الرئيس اليمني الراحل، علي عبدالله صالح
صنعاء – “القدس العربي”: أثار وثائقي بثته قناة “العربية”، السبت، عن الأيام الأخيرة في حياة الرئيس اليمني الراحل، علي عبدالله صالح، جدلًا واسعًا في الأوساط اليمنيّة. وفي هذا الجدل انقسم اليمنيون، كالعادة، حيال تجربة تشكل منعطفًا هامًا في تاريخ اليمن الحديث؛ لها ما لها، وعليها ما عليها.
الوثائقي، الذي حمل اسم “المعركة الأخيرة”، تضمن شهادات لنجل صالح (مدين)، وعدد من حراس الرئيس السابق الشخصيين، ممن شهدوا ما انتهت إليه المعركة بين “أنصار الله” (الحوثيون) وصالح داخل صنعاء وضاحيتها الجنوبية خلال ديسمبر/ كانون الأول 2017م.
من أبرز ما تضمنه الفيلم، ما صرح به نجل صالح، مؤكدًا أن والده قُتل في قرية الجحشي بمديرية سنحان في ضاحية صنعاء الجنوبية، بعد تعرضه لكمين خلال هروبه من معركته مع الحوثيين.
ونسفت هذه الرواية حكاية مقتله في منزله بصنعاء، التي راجت منذ إعلان مقتله. واتفقت رواية مدين مع ما أعلنه الحوثيون عقب انتهاء المعركة، التي انتهت بمقتل صالح ورفيقه عارف الزوكا، الذي كان يشغل منصب أمين عام حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي ظل يرأسه صالح حتى مقتله.
استعرض الفيلم مراحل في حياة صالح، وبخاصة مرحلة تنحيه حتى تسليمه السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي، وغيرها من المنعطفات في تاريخ الشخصية اليمنيّة المثيرة للجدل؛ والذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود.
أثار الوثائقي ردود فعل يمنيّة مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي، اختلف فيها اليمنيون، مع وضد وبين، إزاء ما تضمنه الفيلم؛ فيما شكك البعض بنوايا القناة وأهدافها من اختيار الموضوع وتوقيت بث الفيلم؛ خصوصًا في ظل أخبار تتحدث عن حذف القناة لفيلم سابق يسيء لصالح ، من قناتها في “يوتيوب”.
في موقف الدفاع عن صالح، اعتبر رماح الجُبري مدير المرصد الإعلامي اليمني في “تدوينة”، «الصراحة والوضوح التي ظهر بها مدين صالح نجل الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح في وثائقي قناة العربية، خطوة شجاعة لإزالة الغموض وكشف الستار عن واحدة من أهم محطات التاريخ اليمني المعاصر”. مضيفًا أن “ما ورد في رواية مدين صالح وآخرين لا ينقص من مكانة الرئيس الشهيد بل يؤكد شجاعته وثقته بنفسه وقيادته الميدانية، إذ قاتل حتى اللحظة الأخيرة، وعندما وجد أن المعركة في صنعاء باتت خاسرة عسكريًا أختار حصن عفاش كنقطة ارتكاز استراتيجية وتاريخية”.
أيضًا؛ كتب في ذات السياق، الناشط السياسي المقيم في لندن، علي البُخيتي: “مدين علي عبدالله صالح قال الحقيقة، وبطل قاتل حتى آخر لحظة، والزعيم صالح لم يهرب، فالحرب متارس، والانتقال من مترس مكشوف ومحاصر لمترس مفتوح تكتيك صحيح لو كُتب له النجاح”.
كذلك، قال رئيس تحرير صحيفة (عدن الغد)، فتحي بن لزرق، في تدوينته: “يظل الزعيم علي عبدالله صالح على اختلاف المواقف حوله الشخصية اليمنية الأكثر تأثيرًا وحضورًا في الذاكرة الوطنية، رجل لم تصنعه السلطة بقدر ما صنع هو معادلاتها، ولم تهبه الأيام مجدًا بقدر ما صنع لنفسه مجدًا محفورًا في جدار التاريخ”.
أيضًا، كتب مازن البهواني، قائلًا: “الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح عاش زعيماً ومات شهيدا شامخا، قاتل قتال القادة الشجعان مدافعًا عن دينه ووطنه والجمهورية اليمنية والثوابت الوطنية”.
أما المناوئون لصالح، بما فيهم الحوثيون، كان لهم موقفهم، مما تضمنه الفيلم الوثائقي. وكتب عضو المكتب السياسي لحركة “أنصار الله”، حسين العزي، “تدوينة” في سياق الجدل، قال فيها إن “وثائقي العربية أظهر مصداقيتنا ومظلوميتنا. أقر المتحدثون بأن صاحبهم لم يكن صادقاً معنا، وأنه كان يبيت الغدر من أول يوم، بينما كنا نزهو بنوايانا البيضاء، ونتعامل بنقاء الأجداد وطهر الأنبياء. مؤلم أن يطعنك أخوك في الظهر، وأنت تصد العاديات وتذود عن الحمى ضد غزو خارجي”.
كذلك، تحدث عضو المكتب السياسي للحركة، محمد الفرح، قائلًا إن “خلاصة فلم “المعركة الأخيرة”: إن طارق طلع (ظهَرَ) كذاب في روايته عن عفاش (صالح)، وفي حمايته لعفاش. طلع إنه ركّبهم متر(دراجة نارية)، وقال أمشوا وأنا با ألحق بكم. مفروض اسم الفيلم “كذبة طارق في الرواية والحماية””.
عضو المكتب السياسي للحركة، حزام الأسد، علق في “تدوينة”، معتبرًا أن “ما أغفلته “العربية” حقائق خيانة ديسمبر”. وقال:” بتوجيهات مباشرة من بن زايد، وبعد ترتيبات استمرت لأكثر من عشرة أشهر، بدأ عفاش الفتنة تحركه التخريبي مرورًا بأحداث أغسطس، وانتهاءً بإعلان الخيانة في ديسمبر. تحركاته لم تكن عشوائية، بل قامت على تحريض وتحشيد، وتخابر، تجنيد وتدريب، تسليح وتخطيط، ثم تموضع ميداني دقيق وواسع”.
أيضًا، كتب فيصل مدهش، في ذات السياق: ” شاهد ودققوا، يتضح من كلام مدين علي عبدالله صالح عفاش في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة العربية عدة أمور منها: اتهام طارق عفاش ضمنياً بالخيانة. أن طارق عفاش هرب وترك عمه. صحة رواية الأنصار بشأن مقتل عفاش في سنحان خلال محاولته الهروب”.
في السياق ذاته، اعتبرت ولاء الأصبحي ما تضمنه الفيلم “الإقرار بالحقيقة”، وقالت: “مدين نجل الرئيس السابق علي عبدالله صالح يؤكد رواية صنعاء بشأن اللحظات الأخيرة لوالده وطارق عفاش هو زعيم الخيانة لعمة عفاش”.
بين مع وضد كان هناك من كتب معربًا عن رفض وامتعاض وعتب، كما كتب الصحافي، صدام أبو عاصم، معتبرًا أن “الجديد في وثائقي الراحل على عبدالله صالح، أنه جدد فينا مشاعر العتب والامتعاض الذي كاد ينسى، من رجل كان محبوباً، لكن مشاعر “الانتقام” أعمته عن كل شيء، لدرجة أنه انتقم وبدون وعي، من نفسه ومن تاريخه، قبل أن ينتقم من خصومه ومن الوطن والشعب!”.
أيضًا، قال الصحافي محمد النود، إن الفيلم الوثائقي “كشف ما نحذر منه عن الشائعات وصناعة للزعماء، وكيف يتم التلاعب بالتاريخ وتزويره وتصديره بشكل مغلوط. ما يهمنا اليوم: ألا يصدق كل رواية تعرض دون تحقيق وتوثيق محايد، وأن يتعظ السياسيون في اليمن من الماضي، لتجنب تكرار الكوارث نفسها”.
كذلك، كتب أرحب الصرحي، الناشط اليمني المقيم في إيطاليا مشيرا إلى أن: “هذا الوثائقي ليس مجرد سرد لنهاية رجل سياسي براغماتي امتلك كاريزما خاصة، بل شهادة على لحظة فارقة في تاريخ اليمن الحديث، وأعمق ما في ذلك أنه يرينا كيف ظن صالح ببراعته السياسية التي دامت 3 عقود أنه قادر على التحالف ثم التراجع، لكنه اكتشف متأخرًا أن الأمور قد تخرج من يده”.