صنعاء – «القدس العربي»: مازال المستهلك في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في حالة ذهول على الرغم من مرور أكثر من أسبوع على تعافي الريال وتحقيقه مكاسب لأول مرة بهذا المستوى منذ عشر سنوات، مسجلًا تراجعًا وصل إلى 1500 ريال للدولار، بعدما كان وصل سعر الدولار إلى 2900 ريال.
ونتيجة غياب اليقين بالاستقرار لم يتجاوب التجار مع مطالب تخفيض الأسعار، وأبقوا أسعار المنتجات على ما هي عليه خوفًا من أن يكون التعافي وهميًا، في ظل ما اعتبره مراقبون عدم وجود عوامل حقيقية تعزز هذا التعافي، كوجود وديعة جديدة أو تحقيق وفر مالي وغيرها من العوامل، التي تعزز من الاستقرار الاقتصادي، إلا أن الحكومة ممثلة في وزارة الصناعة والتجارة عملت على إنزال فرق ميدانية للأسواق، بهدف تخفيض الأسعار، استجابة لتراجع سعر الصرف.
يقول الخبير الاقتصادي، وحيد الفودعي، تعليقًا على التعافي المفاجئ:« أنا مع هبوط سعر صرف الدولار إلى أدنى مستوياته، طالما وأن صعوده أساسًا كان بفعل المضاربات في السوق، شريطة أن يقود توجيه هذا الهبوط البنك المركزي، وبحضور يقظ يراعي أعلى درجات الحكمة والتروّي، وأن يستند إلى تقدير علمي دقيق لما يُعرف بـ»السعر العادل» أو «السعر الحقيقي»، الذي يستبعد آثار المضاربات والاختلالات المؤقتة، ويفترض أن يكون البنك المركزي قد حدده سلفًا، أو يمتلك القدرة الفنية والمعرفية على تحديده بدقة، ليُصبح هذا السعر هدفًا واضحًا لسياسته النقدية، لا نتيجة لحراك عشوائي في السوق».
وأضاف: «وعقب تحقق هذا الهبوط المخطط والمراقب، تقع على عاتق البنك المركزي والحكومة مسؤولية مضاعفة: تثبيت السعر الجديد ضمن نطاق مستقر، ومنع أي ارتداد مفاجئ نحو الصعود، ذلك أن أي ارتفاع لاحق سيُعد مؤشرًا على فشل في ضبط السوق، وسيؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، لا سيما على الفئات الأكثر هشاشة التي تتعامل مع السوق بناءً على الثقة بالبنك المركزي».
واستدرك: «أما إذا كان هذا الهبوط في حقيقته مجرد «خدعة سعرية» مؤقتة خطّط لها المضاربون لجني أرباح سريعة، وأعقبوها بارتفاع حاد، فإن المسؤولية الكاملة -وظيفيًا وأخلاقيًا- ستقع على البنك المركزي، لأنه يكون بذلك قد تخلّى عن دوره الرقابي، وترك السوق نهبًا للتلاعبات المكشوفة».
وشن ناشطون حملة على منصات التواصل الاجتماعي ضد أكبر مجموعة صناعية وتجارية في البلد، ممثلة في مجموعة هائل سعيد، التي طالبت بضمانات لاستقرار الصرف وتوفير العملة الصعبة، لكنها لاحقًا استجابت ونشرت قائمة بأسعار منتجاتها المخفضة، وفقًا للتعافي الأخير.
يقول الفودعي: «من الطبيعي أن يُبدي التجّار والشركات وأصحاب المحلات قدرًا من التحفّظ تجاه الاستجابة الفورية لخفض أسعار السلع بمجرد انخفاض سعر صرف الدولار، لا سيما في ظل غياب الاستقرار واستمرار حالة القلق من المجهول».
وأضاف: «لكن إذا ثبت هذا التحسن في سعر الصرف واستقر فعليًا، فإن قوى السوق التنافسية مثل العرض والطلب، والمنافسة، وتكلفة الإنتاج، ومرونة الأسعار، ووجود سلع بديلة، وإمكانية دخول وخروج التجّار بحرّية، وتوفّر المعلومات الكاملة، كفيلة بأن تُعيد ضبط الأسعار تلقائيًا نحو مستويات عادلة ومتوازنة، دون حاجة إلى حملات أو تدخلات أمنية أو إدارية».
وهنا نطرح سؤال مفاده، هل تجاوز المستهلك حالة الذهول لنسأل عما يقتضيه انخفاض سعر الدولار، وهل بالضرورة أن تساوي نسبة انخفاض أسعار السلع نسبة انخفاض الدولار، وهل كل السلع يجب أن تنخفض بنفس النسبة؟
يقول الفودعي: «الإجابة: لا. ولكن لماذا؟ لأن سعر السلعة لا يتأثر فقط بسعر صرف الدولار، حتى في حالة السلع المستوردة، فهناك عناصر تكلفة أخرى تبقى ثابتة أو تتغير بوتيرة مختلفة، مثل تكاليف النقل الداخلي، والضرائب، والإيجارات، والأجور، والخدمات اللوجستية. كما أن حالة عدم الاستقرار الاقتصادي تدفع كثيرًا من التجار إلى التحوّط واحتساب هامش مخاطرة ضمن تسعيرهم، مما يمنعهم من خفض الأسعار بشكل مباشر أو بنفس نسبة انخفاض العملة».
وأضاف: «أما السلع المحلية، وخصوصًا المنتجات الزراعية والحيوانية مثل الخضروات والأسماك واللحوم البلدية، فهي لا ترتبط مباشرة بسعر الدولار، بل تتأثر بعوامل محلية مثل الكلفة الموسمية، تكلفة الأعلاف، أجور العمال، وتكاليف النقل الداخلي وأيضًا قوى السوق مثل المنافسة، وبالتالي فإن تأثرها بانخفاض سعر الصرف يكون غير مباشر ويأخذ وقتًا أطول للظهور».
وانخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى النصف منذ عام 2015، جراء الحرب، إذ فقد الريال اليمني أكثر من 400٪ من قيمته، مما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وجعل الضروريات الأساسية بعيدة المنال بالنسبة للملايين.
ويشهد سعر صرف الدولار في مناطق سيطرة جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) ثباتًا عند 534 ريال للدولار.