تونس ـ «القدس العربي»: رُفع الستار عن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان الحمامات الدولي التي تتواصل حتى شهر آب/أغسطس القادم، وانطلقت الفعاليات أمام حشد غفير من الجمهور بعرض «رقوج»، المستوحى من المسلسل التلفزيوني التونسي «رقوج» الذي أعاد إخراجه للمسرح أيضا مخرجه عبد الحميد بوشناق. وبالتالي فقد اكتسب هذا المشروع الفني الناجح جماهيريا، والذي سبق أن أسر قلوب الجمهور خلال شهر رمضان من خلال المسلسل المشار إليه، طابعًا مسرحيًا بعد أن تمت إعادة صياغته كما يجب لذلك الغرض.
بين الواقع والخيال
منذ الدقائق الأولى للعرض الافتتاحي، انغمس جمهور مسرح المركز الثقافي بالحمامات، المطل على خليج الحمامات المتوسطي الذي يحمل اسم المدينة التونسية السياحية الخلابة، في عالم بصري خيالي زاخر بالألوان، وبسينوغرافيا جذابة. لقد نجح «رقوج، العرض» في المزج كما يجب وبحرفية عالية بين الواقع والخيال من خلال رمزيات قوية واستعارات متنوعة، تتمحور حول الأمل والتجدد، إنه باختصار ترنيمة الحياة، على حد وصف أحدهم.
مدينة «رقوج» الخيالية التي ابتدعها خيال كاتب المسلسل التلفزيوني الناجح هي إعادة صياغة لتونس، بمناظرها الطبيعية الخلابة، وأيضًا بصراعاتها اليومية، وصعوباتها، وشغف مواطنيها بالحياة. لقد جسّد عبد الحميد بوشناق في «رقوج المسلسل» و«رقوج العرض» واقعًا مشوهًا، مستوحى من الخيال ليُدين البعض ويُحرك المشاعر ويُضحك ويُبكي المشاهد في آنٍ واحد، بأسلوبٍ يمزج بين التراجيديا والفكاهة أو ما يعرف بالكوميديا السوداء.
على خشبة المسرح، تضافرت مواهب ما لا يقل عن 120 فنانًا من موسيقيين وممثلين وراقصين وفنيين لتقديم هذا العرض الذي استمر 160 دقيقة. وقد ساهمت في نجاح العرض المسرحي لعبد الحميد بوشناق أيضا موسيقى شقيقه حمزة بوشناق النابضة بالحياة. كما أثْرت رقصات أميمة المناعي العرض بحركية مميزة، وترك المايسترو راسم دمق، قائد الأوركسترا، أجمل الانطباعات.
وتم خلال العرض تكريم الفنان الراحل أحمد العبيدي المعروف باسم كافون، الذي وافاه الأجل المحتوم منذ بضعة أشهر فكانت لحظة مؤثرة للغاية. وهكذا، يُرسخ «رقوج»، وهو مسلسل وعرض مسرحي، مكانته كعمل تونسي أصيل، يُجسد الحلم والآمل في غد أفضل.
تجربة بديلة
اعتبر مخرج العمل عبد الحميد بوشناق في مؤتمر صحافي عقده إثر هذا العرض الافتتاحي وذلك بمعية فريق العمل، وعند نقاش أهم مراحل هذه المغامرة الفنية وما يجري خلف الكواليس، بأن هذه النسخة من العمل الفني مثّلت تحديًا مزدوجًا. كما اعتبر أن الحمامات مثلت بالنسبة إليه كمشاهد، مكانا له معنى خاص، وأكد على أن هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها عرضًا في الحمامات كمخرج، ولذلك فالمسؤولية برأيه جسيمة وازدادت أهميتها في الحمامات.
واعتبر عبد الحميد بوشناق في هذه الندوة أيضا أن ما كان مطلوبا منه في رقوج المسرحية لم يكن إعادة تمثيل عمل عُرض على التلفزيون ونجح نجاحا باهرا في جزئه الأول والثاني، بل كان مطلوبا منه تقديم تجربة مسرحية بديلة وحيوية، بروح ونبرة متجددتين ومختلفتين عن جزئي المسلسل اللذين عرضا في شهر رمضان الماضي وشهر رمضان الذي قبله.
