تأخر الأزهر كثيرًا عن خطوة إطلاق قناته التلفزيونية، حتى ترك فراغًا تمدد فيه غيره، أو بالأحرى حاولوا التمدد فيه.
وكانت أولى هذه المحاولات، من خلال مشروع قناة «أزهري»، التي تزعمها خالد الجندي، ثم تبين أن من يقف خلفها أحد رجال الأعمال الليبيين، وقد ثار خلاف بينهما – بعد ذلك – حول ملكية القناة، حسمه القضاء المصري – حسب ما قرأت – لصالح الجندي، وكان لا بد من جدية طرح السؤال عليه: من أين لك هذا؟ وهو ليس أكثر من موظف في وزارة الأوقاف، فقد أصبح السؤال بلا جدوى بعد أن وضعت السلطة يدها على القناة، تمامًا كما فعلت مع قناة دينية أخرى هي «الناس»، ومعلوماتي أنها مملوكة لسعودي، وإن كان ذاع صيتها بالدعاة السلفيين المصريين، وفي مرحلة معينة نجحت، لدرجة صناعتها لنجومها، وإلى حد أنني تعرضت في هذه الزاوية لأداء أحد هؤلاء النجوم، وهو الشيخ محمد حسين يعقوب، الذي يوشك أن يخرج من الشاشة ليمسك المشاهد من تلابيبه وهو يقول له صلي، قبل أن يهدأ ويقدم الجزرة بعد العصا، ويقول: صلِّ لكي أحبك. وكتبت وقتئذ وماذا في حبه ليكون أداة جذب لتاركي الصلاة، وهو يبدو لنا أنه قادم توًا من قريش!
وإذا كانت «الناس» قد حققت نجاحًا في مرحلة ما، فإن «أزهري» لم تحقق أي نجاح، وربما سعت لتقليد الأولى في كل شيء فأطلقت برنامجًا سياسيًا تقليدًا للبرنامج الناجح للشيخ خالد عبد الله على «الناس» بعد الثورة، لكنه لم يحقق مكانة تُذكر، وأذكر أنني شاركت في مناظرة به مع فريد زهران، وموضوعه خوض الانتخابات البرلمانية، التي دعا إليها الرئيس محمد مرسي، وكانت جبهة الإنقاذ قد قررت مقاطعتها، وكلانا ينتمي للتيار المدني، لكني كنت من الداعين للمشاركة فيها، وتبنّى الرأي الآخر فريد زهران وجهة نظر الجبهة، وهذا على الهواء، لكن في الكواليس كان له رأي آخر، لكنه ملتزم حزبيًا!
ومع أن الحلقة لم تنقصها الإثارة، فلم يسمع بها أنس ولا جان، على العكس من مشاركاتي المحدودة على قناة «الناس» مع الشيخ خالد عبد الله، وكان آخرها حلقة رفضت فيها استمرار هشام قنديل رئيسًا للحكومة وتبنّى الرأي الآخر، الذي يرى أن الدكتور قنديل أفضل الخيارات زميلنا عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة «الشروق» وعضو مجلس الشيوخ، بالتعيين على ما أعتقد! «دنيا غرورة ومفرقة الأحباب، كما قال المنُشد»!
عرض الدولة وعرض تركي آل الشيخ:
وعمومًا فقد وضعت السلطة يدها على القناتين؛ «الناس» و»أزهري»، لتفشل الأولى، وتزيد الثانية فشلًا على فشلها، وهي التي كانت محاولة فاشلة من خالد الجندي لاستغلال البرند، لتكون هناك محاولة أخرى حسب الإعلامي تهامي منتصر، من جانب الوزير السعودي تركي آل الشيخ، الذي عرض على شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب، خمسة مليارات جنيه لتمويل مشروع قناة تلفزيونية للأزهر الشريف، نظير قيام هيئة الترفيه بإدارتها، وهنا أنهى الطيب المقابلة، قبل أن تتدخل الدولة وتخصص مليار جنيه للمشروع!
وبعيدًا عن المقترح السعودي، وهو من أحاديث الآحاد، فإنه من الواضح أن فكرة قناة خاصة بالأزهر أخذت حيز التنفيذ، من خلال تشكيل مجلس أمناء، والبدء في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأسيس باستخراج الترخيص القانوني، والاشتراك في الأقمار، ونحو ذلك!
وسوف نسمع في الأيام المقبلة ضجة ضد تخصيص الدولة مليار جنيه لقناة كهذه، من كل منتحل صفة علماني في مصر، تمامًا مثل الحديث عن دعم الدولة للكليات المدنية في وقت يحرم المسيحيون من الالتحاق بها، إلى غير هذا من رطانة، ولا يجدون من يرد، أهلا بالجميع في الجامعة الأزهرية، وهناك مسيحيون التحقوا قديما بها، ومستشرقون أيضًا، فضلًا عن أن أوقاف الأزهر التي وضعت السلطة يدها عليها يمكن ريعها من امتلاك مدينة الإنتاج الإعلامي، وليس مجرد قناة يتيمة!
زمن الهجوم على شيخ الأزهر
إطلاق فضائية خاصة بالأزهر، خطوة مهمة، فمطلوب أن يصل موقفه الوسطى للناس كافة، وأن يذهب إليهم بدعاته وفكره حيث هم، وفي وقت لا تقدم فيه الفضائيات من يمثل الأزهر إلا من صانعي الإثارة، الذين يعملون وفق محددات الترند، وما يطلبه المستمعون من الأغاني العربية!
