك سياسات هدفها جمع مجموعة قرى وفرص حصار عليها جميعا، وهناك قرى عليها بوابة مغلقة وأخرى مفتوحة…ألخ من الأمثلة.
من خلال المتابعة، نرى أنهم ماضون في الضم، أي فصلنا عن الضفة، ومن ناحية ثانية إسرائيل تعمل على مزجنا مع بعضنا البعض في ظل ما نشكله من تحد ديمغرافي لهم، فكم نسبة كل طرف في فلسطين التاريخية؟ قبل 2019 كانت نسبة كل طرف 50 في المئة، وهذه معادلة ديموغرافية غير مقنعة لهم.
يعني لنلاحظ، طول الوقت كانوا يتحدثون عن «شارع ألون» من بلدة مخماس شرق رام الله إلى الطيبة وصولا إلى الأغوار، كان الحديث سابقا يتركز على شرق الشارع باتجاه الأغوار الفلسطينية، الهجمات اليوم أصبحت غرب الشارع هذا وتمددت، المثير للاهتمام هنا أن 30 في المئة من مساحة الأغوار يعيش فيها بحسب إحصاءات عام 2017 تقريبا 17 ألف فلسطيني، علما أن هذا الرقم تراجع اليوم، فيما اليهود في نفس المناطق حوالي12 ألف مستوطن.
○ البعض يقول إن هناك صعوبة في استقدام مستوطنين لتلك المناطق بحيث تتضاعف أعدادهم؟
• لدي تحليل مختلف، هم غير معنيين بزيادة الأعداد، فالمنطقة مسيطر عليها بكل الأحوال. ليست هناك كثافة سكانية تنازع وجود المستوطنين. ما أرصده اليوم هو تكثيف وجود المستوطنين في مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية، فالأغوار ملف محسوم بالنسبة لهم ولا يوجد خطر ديموغرافي هناك، وإذا أمعنت النظر تجد أن المناطق التي فيها زيادة سكانية هي: أريحا ومخيماتها والعوجا، ولكن بلدة فصايل أيضا حيث بلغت الزيادة السكانية فيها 36 في المئة والسبب مرتبط بعمل 90 في المئة من الفلسطينيين عمال في المستوطنات، أما بقية المناطق فالزيادة السكانية فيها تتناقص ولا تزيد.
○ كيف تفسر أن بقية التجمعات الزراعية الفلسطينية ما عدا فصايل، فيها تناقص في أعداد السكان؟
• هناك أكثر من إجابة، أولا، المساحات الزراعية تتناقص وكذلك كميات المياه التي تتراجع كفاءتها من ناحية مناسبتها للزراعة.
خذ مثال بلدة بردلة التي تعتمد على مياه شركة «ماكروت» الإسرائيلية في الزراعة، ما يجري فيها أن الشركة الإسرائيلية تقلل من حصة المزارعين في البلدة بشكل سنوي، ويلجأ المزارعون إلى «السرقة» من المياه التي تستخرجها الشركة الإسرائيلية من أعماق أراضيهم، أما الجفتلك فيعتمد المزارعون على الآبار الخاصة بهم وهي في حالة تراجع واستهداف أيضا.
ملف آخر يدفع إلى تراجع الزيادة السكانية في تلك المناطق وهو زراعة النخيل التي تمددت خلال السنوات العشرين الأخيرة.
○ كيف ذلك، النخيل يتم تقديمه على انه إنجاز وطني واقتصادي.. كيف يكون العكس.. وضح ذلك لطفا؟
• قبل فترة قمت بعملية حسابية بسيطة، لزراعة 50 دونما من أرض في الغور بالخضروات فإننا نحتاج إلى خمس عائلات، هذا الشكل الزراعي يعتمد على الأيدي العاملة الأسرية: أب وأم وأولاد كبار وأطفال، كل هؤلاء يعملون طوال العام في الأرض، وفي المقابل للعناية وزراعة 50 دونم نخيل نحتاج إلى عامل واحد فقط.
○ ماذا تقول، أرقام مساحات الأراضي المزروعة بالنخيل في صعود دائم؟
• طبعا، هناك مساحات هائلة. حسب إحصائيات 2020 فأنه هناك حوالي 28 ألف دونم نخيل. أما زراعة هذه الأراضي خضروات فإن الأمر يتطلب أسرا أكثر بكثير.
○ وكأنك هنا تنتقد السياسات الزراعية وتوجهات كبار المزارعين الذين ذهبوا إلى زراعة النخيل وبدعم رسمي؟
• طبعا.. هناك إشكال حقيقي. النخيل يربح أكثر بالنسبة لهم من الخضروات بكثير. لكن النتيجة التي تترتب على ذلك أن أفرغ الغور من السكان والمزارعين. هذا الأمر لا يفكر فيه أحد، التاجر والجهات الرسمية يفكرون بكمية الأموال التي تجلبها الزراعة عليهم.
طبعا هناك بعد آخر له علاقة بزراعة النخيل وهو ارتفاع ملوحة الماء، والنخيل يقاوم ذلك، هذا سبب آخر عزز من زراعتها لكن السبب الأبرز يرتبط بالجدوى الاقتصادية.
○ مؤخرا، يتكرر مصطلح أن الأغوار حسمت إسرائيليا، هل ترى ذلك؟
• للأسف، الغور محسوم من زمان، هناك قضية الخطاب وهو مقدور عليه، لكن هناك ما يجري على أرض الواقع يخبرنا أن الأغوار محسومة من فترة طويلة وسياسة إسرائيل تشتغل وتقلل أعداد السكان الفلسطينيين في ظل المضايقات منذ سنوات طويلة، لنفكر مثلا، في عام 2018 كان عدد سكان الأغوار 17 ألف مواطن. هذه نتيجة لسياسات تعمل منذ زمن طويل.
وحسب حديث جهات فلسطينية رسمية فإن أكثر من 90 في المئة من الأغوار مصادر إسرائيليا، حيث أن 91 في المئة من مساحة الأغوار هي مناطق سي/ج. هنا فرصة للحديث عن التقسيمات أ وب وج، أرى أن الواقع تجاوزها، أصبحت خلف ظهورنا حقيقة، عمليات الهدم والاقتحام تحدث في كل مكان. عندما أرى المستوطنين يقتلون الناس في نص كفر مالك والمغير وترمسعيا ماذا نقول؟ هل بقي تقسيم فعلي؟ هل هناك فرق بين عمليات التهجير في مناطق البدو ومحاولات التهجير في شرق رام الله مثلا؟
أحلل ما ألاحظه خلال الفترة الماضية بأن الاحتلال يريد عمليات تكثيف ممارسات في مناطق فلسطينية يمتلك فيها القدرة على التفريغ أكثر من غيرها من المناطق، ولهذا هدف واضح.
المعادلة أو التحدي الديموغرافي يخبرنا عبر التحليل أن الهجمات الأخيرة في المناطق الشرقية من رام الله حيث يكثر فيها فلسطينيون يحملون الجنسية الأمريكية مقصودة ومبرمجة، فهؤلاء أي حملة الجنسية الأمريكية لديهم خيارات الخروج والذهاب إلى أمريكا. قناعاتي الشخصية تقول إن تركيز الهجمات هناك يعود إلى أن السكان يمتلكون خيارات هجرة ويريدون اللعب على هذا الوتر.
○ ملاحظة جديرة بالتوقف، آخر شهيد من المزرعة الشرقية كان فلسطينيا يحمل الجنسية الأمريكية، شرق رام الله كان مركز هجمات في الشهرين الماضيين؟
• مسألة تهجير المواطنين من رام الله المدينة مسألة صعبة، أما تهجير مواطنين يحملون خيارات ثانية للحياة مسألة أسهل، انا أقول ذلك في محاولة لفهم سلوك الاحتلال وسياساته، ولا أتهم أحدا، لكني أحلل، الإنجاز يريده المستوطنون من أجل الشعور بالانتصار، والأسهل استهداف بلدات وقرى فيها مواطنون يحملون الجنسية الأمريكية. النجاح يحفز المشروع الاستيطاني في الضفة وهم يفكرون ويعملون.