أما الملحن حمزة بوشناق الذي كان تأثيره جليا على العرض من خلال لمسته الموسيقية المتميزة التي شدت الجمهور، فقد اعتبر أن التحدي الحقيقي بالنسبة إليه لم يكن تأليف أو أداء الموسيقى، بل نقل مشاعر أبطال العمل إلى جمهور المشاهدين. وأكد حمزة بوشناق أيضا على أن إرادته كانت منصبة على جعل الجمهور يشعر بهذا العمل الفني المستوحى من المسلسل ويُعجب به ويتأمل في أحداثه ليدرك أبعاده.
سهرة قناوة مغاربية
ومن أهم العروض التي شدت جمهور مهرجان الحمامات عرض الفنانة المغربية هند النعيرة والفنانة الجزائرية جازية ساطور على مسرح الحمامات التونسي في سهرة مغاربية بامتياز. كان هذا العرض أمسية يوم 13 تموز/يوليو وتم افتتاحه بالمقطوعات الإيقاعية للفنانة المغربية هند النعيرة، التي شاركها في الحفل راقصوها ومغنياتها وموسيقيوها.
وهند النعيرة هي فنانة مغربية من مدينة الصويرة برزت في مجال موسيقى قناوة، وقادت فرقا موسيقية في هذا المجال، واشتهرت من خلال مشاركتها في مهرجان قناوة للموسيقى العالمية في الصويرة. كما أنها قادت فرقة قناوة مغربية تقليدية وقامت في الآن نفسه بدمج آلات موسيقية حديثة مما اعتبر تجديدا في هذا الصنف من الموسيقى التقليدية المغربية.
وصف البعض هند النعيرة في الحمامات التونسية بأنها «طاقة لا حدود لها»، بعد أن قدمت أداء إيقاعيا غنيا بالموسيقى والألوان أشعل المسرح وأبهر الجميع. لم تفارق البسمة محياها بهجة بالحفل، وخاطبت جمهورها، وغنّت أغانيها بالزغاريد والإهداءات باللهجة المغربية. كان مسرح الحمامات مسرحها بامتياز لمدة ساعة أبهرت خلالها الحاضرين بصوتها وآلاتها الموسيقية وملابسها المستوحاة من الثقافتين الأفريقية والأمازيغية.
أغانيها آتية من الصحراء، وتنبثق من ثراء موسيقى «قناوة» وثراء الموسيقى الأفريقية. لقد تردد صدى العديد من الأغاني بلا هوادة في تلك الليلة، منها «فونغورو» و«فلاني حريزة» و«بابا ميمون» أو»ساندية». وأكدت هند النعيرة بلمستها الأنثوية التي أحدثت الفرق على أن هذا النمط الموسيقي المغربي المسمى «قناوة» ليس حكرا على الرجال.
لقد عبّرت الفنانة عن امتنانها وسعادتها الغامرة بتواجدها أمام جمهورها التونسي في هذا الجو الشاعري. وأكدت أيضا على أن حفل الحمامات التونسية لا يختلف على ما دأبت على تقديمه في موطنها بالمملكة المغربية.
القضايا العادلة
من جهتها سيطرت الفنانة الجزائرية جازية ساطور بكوفيتها الوردية والسوداء وبمعية موسيقييها على المشهد مع جمهور تونسي داعم بالفطرة للقضايا الإنسانية العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. حيث أسرت أغانيها ذات الصبغة السياسية هذا الجمهور التونسي المسيس بطبعه، وذلك بالخصوص من خلال أغنيتها «إذا»، حيث أشادت الفنانة بنضال الشعب الفلسطيني ولفتت النظر إلى معاناته.
وأكدت جازية ساطور على أن الفلسطينيين شعب يعاني من إبادة ثقافية وعرقية عميقة. وأدانت الفنانة الجزائرية الصمت الدولي المطبق الذي يسمح بحدوث أسوأ الفظائع التي يرتكبها الاحتلال الغاشم.
لقد سبق لجازية ساطور أن زارت تونس، وقد أسعدها اهتمام الجمهور التونسي بها على حد تعبيرها. واعتبرت أيضا أن الرقص الشعبي لطالما كان جزءًا من عروضها وأغانيها مثل «نجمة الريح» و«ذكريات» و«غونية» و«مسيرة».