وكان شيخ الأزهر قد أعلن قبل سنوات أن القنوات التلفزيونية مغلقة في وجهه. وهو أمر لم تعرفه مصر إلا في هذا العهد، ومن قبل كانت المؤسسة الدينية تستشار من جانب وزارة الإعلام في أسماء من يظهر على الشاشة ويتحدث في الدين، لكن المخطط الجديد كان هو الحط من قيمة الأزهر وشيخه، وكان هناك توجهت من السلطة بذلك يقف عليه كل ما من يتابع المشهد عن كثب!
لقد رأينا صحافيًا محسوبًا على الأجهزة الأمنية، يهاجم شيخ الأزهر، وتتم دعوته ليرافق السيسي في زيارة خارجية، وقد صدر حكم قضائي بسجنه لم ينفذ، وبالتالي منع من السفر من سلطات المطار، فقد ألغي قرار المنع وسافر، إلى أن ألغي الحكم، في رسالة لا تخطئ العين دلالتها!
بل شاهدنا عمرو أديب يصرخ بأعلى صوته ضد الشيخ، ويهينه إهانة بالغة في برنامجه في القناة السعودية، ولم يقل له أحد عيب، وهو أداء لا يعد عزفًا منفردًا من جانب عماد أديب، الذي فعلها في مرة أخرى، لكن جريدة «صوت الأزهر» تحررت من الوقار الزائد عن الحد، وجعلت من عمرو عبرة، وقادت حركة الجماهير دفاعًا عن الشيخ، وهجومًا على من تطاول عليه، فأصيب البادي بالخرس، وكانت رسالة بأنه ليس في كل مرة تسلم الجرة، ومثلت درسًا بأن الإعلام سلاح مهم ليلزم كل متجاوز حدوده الجغرافيا!
نصائح للتجربة الجديدة
التوهج الذي شاهدناه في صلاة التراويح في الجامع الأزهر، بجانب مواقف الشيخ من القضايا الكبرى تجعل من قناة «الأزهر» معنى، والتي أتمنى أن يكون هذا اسمها، كما أتمنى أن تكون كوادرها من الأزهر، ولدى الجامعة الأزهرية كلية للإعلام، يمكن أن يختار منها الكوادر المطلوبة، بجانب من يصلح للعمل الإعلامي من الكليات الأخرى، فلا معنى لاستيراد سوى الكوادر الفنية من خارجه، مع الوضع في الحسبان أخطاء التجارب السابقة!
فالعالم عالم، والمفتي مفتي، والتقديم التلفزيوني وظيفة مختلفة، وكل البرامج الدينية التي قدمها علماء أو حتى خالد الجندي لم تنجح، ومن أول البرامج التي كان قدمها الدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور محمد عمارة، فقد كان التكلف فيها واضحًا في أداء الدور، على العكس من بساطة أحمد فراج لأنه اعلامي محترف لا تنقصه المعلومات الدينية!
وأشاهد فيديوهات لأزهريين عبر اليوتيوب فأكتشف أن الأزهر لا ينقصه كوادر في الدعوة، وتوافر القدرة على تفكيك الشبهات والرد عليها، ومجابهة الأفكار التي استجدت على الساحة، وأزمة الكوادر المهنية في التقديم، يمكن تكون من خلال لجان مختصة باختيار من يمتلكون الموهبة، والتي تصقل بالعمل والدورات التدريبية!
لدي هواجس بأن السلطة ستعرقل الإجراءات، وإذا صحت واقعة تركي آل الشيخ، فقد تكون المليار جنيه خطوة من أهل الحكم من باب المكايدة السياسية، وليس سرًا أن العلاقات المصرية – السعودية ليست على ما يرام!
نسأل الله التوفيق
أرض جو:
ذكرنا الأمين العام قبل الأخير للحزب الوطني حسام بدراوي بالذي مضى!
وهناك خطأ يقع فيه كثيرون بالقول إن بدراوي هو آخر أمين عام الحزب، والصحيح أنه كان في المنصب لأيام قبل تنحي الرئيس مبارك، وعندما قضت المحكمة بحل الحزب، كان الحزب برئاسة طلعت السادات وكان محمد رجب زعيم الأغلبية في مجلس الشورى هو الأمين العام. فقد قفز بدراوي من المركب سريعًا!
وبدراوي كتب مقالًا ينتقد الأوضاع السياسية المصرية، والمهم فيه هو أنه عرج على افتقاد مصر لحرية الإعلام وأسس لذلك بوقف برامج خيري رمضان، وإبراهيم عيسى، ولميس الحديدي، فذكرني بالذي مضى، عندما كانت الدنيا تقوم ولا تقعد، وتقف منظمة مراسلون بلا حدود على خط النار لمجرد، أن يحال بعض الصحافيين للتحقيق، مجرد التحقيق، مثل إبراهيم عيسى ووائل الإبراشي، ممن يفتقدون للمواقف الجادة ضد الديكتاتورية والاستبداد، ولا يضبطون متلبسين بالدفاع عن قضايا الأمة، بل وتُكرِّم بعض المنظمات هؤلاء الأشخاص لمجرد الاستدعاء للتحقيق، باعتبارهم رموزًا للحرية، في وقت كانت تغلق فيه صحف ويسجن فيها صحافيون ويتم الاعتداء عليهم في الشارع ليلًا ونهارًا، ولا تحرك هذه المنظمات ساكنًا!
هل يحتاج فعلًا حسام بدراوي أن نعدد له ملامح قمع حرية الصحافة والصحافيين، بدلًا من الاستناد لأمثلة توفر له النقد الآمن، لتسجيل موقف لمهمة مؤجلة عندما يطرح بديلًا للحكم؟!
كفى عبثا!
صحافي من مصر