○ من ناحية ثانية، هناك من تحدث عن أن مشاهد تهجير تجمعات البدو خلال العامين المنصرمين تعكس سهولة وتراجعا في ثقافة الصمود.. هل من تعقيب على ذلك؟
• لقد عشت بين البدو وأتابع ما يجري عن كثب، الأمر ليس بهذه البساطة، لقد كنت شاهدا على عملية تهجير قبل أيام، هناك أكثر من نقطة يمكنها أن تخبرنا لماذا ينجح التهجير.
أولا: هناك مستوطنون يحاصرون التجمعات البدوية، نحن نرى حصارا يمنع بمقتضاه أن يقوم البدوي بالذهاب بأغنامه خارج التجمعات بهدف الرعي، وهذا يعني أن الثروة الحيوانية أصبحت تعتمد على الأعلاف بنسبة كبيرة جدا، يمكن أن نفهم ذلك في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف، وبالتالي تصبح عملية الإنتاج الحيواني مكلفة جدا في ظل غياب الدعم والإسناد، لقد سمعنا أن البدو يبيعون جزءا من الأغنام من أجل إطعام بقية القطيع.
ثانيا، الهجمات تشن من المستوطنين وبحماية كاملة من الجيش، فهي ليست هجمات عابرة، بل هي فعل يومي، وبالتالي هناك إمكانية كبيرة أن يفقد البدوي نفسه أو أفراد عائلته.
ثالثا: إلى جانب الهجمات فإن المستوطنين يسرقون الأغنام ويعتدون عليها، ويدمرون مصادر المياه وقد يسممونها، ويشتكون على سكان التجمعات بإنهم من قاموا بسرقة أغنامهم.
ما يجري بالأغوار يخبرنا أن ثمن الصمود كبير جدا في ظل الحصار والخطر اللحظي. كما تصل رسائل من جيش الاحتلال للبدو بأن عليهم المغادرة فورا في ظل أن هجمات المستوطنين لن تتوقف، وهذا رابعا. أما خامسا، إذا قرر البدوي الدفاع عن نفسه فإنه يتعرض للاعتقال، وهو ما حدث مرارا خلال الفترة الماضية.
سادسا، البدو متروكين من دون أي دعم، إنهم يواجهون مصيرهم لوحدهم، كنت متواجدا أثناء عملية إخلاء تجمع المعرجات، ونظرت من حولي لأرى من كان يتواجد في المكان، فقط الأقارب، وبالجوار كانت السيارات تمر من دون أن يسأل أحد أو يهتم.
وبالتالي البدو عاجزون عن حماية أنفسهم، وهذه حقيقة وعلينا مواجهتها.
○ نقطة قبل أخيرة، قبل أيام هاجم مستوطنون نبع «عين سامية»، هاجموا عيون الماء التي تسقي مناطق في شرق رام الله، هذه الآبار تتبع السلطة، أرى أن تهجير البدو قبل نحو عامين سهل هجمات السيطرة على منابع المياه؟
• ما تقوله صحيح، بجانب بيتي صالون حلاقة، في نفس يوم هجوم المستوطنين على الآبار كنت في زيارته بعد عودة من جولة في الأغوار، قلت للحلاق: «الوضع في الغور صعب جدا»، رد رافعا صوته: «عن شو بتحكي أنت.. لقد هاجموا آبار المي التي نشرب منها في رام الله.. وصلونا.. وين بدنا نروح؟».
والسؤال هنا: إذا حرمت من مصدر المياه وأنت تمتلك جنسية أجنبية، وتفتقد الإحساس بالأمان، ماذا سيفعل المواطن الذي يمتلك خيارا.. حتما سيسافر، أنا لا خيار لي إلا البقاء.. لكن هناك من يمتلك الخيارات وحتما سيطرح السؤال على نفسه بالسفر في ظل الظروف الداخلية التي لا تساعد على البقاء.
ثم حتما لاحظت تراجع أعداد المغتربين الذين يعودون سنويا إلى رام الله والبيرة، يمكن إدراك ذلك من خلال شوارع المدينة. الأمر يحتاج للبحث وتجميع إحصاءات، لكن العين لا يمكن أن تخطئ.
○ سؤال أخير، يبدو مسار الحوار محبطا، وبالتالي ماذا عن سؤال ما العمل؟ في ندوة سابقة هناك من قال إنه يجب أن يؤسس الفلسطينيون «مقاومو التلال» في مقابل «فتية التلال»، هل من مساحة ما للعمل والتحرك في ظل المعطيات السابقة؟
• بتقديري لو أطلق الفلسطينيون في الأغوار «مقاومو التلال» فإن الجيش سيعتقلهم خلال أيام، لست من أنصار تكرار الشكوى، أو استمرار طلب الدعم المالي، بل علينا النظر إلى ما يمكن أن يعزز صمود المواطنين.
مثلا: كيف يمكن أن نضمن أن يكون هناك تسويق مجدي لمنتجات البدو وسكان الأغوار؟ وهذا أولا، وثانيا: ماذا يمكن أن نفعل كي نضمن ألا يشعر البدو وسكان الأغوار بإنهم يواجهون الاحتلال والمستوطنين لوحدهم؟
كيف يمكن أن أشعرهم أنني أقف إلى جانبهم قولا وفعلا؟ أخبرني بعض البدو أن المسؤولين لا يردون على هواتفهم في اللحظات الصعبة، واليوم أصبحنا نرى أن المهجرين هم من يزور المسؤولين وليس العكس، وهذا مؤشر غير صحي ويعكس العلاقة بين المسؤول والمواطنين.
وثالثا: علي دراسة تجارب البلدات التي واجهت الاستيطان مثل بيتا، فالحشد الشعبي الكبير لم ينقذ الجبل والمستوطنة ما زالت مكانها، الأمور معقدة بالنسبة للبدو، ربما القرى حظها أفضل في ظل وجود الحشد الجماهيري.
رابعا: علينا أن نفكر في الحشد الجماهيري أيضا، لقد أصبح الثمن كبيرا جدا، ما حدث في المزرعة الشرقية وقبلها في كفر مالك يخبرنا أن الثمن كبير وفادح أيضا. حجم العنف الممارس ضد الفلسطيني الذي يقاوم كبير، ولا مرة وصل القتل والتوحش هذا المستوى. هنا علينا تقييم الفزعات الجماهيرية.
الخلاصة أنه يجب أن نذهب للناس ونعيش معهم كي ندرك الواقع تماما. مثلا قضية زراعة النخيل ذبحتني، كنت أنظر للنخيل على أنه ثروة وطنية. لكن اليوم أراه حالة استثمارية تتعارض مع أهدافنا التحررية، وهذا يعكس أن الاهتمامات الرأسمالية الفلسطينية التي تعبر عنها سياسات السلطة وقضية الاستثمار وهي تحتكم فقط لسؤال ما هو مقدار ما أكسبه من أموال وليس أي شيء آخر. ووفق هذا المنطق لا يعتبر البدو في مساحة اهتمام السلطة الفلسطينية بمؤسساتها المختلفة، فهي غير مستفيدة منهم اقتصاديا بشكل مباشر وبالتالي ليسوا في محل اهتمامها.
يمكن ملاحظة ذلك في حال تتبعنا الأماكن التي يزورها المسؤولون الرسميون، غالبا يزورن حقول مزروعات مخصصة للتصدير، أما تجمعات البدو فهي خارج الحسابات، غالبا لا يهتمون بزيارة مزارعين يلبون حاجة محلية، بل يهتمون بالاستثمارات الكبرى التي يترتب عليها تصدير وسماسرة ومصالح مالية وضرائب وشركات من الباطن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية