المدرسة الخلدونية في تونس: صرح علمي ساهم في الحركة التنويرية وفي الحفاظ على الهوية

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: تعتبر المدرسة الخلدونية الواقعة داخل أسوار المدينة العتيقة لتونس العاصمة، واحدة من أهم معالم ومنارات العلم والمعرفة في هذه المدينة العربية والإسلامية بامتياز والتي تميزت بالإشعاع الحضاري في شمال البلاد من مدينة قرطاج القريبة مباشرة بعد اكتمال الفتح الإسلامي. وقد سميت الخلدونية نسبة إلى العلامة عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع وصاحب «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» والذي اشتهر بـ«المقدمة».
فابن خلدون هو من مواليد مدينة تونس سنة 808 هـ 1332 م وبيته الذي ولد ونشأ فيه ما زال قائما فيها، والكُتاب الذي درس فيه في طفولته ما زال قائما بدوره، وجامعة الزيتونة التونسية التي تخرج منها، وهي أقدم جامعات العالم التي لم ينقطع فيها التدريس منذ تأسيسها، شاهدة على نبوغه وتفوقه في علوم عصره وكذا قصبة مدينة تونس حيث عمل فيها في بلاط الدولة الحفصية الحاكمة للبلاد في ذلك العصر. وبالتالي فقد أحب التونسيون هذا العلامة الذي نهلوا من فكره وتشبعوا به، وأقاموا له بعد الاستقلال تمثالا مهيبا في قلب مدينتهم وقبل ذلك، في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا في سنة 1896، أسسوا منارة للعلم والمعرفة أطلقوا عليها تسمية الخلدونية نسبة لعلامتهم ومواطنهم وابن مدينتهم الذي غادرها لاحقا رغبة في توسيع معارفه وفهم طبيعة الشعوب.

امتداد للزيتونة

يُعَرف البعض الخلدونية بأنها أول مدرسة في تونس ذات طابع تجديدي بالرغم من وجود المدرسة الحربية بباردو، التي أسسها المشير الملك أحمد باي، والمدرسة الصادقية التي أسسها المصلح خير الدين التونسي وكلاهما في القرن التاسع عشر. وتقع المدرسة تحديدا في سوق العطارين قرب جامع الزيتونة المعمور أو الجامع الأعظم وهي التسمية التي أطلقها عليه التونسيون منذ تأسيسه سنة 79 للهجرة الموافق لسنة 698 للميلاد. وكانت حركة الشباب التونسي بقيادة البشير صفر وراء تأسيس المدرسة الخلدونية مع ثلة من علماء جامعة الزيتونة، كما مهدت هذه الحركة الإصلاحية لاحقا إلى تأسيس الحزب الحر الدستوري سنة 1920 وهو الحزب الذي قاد معركة النضال ضد المستعمر وظفر بالاستقلال بعد كفاح مرير.
وتأسست الخلدونية بغاية مزيد تأهيل الطلبة المتخرجين من جامعة الزيتونة في إطار رغبة إصلاحية هدفها تطوير التعليم الزيتوني في ذلك العصر قادتها النخبة المستنيرة والإصلاحية دون انتظار أن تقوم الدولة، التي أصبحت منقوصة السيادة بفعل الاتفاقيات الاستعمارية، بذلك الدور. وبالتالي فإنه يمكن القول إن الخلدونية كانت بمثابة ماجستير لخريجي جامعة الزيتونة يزيد من كفاءتهم ومن سهولة اندماجهم في الحياة العملية والنضالية للرقي بشعبهم وقيادته نحو التحرر والانعتاق.
بالتالي فالمدرسة الخلدونيّة، واستنادا إلى مؤرخين، انطلقت في البداية كامتداد لجامعة الزيتونة وفي إطار خطة متكاملة لتطوير برامجها. وانتهت الخلدونية مؤسسة مستقلة بذاتها لها أدوار وطنيّة وعبر وطنيّة وتتفرّع عنها مؤسسات أخرى.
لعب المجتمع المدني التونسي مع نهاية القرن التاسع عشر ومن خلال الخلدونية وغيرها دوره على أكمل وجه لسد الفجوة التي تركها غياب الدولة عن الشأن العام بعد أن قيدت السلطات الاستعمارية سيادتها باتفاقيات قيل إن الغاية منها هي استرجاع فرنسا لأموالها التي عجزت السلطة الملكية التونسية الفاسدة عن إرجاعها بعد أن أغرقت البلاد في الديون. والحقيقة أن ذلك لا يستغرب من هذا المجتمع المدني تحديدا باعتباره وريث الحركة التنويرية والإصلاحية التي عرفتها تونس في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر وكانت نتيجتها بروز نخب واعية ومثقفة ومستنيرة قادت النضال ضد الاستعمار وحافظت على هوية البلد من الاضمحلال رغم محاولات الفرنسة.
كان يتم في الخلدونية تدريس مختلف علوم العصر على يد أساتذة كبار تشبعوا بفكر العلامة ابن خلدون ومناهجه ورؤاه واستلهموا من روحه وشغفه على التحصيل العلمي والمعرفي ما جعل هذا الصرح العلمي يحمل باستحقاق اسم ابن خلدون. واعتمدت الخلدونية في تمويلها والإنفاق على برامجها على هبات وتبرعات أبناء حركة الشباب التونسي الإصلاحية وأغلبهم من خريجي المدرسة الصادقية بتونس التي أسسها المصلح خير الدين التونسي في القرن التاسع عشر.

مصلحون ومقاومون

ترأس في البداية المصلح التونسي البشير صفر الخلدونيّة، التي ساهم في تأسيسها، وعمل فيها على تقديم محاضرات في التاريخ ضمّنها آراءه الإصلاحيّة ورؤاه. كما ساهم أيضًا الشيخ سالم بوحاجب، وهو من الإصلاحيّين من خريجي جامعة الزيتونة الذين حاولوا تجاوز الأدوار والرؤى التقليديّة للمشائخ ورسخوا مناهج دراسية حديثة ومواكبة للعصر.
ومن بين الأسماء التي برزت أيضا في الخلدونية وفي المشهد الثقافي والتعليمي التونسي خليل بوحاجب، ابن المصلح الشيخ سالم بوحاجب، الذي تقلّد منصب وزير القلم ثم أصبح رئيسا للوزراء خلال العهد الملكي. لقد كان خليل بوحاجب عضوًا في الهيئة المديرة للخلدونيّة سنة 1898، وساهم في تطويرها ووضع مناهجها مستفيدا من تكوينه العلمي والمعرفي التونسي والفرنسي على حد سواء.
كان خليل مثقفا ينتمي إلى النخبة يقيم الصالونات الثقافية في بيته ويجمع فيها المثقفين التونسيين والعرب وكانت تشاركه زوجته المصرية نازلي الفاضل ابنة مصطفى فاضل باشا المصري ولعه بالصالونات الثقافية وهي التي اعتادت أيضا إقامتها في بلدها مصر. وساهمت هذه الزيجة في قيام نازلي الفاضل بجلب المصلح المصري محمد عبده إلى الخلدونية حيث ألقى محاضرة سنة 1903 باعتباره كان من المترددين على صالونها في مصر بمعية قاسم أمين وجمال الدين الأفغاني وغيرهم.
كما ساهمت المثقفة المصرية في أنشطة الخلدونيّة ووفرت كتبًا لطلبتها وتشاركت مع زوجها خليل بوحاجب في الرؤى الإصلاحيّة وتبنّت قضيّة تعليم وتحرير المرأة والرفع من مكانتها في المجتمع. وقد كتب المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب عن دور نازلي الفاضل في الحياة الثقافيّة التونسيّة في كتابه «شهيرات التونسيات» واعتبرها الكثير من المفكرين رائدة من رواد النهضة بتونس ومصر.
ومن أعلام الخلدونية أيضا العلامة محمد الفاضل بن عاشور خريج جامعة الزيتونة الذي تولى إدارة الخلدونيّة وحولها إلى جامعة شعبية لاستقطاب أكبر قدر من الطلاب التونسيين وذلك بعد تأسيس الاحتلال الفرنسي لمعهد الدراسات عام 1945 الذي كان يتبع جامعة باريس ويدرس مواده باللغة الفرنسية. وقام بذلك الإجراء حفاظا على اللغة العربية من الاندثار وحفاظا على هوية التونسيين وقيمهم بوجه عمليات التغريب التي تتبناها الإدارة الاستعمارية وتستهدف الشباب التونسي.
وفي هذا الإطار أي التصدي لمحاولات الفرنسة والتغريب تأسس داخل الخلدونية معهد الدراسات الإسلاميّة. كما تمّ بعث معهد الحقوق العربي لتدريس القانون باللّغة العربيّة وكذلك معهد دراسات الفلسفة. ونتيجة لكل تلك الجهود تم اعتبار المدرسة من قبل البعض جزءًا من المشروع الوطني المضاد للاستعمار.
ومن بين مشاهير الخلدونية أيضا قيادات في الحزب الحر الدستوري منهم الزعيم صالح بن يوسف، والباهي الأدغم، وعلي البلهوان والصحبي فرحات. وألقى هؤلاء جميعا محاضرات للطلبة تحثهم على العمل الوطني والنضال ضد المستعمر الفرنسي.
كما حاضر في الخلدونية الأديب التونسي محمد العروسي المطوي صاحب روايات شهيرة في تاريخ الأدب التونسي مثل «التوت المر» و«حليمة» وغيرها. وبالتالي فقد تنوعت اختصاصات المحاضرين وتنوعت مشاربهم الفكرية والثقافية وهو ما مثل رصيدا معرفيا إضافيا لخريجي جامعة الزيتونة.

أحداث وطنية هامة

شهد مقر الخلدونية عدة أحداث هامة من بينها احتضان المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946، ونال مدير الخلدونية في ذلك الوقت العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الرئاسة الشرفيّة للمنظمة النقابية الناشئة. ويعتبر الاتحاد امتدادا لمنظمات نقابية أخرى سبقته مثل جامعة عموم العملة التونسية التي أسسها محمد علي الحامي سنة 1920 وإلى اليوم تحمل ساحة مقر الاتحاد العام التونسي للشغل تسمية ساحة محمد علي.
كما احتضن مقر الخلدونية بسوق العطارين بمدينة تونس العتيقة مؤتمر الثقافة الإسلاميّة لسنة 1949 وهو ما اعتبر يومها انتصارا للهوية الإسلامية في البلاد بوجه محاولات الفرنسة والتغريب التي يسعى إليها المستعمر. كما اعتبر الحدث مظهرا من مظاهر سيادة الدولة التونسية التي يسعى الاستعمار للقضاء على وجودها نهائيا وعدم الاكتفاء بالحد من سيادتها وفقا لمعاهدتي باردو والمرسى المبرمتين في سنتي 1881 و1883.
كما كان لرجال الخلدونية مساهمات في أحداث وطنية هامة، حيث كان العلامة الفاضل بن عاشور مدير الخلدونية من أبرز المشاركين في مؤتمر ليلة القدر التاريخي في مسار الحركة الوطنية التونسية وفي مسيرة الاستقلال. فقد انعقد هذا المؤتمر في ليلة مباركة من ليالي رمضان في فصل الصيف، وهي ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر الفضيل الموافق ليوم 23 آب/أغسطس من سنة 1946 وجمع المؤتمر بعد الإفطار كل ممثلي أطياف الشعب التونسي من أحزاب ومنظمات باستثناء الحزب الشيوعي، وقرر المؤتمرون التصعيد مع المستعمر ومطالبته قطعيا ومن دون شروط بالرحيل التام عن البلاد.
وبالإضافة إلى قداسة تلك الليلة في وجدان التونسيين (ليلة القدر) فإن ما زاد من حماسهم على المطالبة بدون شروط برحيل المستعمر هو قيام فرنسا بخلع الملك محمد المنصف عن عرشه ونفيه خارج البلاد بعد اتهامه بالتخابر مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية ووضع ابن عمه محمد الأمين على العرش الحسيني التونسي بدلا عنه. لقد كان محمد المنصف ملكا عادلا يحظى بشعبية واسعة بالنظر إلى تواضعه مع الرعية، خلافا لبعض أسلافه، وبالنظر إلى مساندته للحركة الوطنية ولمطالب الاستقلال، وبالنظر أيضا لإصلاحاته التي طالت ميادين عديدة ومنها التعليم.

معمار تونسي عتيق

اتخذت الخلدونية من بيت العالم الحفصي الإمام ابن عبد السلام الذي توفي سنة 749هـ 1348م مقرا لها، وكان البيت قبل أن يصبح مقرا للخلدونية مقرا للمدرسة العصفورية ثم مقرا لجمعية ثقافية. والدولة الحفصية هي الدولة التي حكم سلاطينها تونس وشرق الجزائر والغرب الليبي وعاصمتها مدينة تونس، وذلك بعد انقسام دولة الموحدين التي سيطرت على تونس ومحيطها قبل ذلك مستغلة حالة الفوضى التي خلفها غزو بني هلال الذي تسبب في انهيار الدولة الصنهاجية في القيروان التونسية بدفع من الفاطميين في مصر.
وقد بُني المقر على الطراز التونسي القديم متناسقا مع المدينة العتيقة للعاصمة مستفيدا من الأقواس القرطاجية السوداء والبيضاء والأعمدة التي تسندها. ويتجلى هذا الطراز بالخصوص في الباب الخارجي للخلدونية، الذي يمكن الوصول إليه عبر ممر ضيق، والذي اختصر كل الهندسة المعمارية التقليدية للبلاد التونسية وللمدن العتيقة.
وتعلو هذا الباب كتابة فنية بالخط العربي تشير إلى الخلدونية رسمت عن يمينها وعن يسارها النجمة والهلال رمز العلم التونسي، أقدم الأعلام العربية والذي تم اعتماده من قبل المملكة التونسية سنة 1827 وتواصل العمل به إلى اليوم رغم تغير الأنظمة من الملكي إلى الجمهوري الرئاسي ثم الجمهوري البرلماني فالعودة إلى الجمهوري الرئاسي.
كما تم استعمال خزف القلالين المشهور لتزويق الجدران في مقر الخلدونية، وهو خزف تونسي أصيل يصنع في سوق القلالين بالمدينة العتيقة ويسمى الجليز في بعض بلدان المنطقة. ويوجد هذا الخزف في كل البيوت التونسية القديمة ناهيك عن وجود أقدم قطعة جليز في العالم بمتحف الفنون الإسلامية برقادة بمدينة القيروان ما يدل على عراقة هذه الصناعة الحرفية في تونس التي يرجعها المؤرخون إلى العهد القرطاجي.
ويشعر من يلج إلى مقر الخلدونية ويتجول في قاعاتها حيث كانت تُلقى المحاضرات من قبل رموز تاريخية تونسية، وفي مكتبتها التي بحث فيها زعماء إصلاحيون وقادة وطنيون بالهيبة القداسة في حضرة هذا الصرح العلمي والوطني الاستثنائي. فهي قاعات جميلة يضم بعضها رفوفا وخزائن تقليدية خشبية صنعت على الطراز القديم وجاءت متناسقة مع قدم المكان، وتضم هذه الرفوف نفائس الكتب والمخطوطات التي اجتهد المؤسسون في جمعها لتقديم الإفادة لطلبة الخلدونية وروادها.
أما جدران المدرسة فيكسوها اللون الأبيض المعتاد الذي يجنح إليه كثير من التونسيين لطلاء بيوتهم ومدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم ومقراتهم المخصصة للإدارات العمومية وفي أغلب مبانيهم. فهناك اعتقاد أن في هذا اللون راحة للبصر ودلالة على صفاء القلوب وقدرة أيضا على امتصاص درجات الحرارة المرتفعة خصوصا في فصل الصيف وفي جزء هام من فصلي الربيع والخريف.
تراجع نشاط الخلدونية بعد الاستقلال حيث تم اعتبارها جمعية وليس مؤسسة جامعية وذلك بعد قرار توحيد التعليم، وبالتالي تم تجريدها من دورها التعليمي الذي لعبته منذ نهاية القرن التاسع عشر. ونتيجة لذلك توقف نشاط الخلدونيّة وتحول جزء من مقرها إلى مدرسة خاصة وألحقت مكتبتها بإدارة المطالعة العموميّة التابعة لوزارة الثقافة لتونس المستقلة.
وتم في سنة 1980 إلحاق مقر الخلدونية بالمكتبة الوطنية التونسية واستمر الأمر وصولا إلى سنة 1992، وتشمل المكتبة حوالي 5000 عنوان وتضم كتبا ومخطوطات نادرة. كما أصبح مقر الخلدونية في وقت ما مكانا لعديد الأنشطة الثقافيّة مثل نشاط «مجالس الخلدونيّة» الذي كانت تقام فيه ورشات تفكير وموائد مستديرة ونواد للرواية والشعر والأدب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية