تونس ـ «القدس العربي»:
انطلقت فعاليات الدورة الـ 59 من مهرجان قرطاج الدولي، هذا الموعد الذي ينتظره التونسيون بفارغ الصبر ليتابعوا على مدارج هذا الموقع الأثري الساحر، أمسيات صيفية عابقة بالفن والإبداع المحلي والعربي والدولي في واحد من أقدم وأعرق المهرجانات العربية والأفريقية من حيث تاريخ التأسيس.
وارتأى المنظمون بأن تكون سهرة الافتتاح بأمسية مُخصصة للذاكرة الموسيقية التونسية متناغمة مع شعار الدورة بالعامية «تاريخ يتحكى.. فن يتعاش»، أي ما يعني بالفصحى «تاريخ يُحكى.. فن يُعاش». حمل العرض عنوان»من قاع الخابية»، والخابية تعني في العامية التونسية جرة الفخار، أما قاعها فيعني أعماقها، والتعبيرة أي «قاع الخابية» يتم استعمالها في موطن القرطاجيين تونس للدلالة على العراقة والأصالة، وتشير إلى أن العرض مستوحى من أعماق التراث التونسي الغنائي والأدبي والشعري والتشكيلي.
تكريم العمالقة
لقد بدأ العرض الذي ارتكز على أعمال نخبة من الملحنين والرسامين والشعراء الذين تركوا بصمتهم في السجل الإبداعي التونسي، بمقدمةٌ موسيقيةٌ لتكريمَ العصر الذهبي للأغنية التونسية في القرن العشرين، وذلك بقيادة المايسترو التونسي محمد القرفي وبمصاحبة الأوركسترا السيمفوني التونسي، وجوقة أوبرا تونس، والفرقة الوطنية للفنون الشعبية. وكجزءٍ من هذا الافتتاح، قُدِّمت لوحةٌ فولكلوريةٌ تُعيد تمثيلَ طقسٍ شعبيٍ يتمثل في حفل ختان الأولاد، في أجواء صُمِّمت لتغمر الجمهور بروح تونس الاحتفالية في خمسينات وستينات القرن الماضي.
لقد أثث المايسترو القرفي عرضه بفنون عديدة مثل الموسيقى والغناء والمسرح والشعر والرقص والرسم. فحضرت اللوحات الفنية والكلمات والألحان والرقصات التي صممتها الفرقة الوطنية للفنون الشعبية. وظهر على الشاشات الكبيرة للمسرح من فارقوا الحياة من الملحنين والشعراء والأدباء والرسامين وغيرهم.
لقد حضر الراحلون من أساطين التلحين من خلال صورهم على غرار خميس الترنان ومحمد التريكي ومحمد الجموسي، وكذا جهابذة الغناء على غرار علي الرياحي والهادي الجويني وصليحة وغيرهم. كما حضر رموز الأدب والشعر التونسيين على غرار أبي القاسم الشابي ومحمود بورقيبة وعثمان الغربي والطاهر القصار وجلال الدين النقاش وغيرهم ممن أصبحوا جزءا من مكونات الهوية الوطنية الفنية التونسية.
كما حضر كبار الكتاب على غرار علي الدوعاجي من خلال مداخلات الممثل التونسي جمال المداني المشارك في العرض بالربط بين المشاهد المختلفة من خلال عروض سردية تستحضر قصص تلك الحقبة. فقد سلط الضوء على أهم محطات المسيرة الثقافية التونسية من خلال أعمال الملحنين والشعراء والرسامين الكبار الذين طبعوا تلك الفترة التي شهدت نهضة فنية لافتة.
أعمال خالدة
كما قامت الفنانة التونسية محرزية الطويل بأداء أغنية «زعمة يصافي» للفنانة التونسية الراحلة نعمة وذلك تكريمًا لهذه الأيقونة الموسيقية التونسية. ثم أعقبها الفنان حمزة الفضلاوي بأداء أغنيتين للفنان التونسي الراحل الكبير الهادي الجويني، واحدة تحمل موجات إيجابية بعنوان «حبي يتبدل يتجدّد»، وأخرى حزينة بعنوان «إلي تعدى وفات زعمة يرجع» (أي هل أن ما قد مر من الحياة يمكن أن يعود).
بعد أداء أغنيتي أسطورة الغناء التونسي الهادي الجويني الشهيرتين، عادت الفنانة محرزية الطويل إلى الركح القرطاجي الملهم منذ آلاف السنين، لتقديم أغنية «حزت البهاء» أو «القد يا مسمية» للفنانة الراحلة صليحة، وهو عمل من تأليف الملحن الكبير خميس الترنان. وأضاف الممثل جمال المداني لمسة هزلية على العرض بأغنية للفنان الفكاهي التونسي الراحل صالح الخميسي، في محاولة منه لخلق جو من البهجة تُذكّر بأجواء أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في تونس.
أما الجزء الثاني من الأمسية، فقد قدّمه الفنان التونسي الشاذلي الحاجي، الذي أدى أغنية الفنان الراحل علي الرياحي «يا بوسعيد يا عالي شرفتنا بالنور» وهي أغنية تتغنى ببلدة سيدي بوسعيد التونسية ومعالمها، بالإضافة إلى أغنية كلاسيكية شهيرة للملحن محمد التريكي. وأخيرًا، اختتم الفنان التونسي شكري عمر الحناشي الأمسية بمزيج من الأغاني التونسية الكلاسيكية المعروفة بصوته الشجي الذي أطرب الحضور بالمسرح الأثري الكبير.
لقد كان عرض «من قاع الخابية» تكريما للحركة الثقافية التونسية بمختلف فنونها وحنينا لزمن الكبار الذين أثروا الحياة الثقافية التونسية بإنتاجهم الخالد والغزير. فكان افتتاحا يليق بالمكانة المرموقة لمهرجان قرطاج الدولي وبفخامة إسمه وعراقته ودوره الحضاري الذي تأسس من أجله.
بلا حدود
ومن بين السهرات اللافتة على خشبة مسرح قرطاج العريق، عرض اتخذت فيه الموسيقى طابعًا عالميًا وذلك في النسخة الثانية من عرض «البساط الأحمر» لرياض الفهري. لقد تم هذا الحفل يوم الأحد 20 تموز/يوليو، حيث تم تجاوز الحدود المألوفة وفتح المجال للموسيقى والتنوع الثقافي في عرض استثنائي نال استحسان الحاضرين في المسرح القرطاجي الأثري. منذ النغمات الأولى، تبلورت الأجواء فكان العرض بمثابة اللوحة الجدارية الحية، والمغامرة السحريةً التي نقلت الجمهور إلى عالمٍ آخر. وتحت النجوم، نبضت الأصوات بالحياة وتشابكت، واندمجت الثقافات لتُشكّل لغةً واحدة هي لغة الموسيقى.
لقد كان الحضور، في هذه الأمسية الثانية من قرطاج، غفيرًا كعادة العروض الهامة التي يقبل عليها التونسيون من كل فج عميق. فقد امتلأت مدرجات المسرح العريق بجمهور غفير من عشاق الموسيقى من الشغوفين والمتحمسين، وشمل الحضور دبلوماسيين معتمدين بتونس.
وفاجأ رياض الفهري الجمهور بروحه المنفتحة على الثقافات وشغفه الفني، مجدداً ومثلما كان عليه الحال في «البساط الأحمر1». فإلى جانب عوده، الذي كان محور الأمسية، قدّم فنانون من جميع أنحاء العالم عروضهم.
فلسطين في البال
ولم يتغافل هذا العرض وعلى غرار العرض الافتتاحي على ما يحصل في فلسطين فقد تعالى صوت إسراء بن سليمان وهي تغني «إسراء تحلم بفلسطين». ومع صوتها الشجي ظهر علما تونس وفلسطين على الشاشات وظهرت القدس كعروس يوشح صدر فلسطين بجمالها المألوف وزياتينها المتجذرة في ترابها.
ومن بين الأغاني التونسية الحاضرة في هذه السهرة العالمية أغنيتا «سيدي منصور»، وهي أغنية صوفية عن الولي الصالح لمدينة صفاقس التونسية والتي تغنى بها الفنان التونسي صابر الرباعي وارتبطت به، وأغنية «ما أحلى ليالي اشبيلية» للفنانة التونسية الراحلة فتحية خيري. لقد تم توزيع الأغنيتين بطريقة بعثت فيهما روحا جديدة دون أن تفقدهما الرونق الذي عرفتا به وهو ما جعل جمهور قرطاج يتفاعل معهما ويحتفي بهما.
كما أشعلت الموسيقية اليابانية ساياكا كاتسوكي على كمانها، وبرينان جيلمور على غيتاره دفء الموسيقى الشعبية الأمريكية، وأبهر مارسيلو بيوندوليلو الجمهور بأناقته الإيطالية. ثم جاء دور أوركسترا برشلونة السيمفونية حيث صعد أكثر من 73 موسيقياً، برفقة جوقة تتشكل من سبعة مغنين، إلى المسرح، من بينهم المغنية الإيطالية كيارا مينالدي، التي قدمت أغنية عربية وأخرى إيطالية.
لقد تدفقت الإيقاعات الواحدة تلو الأخرى، أغانٍ تونسية بلكنات أخرى، وألحان إسبانية، وقصائد رومانسية إيطالية، وموسيقى البلوز والجاز الأمريكية. كانت كل مقطوعة بمثابة محطة توقف، وكل صوت هو جواز سفر إلى ركنٍ آخر من العالم. لم تعد قرطاج مجرد مدينة كحالها اليوم أو إمبراطورية امتدت على كامل السواحل الغربية للمتوسط على قارتي أفريقيا وأوروبا كما كان حالها في عصر مجدها، بل أصبحت في هذه الليلة كوكب الأرض بأسره الذي جمع شعوب وثقافات العالم.
لقد نجح الفهري، قائد هذه الفسيفساء الموسيقية، في خلق حوار بين تقاليد تبدو متناقضة. وبعيدًا عن التنميط، أظهر «البساط الأحمر 2» مجددًا ثراء الاختلافات، محققًا توازنًا مثاليًا بين احترام الجذور والجرأة الفنية. إنه حفل موسيقي، أو بالأحرى، استجابة شعرية لهويات العالم المتفاعلة على المسرح حيث لا يسمح بأن تمحو ثقافة ثقافة أخرى فيتعايش الجميع ويتكاملون ويثرون بعضهم البعض.
لقد كان كرنفالا موسيقيا بلا حدود وبكل ما للكلمة من معنى، التقى في هذا الكرنفال العالم الحر وغاب عنه المجرمون وسفاكو الدماء وأنصارهم. وقد استجاب الجمهور المكون من جميع الأجيال، لنداء الموسيقى، فدوى التصفيق مع نهاية العرض وتألقت الوجوه فرحا عاكسة لحظة ساحرة من سحر هذا الصرح القرطاجي الكبير.
عروض متنوعة
ومن العروض اللافتة في قرطاج لهذا العام عرض المسرحية التونسية «بينومي +1S» وهي من إخراج وتمثيل عزيز الجبالي الذي يجسد شخصية «حميدو» الذي يصطدم بعائلته والمجتمع بسبب ولعه بعالم الأزياء والموضة. ومن الكوميديا الساخرة ينبش هذا العمل في عدد من القضايا اليومية والمعيشية التي تهم التونسي وينقد العنف والعنصرية في المجتمع اللذين يبرزان في عملية البحث عن شريك مثالي للسكن.
وقد خصصت سهرة يوم 25 تموز/يوليو للفنانة التونسية والعربية لطيفة العرفاوي، فيما خصصت سهرة يوم 26 تموز/يوليو لإبراهيم معلوف وأبواق مايكل أنج من لبنان. وسيكون عشاق المهرجان على موعد مع سهرة الفنان الفلسطيني والعربي إبن قطاع غزة محمد عساف يوم الأحد 27 تموز/يوليو، بينما ستخصص سهرة يوم 28 تموز/يوليو مرة أخرى للفن التونسي تحت مسمى سهرة تونسية تحييها الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة يوسف بالهاني ويجمع نخبة مـن نجوم ونجمات الأغنية التونسية، من بينهم نوال غشام، شكري بوزيان، كريم شعيب، منصف عبلة، مقداد السهيلي، زهرة لجنف، سندس طاقة، محسن الرايس، ورجاء بن سعيد.
وخصصت سهرة يوم 30 تموز/يوليو للفنان السوري والعربي ناصيف زيتون، وسهرة اليوم الأول من آب/أغسطس لسهرة ليلة قادة الأوركسترا التي يستضيف فيها الأوركسترا السيمفوني التونسي عددا من كبار قادة الأوركسترا من الخارج وسيتناوب كل مايسترو من هؤلاء على قيادة العازفين التونسيين. أما سهرة يوم 2 آب/أغسطس فقد تم تخصيصها للفنانة اللبنانية والعربية نانسي عجرم ويليها في اليوم التالي عرض الفنانة الفرنسي شانتال جويا المختصة في أغاني الأطفال والعروض العائلية.
أما عرض يوم 5 آب/أغسطس فقد خصص للفنان الفلسطيني مروان عبد الحميد الملقب بـ«سان ليفات» وهو موسـيقي وكاتب أغاني ومغني راب. بينما خصص يوم 6 آب/أغسطس لسهرة تونسية بعنوان «تخيل روحك تسمع» وهو عمل فني تجريبي يحمل رؤية معاـرة من تأليف وتوزيع كريم الثليبي عن رواية للأديب محسن بن نفيسة. كما يتضمن برنامج مهرجان قرطاج الدولي سهرات لكل من الفنانة العربية اللبنانية نجوى كرم وسهرة للفولكلور التونسي وسهرة للفنانة التونسية صوفية صادق وسهرة للفنانة المصرية مي فاروق مخصصة لأغاني كوكب الشرق أم كلثوم وسهرة للريغي يحييها نجل الفنان الجامايكي بوب مارلي المسمى كي ماني مارلي وسهرة للفنان الطربي اللبناني آدم وسهرة للفنانة الإماراتية أحلام.