إبراهيم عبد المجيد: «الهروب من الذاكرة» محاولة للنجاة من أثقال الماضي

في الثلاثية الروائية «الهروب من الذاكرة»، للكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد نجد شخصيات تحاول العيش من جديد بعيدا عن ثقل الذاكرة، شخصيات عانت ما عانت في الماضي وهي الآن تحاول ان تتأقلم مع الحاضر وسط حذر شديد.
شخصيات الثلاثية تعيش وسط عوالم وذكريات متشابكة مع بعضها بعضا، ابتداء من مجدي هبة الله الشخصية الرئيسية والمحورية، وصولا إلى شخصيات تتلاقى لتشكل مصيرا واحد، كما في شخصية سمير التائه ولبنى، شخصيات كانت وما زالت تعاني من وطأة الذاكرة وهي تحاول بشتى السبل البحث عن منافذ جديدة تسهل لها طريق الهروب. الثلاثية في المجمل تحاكي واقعا نعيشه بجميع تفاصيله، واقعا نحيا مشكلاته كل يوم وساعة، وبالأخص المشكلات المتعلقة بحريات الأفراد في الأوطان، فقد استطاع إبراهيم عبد المجيد أن يعالج تلك القضايا والمشكلات عبر الخيال والواقع معا.
الثلاثية الروائية جمعت بين اليأس والأمل في الوقت ذاته، وفيها من التفاصيل الجميلة والدقيقة الشيء الكثير، فقد استطاع الكاتب الإتيان بالكثير من التفاصيل على درجة كبيرة من الإتقان والدقة، ومنها تفاصيل عن المكان كوسط البلد ومقاهيها وشوارعها وميادينها، ومدينة أكتوبر والشيخ زايد والساحل الشمالي ومرسى مطروح والسلوم، وحياة البدو وشبكات تهريب البشر إلى ليبيا، وجمال تونس الخضراء، وحتى الجزائر ومُدن المغرب العربي، مراكش والرباط والدار البيضاء التي لا يعرف رجالها الكبار زعيما للعرب سوى جمال عبد الناصر.
تضم الثلاثية أجزاء هي بالتتابع «العائد إلى البيت في المساء» و»طريقان للهروب» و»لأن في الدنيا نساء» وهي صادرة عن دار المتوسط في ميلانو في إيطاليا وتقع في 728 صفحة.

في هذا الحوار القصير مع الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد سنتعرف أكثر على أهم ما كان يواجه شخصيات الثلاثية الكبيرة «الهروب من الذاكرة»، ومحاولة بعض الشخصيات النسيان، وفي ما إذا كنا غرباء عما حولنا ودور الذكريات الجميلة في حياة الناس..
عن ثقل الذاكرة ومدى ارتباطها بتقدم العمر أو عند الخروج من أزمة ما، يقول إبراهيم عبد المجيد إن «النسيان نعمة. وهي مقولة قديمة حقيقية لأن ليس كل ما يمر به الإنسان يستحق الذكرى». ويضيف «لا أنسى قصة قصيرة قرأتها من زمان لكاتب روسي نسيت اسمه، للأسف، عن شخص لا يريد أن ينسى فانهالت عليه الذكريات فتفجر رأسه». ويوضح بالقول إن «النوستالجيا والذكريات الطيبة مع تقدم العمر تساعد الإنسان على الحياة، لكن ليست الذكريات السيئة وهي كثيرة عند كل إنسان». مؤكدا «في رواية الهروب من الذاكرة الجميع ضحايا لاتهامات غير حقيقية أدت بهم إلى السجن والاعتقال ومن ثم يريدون أن ينسوا». وعن سر النساء اللواتي يقفن عند شرفات الشقق، بعد منتصف الليل، كما هو وارد في الرواية، وما الذي أراد إيصاله للقارئ، يرى عبد المجيد أن «الأمر متروك للقارئ. لأنه ليس في ذهني سبب محدد». ويضيف « كثيرا ما رأيت في صباي نساء ينظرن في وسط الليل من النوافذ في صمت. لا بد أنهن يفكرن في أمور تخصهن. كان يدهشني ذلك فأتى ذلك في الرواية ليكون حالة وجودية لا تفسير لها، وربما لأن النساء أعظم مصادر الإلهام».
يلاحظ القارئ للجزء الأول من الثلاثية، أن مجدي هبة الله الشخصية الرئيسية كان يراوده شعور بالغربة عما حوله وبالأخص لدى خروجه من السجن، وحول ذلك يرى عبد المجيد أن «السبب واضح جدا ألا وهو سنوات الاعتقال بلا سبب وكيف كان أكثر من يقابلهم وهو يحاول النسيان معتقلين سابقين أو يتحدثون عن ذلك». وعن الذكريات الجميلة التي تأبى أن تفارقنا يقول إن «الذكريات الجميلة هي سند الحياة، وسواء أردنا أم لا لن تبعد عنا».
وفيما اذا كان ابراهيم عبد المجيد يلجأ للهروب من الذاكرة يقول «بالطبع وإلا كنت انتحرت». ويضيف أن «مشكلة المثقف أنه يدرك السيئ في ما حوله ويحاول الكتابة عنه لعله يتغير. ومن ثم حين لا تكون هناك كتابة فالهروب من الذاكرة أفضل». وحول ما اذا كنا غرباء عما حولنا يؤكد أن « الأمر يختلف من شخص لآخر، لكن بالنسبة لي أرى ذلك حقيقيا وهو المعنى الحقيقي للحياة، ذلك يجعلني أتحمل». ويضيف «لقد قرأت في الفلسفة الوجودية منذ أيام الشباب وصارت تعينني على التحمل على العكس مما يتصور أحد». ويقول «كثيرا حين تدلهم الحياة حولي أتذكر الفيلسوف اليوناني القديم زينون الإيلي، الذي قدم براهين شكلية على عدم وجود المكان ولا الزمان ولا الحركة، وأقول لنفسي العودة إلى زينون أفضل».

صحافي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية