علي بن تميم
عادةً لا يُبدي الأنثروبولوجيون في كتاباتهم اهتماماً واسعاً بعالم الشعر، وحتى لو ظهر منهم من يعبّر عن اهتمام بالكلام والخطاب، فإنهم غالباً ما يركزون على الخطاب اليومي. ويُفسَّر هذا التوجّه بكون بعض الأنثروبولوجيين يرون أن مهمتهم الأساسية، تكمن في تفكيك الرموز والأنظمة الاجتماعية، ومحاولة تحويلها إلى مفاهيم وعبارات مفهومة ومفسّرة، وبصيغة روائية أو قصصية.
لكن هناك أنثروبولوجيون وجدوا، في السنوات الأخيرة، أنفسهم منجذبين إلى كتابة الشعر، بل دعوا إلى صياغة ما يمكن تسميته بـ»أنثروبولوجيا شعرية،» انطلاقا من فكرة أن الشعر، في جوهره، يحمل طابعا أنثروبولوجيا؛ فهو لا يعقّد المشهد اليومي أو الكلام بالضرورة، بقدر ما يوثق جهودنا الوفيرة والمتنوعة في بناء المعنى، شفهيا وكتابيا. ومع ذلك، فالشعر ليس أنثروبولوجيا، والأنثروبولوجيا ليست شعراً، لكنهما قد يتشاركان في التعبير عن الحس الإنساني ودينامياته، بأسلوب حساس ومُحمَّل بالإيحاء. وكما أن لغة الشعر قد تساهم في التعبير عن نصوص الأنثروبولوجيا بأسلوب أكثر دقة، وأمانة لواقع معقّد، يرى الأنثروبولوجيون من جهتهم أن التعمق والاطلاع على البحث الأنثروبولوجي، يساعد الشعراء على تعلّم أساليب جديدة في الرؤية والتعبير، ويمنحهم تجارب لم يسبق لهم التعبير عنها.
لكن لماذا أقول هذا الكلام عن الأنثروبولوجيا والشعر؟
ربما لأن هذا ما تولّد لديّ أثناء قراءتي لكتاب الأكاديمي علي بن تميم، «عيون العجائب: في ما أورده أبو الطيب من اختراعات وغرائب». في هذا الكتاب، أو لِنَقُل في هذا «السِّفر» يأخذنا المؤلف، المولع بعالم المتنبي، في رحلة داخل عوالم الشاعر. ولا أخفي أن ولع بن تميم بالمتنبي، الذي ظهر جلياً في السنوات الماضية من خلال مشاريع عدة، لم يكن دائماً مفهوماً بالنسبة لي. ولطالما تساءلت: لماذا التوقّف فقط عند هذا الشاعر؟ ولماذا ترك عوالم شعرية أخرى؟ لكن القارئ سيجد الجواب عن هذا السؤال، وهو يغوص في فصول الكتاب، ليكتشف أن المتنبي ربما يستحق دراسات أوسع وأعمق لمئة عام وعام أخرى وأكثر، رغم ما كُتب عنه من بحوث ودراسات كثيرة.
سأتوقف سريعا عند نقطتين أعتقد أنهما تميّزان طرح بن تميم عن غيره ممن كتبوا عن المتنبي: الأولى تتعلق بطريقة تعامله مع شعر المتنبي. فهو لا يتعامل مع قصائده على أنها مجرّد إبداع لغوي، أتى بجديد على اللسان العربي، أو أن صاحبها أعجز الشعراء والبلغاء، بل يرى في المتنبي قدرة على ما يسميه «الاختراع»؛ أي خلق المعاني وتوليد عالم واسع من الخيال، إذا صحّ التعبير.
فالمتنبي لم يكن شاعرا استثنائيا فحسب، يتلقى الإلهام كما الأنبياء، بل الأهم، أنه كان مثقفاً كبيراً، على خلاف بعض شعراء هذا العصر، عارفا بعصره وأحوال مجتمعه، متابعاً لحياة الناس وتقاليدهم. وهذا ما جعل من شعره نصاً لغوياً، وذوقياً، واجتماعياً في آنٍ واحد. والأهم من ذلك، أنه نص يفتح دائماً الباب أمام الخيال، الذي بات اليوم بالنسبة للأنثروبولوجيين بوابة لفهم الحاضر والمستقبل.
هل كان المتنبي شاعراً فقط؟
ربما، ومع كتاب بن تميم، نكتشف أنه لم يكن كذلك فحسب، بل كان أيضاً أنثروبولوجياً في عصره، والأهم من ذلك، أن قصائده تصلح أن تكون مدخلاً لكل من يخطو نحو الأنثروبولوجيا المعاصرة. لقد عبّر عن معرفته بأسلوب إبداعي قابل للتأويل، قادر على التقاط حساسية الواقع، والأهم من ذلك، متمكّن من خلق «حاسة التخييل»، وهي حاسة لا يمكن دونها لأي باحث يخطو في حقلي التاريخ والمجتمع .ولكي أكون أكثر وضوحاً في الربط بين المتنبي والخيال والأنثروبولوجيا، أعود إلى ما كتبه الأنثروبولوجي الهندي أرْجون أبادوراي، فقد لاحظ أبادوراي أن الخيال يشكل مصدراً شديد الأهمية في كل العمليات والمشروعات الاجتماعية، وأنه، بدلاً من النظر إليه كطاقة تتجلّى في الأحلام، أو لحظات الإلهام، ينبغي النظر إليه كمشروع يومي يهدف إلى إنتاج الحياة اليومية باعتبارها مشروعاً غير مكتمل أبداً، حتى في أبسط المجتمعات، ولذلك رأى أبادوراي أن على الباحثين الميدانيين أن يُولوا خيال الناس اليومي مكانة كبيرة في أبحاثهم، بوصفه يحمل قدرة كامنة على التغيير. وهذا ما يجعل من النصوص الأنثروبولوجية نصوصا حيوية؛ فهي لا تكتفي برصد الواقع، بل تسعى أيضا إلى التقاط الخيال، وبالتالي تصبح الكتابة الأنثروبولوجية أو «الإناسية»، وفق تعبير الراحل حسن قبيسي، فناً من فنون الكتابة عن اليومي وإمكانيات تغييره.
ويمكن القول إن هذه الفكرة حول الخيال والإنتاج الاجتماعي هي ما يميز نتاج المتنبي؛ إذ لم يكن يطمح فقط إلى المناصب والأعطيات، بل كان مثقفاً يسعى إلى إعادة إنتاج الحياة اليومية في مجتمعه، ولذلك كثيراً ما كان على خلاف دائم مع محيطه، لأنه، عبر خياله الشعري، كان يطمح إلى صناعة أفكار جديدة حول الحياة والمجتمع والثقافة، لتغييره. نرى هذا بوضوح في تحليل المؤلف الذكي لأحد أشهر أبيات المتنبي:
فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
يبدأ بالخيل وينتهي بالقلم. وفي بيت آخر يقول:
أنا ابنُ الفيافي، أنا ابنُ القوافي
أنا أبرُّ السروج، أنا ابنُ الرعانِ
يرى بن تميم أن البعض قرأ الخيل في شعر المتنبي بوصفها رمزاً للخُيلاء، بينما يعتقد هو أن الخيل ها هنا من الخيال، والخيال في الكتابة. فعشق الكتاب كان امتداداً لعشق الخيال. وإنْ كان الفارس على فرسه في حركة دائمة، فإن القارئ مع كتابه في حالة سكون ظاهر، لكن الحركة تحدث في داخله، في وجدانه. الفارس يحتاج إلى هدوء داخلي رغم الحركة الخارجية، بينما القارئ يحتاج إلى هدوء خارجي ليستوعب حركته الداخلية. وهكذا، فإن فكرة الخيال عند المتنبي (كما يراها كاتبنا) تقترب كثيرا كما نعتقد من مفهوم أبادوراي عن الخيال، الذي يرى فيه مدخلا ليس لقراءة المجتمع فحسب، بل وتغييره.
بالتالي، تصبح قراءة المتنبي برفقة بن تميم قراءةً جديدة، تتيح لنا التدرب على التخييل، وعلى الكتابة عن المجتمعات بلغة شعرية. وربما من دون هذا الخيال، لا يمكننا فعليًا إعادة إنتاج ثقافتنا العربية. فخيال المتنبي، إذا صحّ التعبير، لا يعد خيالا ماضيا فقط، بل يصبح بوابةً لولوج عالم من الفروسية لكن من نوعٍ آخر. فهي ليست الفروسية ـ الشجاعة والقتال ـ التي ظُن أن المتنبي يدعو إليها في ظاهر شعره، بل فروسية المعنى. إنه سلاح. ففي مواجهة الإنكار، يصبح خيال المتنبي سلاحاً، وتصبح قصائد المتنبي الغزلية سلاحاً أمام البغض، وتصبح الكتابة التخييلية، مشروعاً لإعادة إنتاج المجتمع، بعيداً عن الكراهية.
من هنا، يحقّ لنا أن نصف المتنبي بأنه «إناسي عابرٌ للعصور».
كاتب سوري