واختتمت جازية ساطور حفلها، الذي جمع بين القناوة والجاز والموسيقى الإلكترونية، بأغانٍ مُهداة للمجتمعات المُهمّشة والمُضطهدة. ومن بين هذه الأغاني أغنية باللغة الإنكليزية تحمل رسالةً ضد العبودية.
إبداع تونسي
ومن بين السهرات التي شدت إليها الجمهور في هذا المهرجان التونسي العريق الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد مهرجان قرطاج الدولي، سهرة مخصصة لعشاق الموسيقى الكلاسيكية بعنوان «ليلة المايسترو». وتم في هذه السهرة عرض موسيقى راقية وفريدة جمعت الأوركسترا السيمفوني التونسي مع العديد من قادة الأوركسترا من منطقة البحر الأبيض المتوسط الذين لبوا الدعوة وحضروا بمدينة الحمامات السياحية درة تونس المتوسطية الساحرة.
ومن بين العروض اللافتة في مهرجان الحمامات الدولي أيضا العرض المسرحي لليلة 16 تموز/يوليو الذي تم خلاله تقديم مسرحية «أم البلدان» التي ألفها الكاتب المسرحي التونسي الكبير عز الدين المدني وأخرجها حافظ خليفة. وتتعرض هذه المسرحية لفترة حكم مؤسس الدولة الحفصية في تونس أبو زكرياء الحفصي في القرن الثالث عشر، وقد اعتاد عز الدين المدني على الكتابة المسرحية في التاريخ ولاقت أعماله نجاحا باهرا ورواجا كبيرا.
ألم الغربة
كما نالت سهرة «رَست» و«السارة» و«النوباتونز» استحسان جمهور مهرجان الحمامات الدولي وذلك يوم 15 تموز/يوليو خاصة وهي تتعرض لآلام الاغتراب في بلدان المهجر. فالغربة والحنين إلى الوطن والتعبير عن وجع البعد هو الذي جمع عرضي «رَست» و«السارة» ومجموعتها «النوباتونز».
وقد امتزج في هذا العرض الطرب العربي بالموسيقى الإلكترونية من خلال ما قدمه الثنائي «رَست» وهما اللبنانية بترا الحاوي والسوري هاني مانجا. فتمت إعادة توزيع الألحان العربية القديمة على إيقاعات الموسيقى الإلكترونية الغربية في مراوحة بين الأصالة والحداثة.
أما السارة السودانية وفرقتها النوباتونز فقد حمل عرضهم روح أفريقيا وتحديدا بلاد النوبة وتم فيه المزج بين الأغاني السودانية القديمة وأنماط معاصرة مثل الهيب هوب والتكنو. ومن بين الأغاني التي تم تقديمها للتعبير عن الحنين إلى الوطن والرغبة في العودة إليه «سلام نوبيا» و«عيان تعبان» و«مين أنا» و«حبيبي تعال» و«سوداني» وغيرها.
واعتبرت السارة في الندوة الصحافية أن مشروعها يقوم على إعادة تقديم التراث السوداني والنوبي سعيا لإبراز الهوية الثقافية السودانية من منظور المهاجر. وأكدت السارة على أن الغربة هي لحظة جذرية تعيد تشكيل الوعي والانتماء وتجعل الإنسان يرى ذاته وموطنه من زاوية مختلفة.
أنماط متعددة
ومن العروض اللافتة أيضا سهرة 14 تموز/يوليو، التي أحيتها الفنانة الأمريكية الشابة نايكا المنحدرة من أصول هايتية والمولودة في ميامي، والتي عاشت فترات من حياتها بين فرنسا وكندا وهو ما جعلها تنفتح على أنماط موسيقية متعددة وتتحدث اللغات بطلاقة. عرض الفنانة نايكا تميّز بالإضافة إلى الغناء، بتفاعل الفنانة مع الجمهور والحديث معه عن قصص شخصية عاشتها وكانت لها علاقة بالأغاني التي تقوم بتقديمها خلال السهرة.
لقد جمعت نايكا بين أنماط متنوعة من منطقة الكاريب وأمريكا الشمالية وأفريقيا وأوروبا على غرار البوب والبلوز والجاز والغوسبال والسول والهيب هوب وغيرها. وغنت للحرية والعدالة والحب والسلام ورقصت بتناغم مع الإيقاعات الموسيقية العالمية وتحدثت وتفاعلت وكسبت قلوب الجماهير بمسرح المركز الثقافي بالحمامات.