التهرم السكاني في تونس خطر مستقبلي يقتضي استشراف الحلول

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: لم تجد الأرقام الصادرة مؤخرا عن المعهد الوطني للإحصاء بتونس في إطار التعداد العام للسكان والسكنى حظها من الاهتمام محليا رغم أهميتها على مستقبل البلد وعلى خططه التنموية للسنوات القادمة وحتى على مصيره. واقتصر الاهتمام بهذه الأرقام على بعض وسائل الإعلام والخبراء الذين حذروا تونس من مغبة التهاون بالتهرم السكاني القادم والذي تم استنتاجه من الأرقام التي قدمها المعهد.
بلغ متوسط العمر في تونس حسب النتائج الرسمية للتعداد العام للسكان والسكنى 35 سنة، وبلغت نسبة الأطفال أقل من أربع سنوات 5.86 في المئة بينما كانت تقدر بـ11 في المئة سنة 1965. أما نسبة من تفوق أعمارهم 60 سنة فقد بلغت وفق النتائج الرسمية المشار إليها 16.9 في المئة بعد أن كانت لا تتجاوز 5 في المئة سنة 1965.
وأظهرت هذه النتائج التي صدرت أواخر شهر أيار/مايو الماضي أيضا أن معدل النمو السنوي في تونس لا يتجاوز 0.87 في المئة، وهو الرقم الأضعف الذي تم تسجيله في البلاد منذ الاستقلال. كما تراجع معدل إنجاب العائلة التونسية إلى أقل من طفلين إثنين بعد كان في حدود إثنين خلال التعداد العام السابق للسكان والسكنى الذي ينجزه المعهد الوطني للإحصاء وهو الجهة الرسمية.
ورغم أن الفئة النشيطة للسكان المتراوحة أعمارها بين 15 و60 سنة لا تزال هي الغالبة وتمثل 60 في المئة من مجموع السكان، إلا أن عديد الخبراء أكدوا على أن تونس ذاهبة نحو التهرم السكاني خلال السنوات المقبلة. وأكد هؤلاء أيضا على أن البلاد مطالبة باتخاذ جملة من الإجراءات لتجنب الوصول إلى هذه المرحلة التي ستجعلها مستقبلا بلا قوى عاملة خاصة مع هجرة الشباب الكثيفة إلى خارج البلاد.

خيارات وطنية

والحقيقة أن هناك أسبابا عديدة ساهمت في حصول هذه النتائج باتفاق أغلب الخبراء، منها ما هو إرادي واختياري من قبل الدولة، ومنها ما فرضته الظروف والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها تونس بعد الاستقلال وصولا إلى اليوم. أي أن الدولة خططت بعد استقلالها ووضعت البرامج من أجل تحقيق العيش الكريم والرفاه للمواطن التونسي لكنها لم تقرأ حسابا للأزمات التي يمكن أن تعرفها البلاد نتيجة لاضطرابات سياسية أو سوء حوكمة أو جوائح طبيعية أو غيرها.
لقد ارتأت تونس منذ فجر الاستقلال أن تنخرط في سياسة تحديد النسل حتى تكفل مستوى محترما من العيش لكل أسرة، ولتحقيق تلك الغاية قامت الدولة بحملات لتوعية المواطنين بأهمية الحد من الإنجاب وتنظيم العائلة. كما شجعت الدولة على انتشار وسائل منع الحمل حتى في صفوف الأميين الذين كانت أعدادهم كبيرة في تلك الفترة بسبب السياسة الاستعمارية التي سبقت الاستقلال والتي كانت تشجع على الجهل وهجران التعليم.
ومرد هذا التمشي من قبل الدولة هو طغيان الرؤية التي كانت تعتبر أن موارد البلاد المحدودة لا تسمح بحصول انفجار ديموغرافي، وهي رؤية سعى إلى ترسيخها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ومن معه من كبار رجال الدولة. وبالتالي قام هؤلاء بعد الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان تونس جمهورية بترسيخ مشروعهم لمجتمع المستقبل من خلال جملة من التوجهات من بينها تمجيد الأسرة محدودة العدد التي سعوا إلى إقناع التونسيين بأنها الخيار الأمثل الذي سيؤمن لهم وللبلاد التطور والنماء.
وانخرط التونسيون في تلك التوجهات بسبب ثقتهم في القيادات السياسية الجديدة التي ساهمت في نيل الاستقلال ثم في الإطاحة بالنظام الملكي وأشعلت جذوة الحماس لبناء تونس جديدة تقطع مع الجهل والتخلف وتقطع أيضا مع كثرة الإنجاب التي أصبحت في الأذهان مرادفة للرجعية. وسرعان ما تحققت النتائج بصورة فعلية على الميدان وتقلص حجم العائلة التي كانت تتشكل في الماضي من سبعة أفراد فما فوق باعتبار الوالدين، إلى أربعة أفراد باعتبار الوالدين.
ولا ينكر عاقل أن تلك السياسة ساهمت خلال عقود في تحسين معيشة المواطن التونسي وفي ارتفاع عدد المنتمين إلى الطبقة الوسطى التي باتت تشكل الأغلبية، وهي الطبقة التي تُعتبر عماد الاقتصاد الوطني والمحرك للاستهلاك. وتزامن ذلك مع تطور نسبة التمدرس وانتشار الوعي في صفوف المجتمع، وأيضا مع تحسن المستوى الصحي وارتفاع معدل أمل الحياة لدى التونسيين وحصول تغييرات كبرى في المجتمع أرادتها دولة الاستقلال وخططت لها.

ضرورة حياتية

كما ساهم انتشار الوعي بأهمية التعليم، وبالرغبة في الوصول فيه إلى أعلى المراتب بالنسبة للجنسين، إلى تأخر سن الزواج في تونس وإلى التقليل من الإنجاب، باعتبار أن المرأة المتعلمة انصرفت إلى سوق العمل بعد إتمام دراستها ولم تجد من الوقت ما يشجعها على كثرة الإنجاب والعناية بعدد كبير من الأطفال. وشكل ذلك دافعا للمرأة التونسية للانخراط في منظومة التنظيم العائلي التي رسختها دولة الاستقلال لأنها تتناسب ونمط الحياة الجديد الذي لم تألفه الأجيال السابقة التي عاشت في عصر تعدد الزوجات والأسرة الواسعة كثيفة العدد.
وتأثرت الفئات المتعلمة بدعاية الطبقة السياسية وباتت مثلها تمجد الأسرة محدودة العدد وتراها السبيل الأمثل لتحقيق كافة الطموحات المتعلقة بالنجاح الدراسي والمهني والعائلي والصحي أيضا. فقد ترسخت قناعة لدى كثير من المنتمين إلى هذه الفئة بأن الإنجاب المفرط يتسبب في مشاكل صحية للمرأة ويؤثر سلبا أيضا على العلاقة الزوجية والروابط الأسرية.
كما أن مشاريع الإسكان أصبحت موجهة لإنشاء شقق عصرية صغيرة صالحة لحياة أسرة تتشكل من أربعة أفراد في أقصى الحالات خلافا للبيوت التقليدية التونسية التي كانت تتعدد فيها الغرف التي تحتمل وجود عدد لا بأس به من الأفراد. ودفع ذلك بالكثيرين إلى الاكتفاء بإنجاب طفلين أو ثلاثة، وحتى بطفل واحد في أحيان كثيرة، وذلك تماشيا مع تركيبة الإطار الجامع والمستقر الآمن للأسرة التونسية وهو المسكن.
كما ساهم في نزوع العائلات نحو تحديد النسل، قرار الدولة بأن لا تشمل التغطية الاجتماعية الطفل الرابع في حال تم إنجابه، حيث اكتفت الدولة بتغطية نفقات ثلاثة أطفال لا غير. زد على ذلك أن المبلغ المخصص لهذه التغطية الاجتماعية زهيد ولا يكفي حتى لسد الرمق ولا يشجع على الإنجاب من الأساس في ظل غلاء المعيشة وارتفاع حجم الإنفاق.
ومن أسباب التهرم السكاني أيضا تطور المستوى الصحي خلال العقود التي تلت الاستقلال وهو ما نتج عنه ارتفاع معدل أمل الحياة، وبالتالي فقد ازداد عدد كبار السن بشكل لافت وهو ما اعتبر مكسبا وتحديا نجحت فيه الدولة. ومن المتوقع أن يزداد عدد أفراد الفئة العمرية التي يفوق سنها الستين عاما خلال السنوات المقبلة في دولة راهنت على الصحة والتعليم وأنفقت عليهما الكثير على مدى عقود متواصلة ولم تتراجع عن خيارها هذا رغم عديد الهنات.

مصاعب وعزوف

ويتفق الخبراء والمختصون على أن من أسباب تراجع الولادات في تونس وسير البلد نحو التهرم السكاني هو تدهور مستوى المعيشة خلال العقدين الأخيرين مع ارتفاع تكاليف الزواج التي وصلت إلى مستويات قياسية ما جعل العزوف عنه يصبح ظاهرة. وتسببت الاضطرابات السياسية التي عاشها البلد في السنوات الأخيرة بداية من الثورة، وسوء الحوكمة، والعجز عن استغلال موارد البلاد الاستغلال الأمثل، وكثرة الاضرابات في القطاعين العام والخاص، والجوائح الطبيعية، والوضع العالمي المتردي الذي انتشرت فيه الحروب والذي انعكس على الاقتصاد التونسي وعلى المجتمع، ومجيء كل ذلك متزامنا مع بعضه البعض، في تدهور مستوى معيشة التونسيين.
كما أن هناك نسبة هامة من التونسيين، حسب استطلاع للرأي، تخشى من تحمل مسؤولية الأطفال في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها البلد، واختار هؤلاء إما عدم الإنجاب، أو الحد منه بالاقتصار على إنجاب طفل وحيد أو طفلين في أقصى الحالات. وبالتالي فقد بات تحديد النسل ضرورة يلتجئ إليها التونسيون مكرهين، وليس اختيارا لحسن تنظيم وتطوير الأسرة والمجتمع في إطار استراتيجية ورؤية متكاملة مثلما كان عليه الحال مع بدايات الاستقلال.

تداعيات خطيرة

يرى الكاتب والباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» بأن ما تعيشه تونس اليوم، والذي أظهره التعداد العام الأخير للسكان والسكنى، هو تهرم سكاني تدريجي بدأت بوادره تظهر من الآن، وستكون له تداعيات خطيرة حسب أغلب الخبراء، ولعل أهم هذه التحديات بحسب الحاجي هي عدم توفر يد عاملة بالقدر الكافي لتحقيق التنمية المنشودة. فتونس، برأي الخبير التونسي، قد تجد نفسها مضطرة خلال السنوات القادمة إلى استيراد اليد العاملة من الخارج لتغطية العجز في عديد القطاعات وذلك ما لم تتخذ إجراءات سريعة لإعادة التوازن إلى الهرم السكاني.
ويضيف محدثنا قائلا: «كما أن الصناديق الاجتماعية ستعاني الأمرين في ظل عدم توفر قوى عاملة بالقدر الكافي تساهم في انتعاشة خزائنها وتحقيق التوازن المالي لها حتى تستطيع مجابهة مصاريفها التي تزداد سنويا. ولعل ازدياد عدد كبار السن من المتقاعدين سنويا بفعل تحسن الوضع الصحي وارتفاع معدل أمل الحياة سيزيد من أعداد المشمولين بالتغطية الاجتماعية مقابل غياب الموارد بسبب غياب أو نقصان القوى العاملة من الفئة الشبابية، وهو ما سيثقل كاهل الصناديق الاجتماعية.
فتونس مطالبة إذن بإيجاد الحلول لهذه المعضلة في أسرع الآجال وقبل فوات الأوان وذلك من خلال القيام بمراجعات جذرية للسياسات السكانية، كما أنها مطالبة بأن تجد المعادلة الكفيلة بضمان نمو اقتصادي وسكاني متلازمين. فالبلاد لم تحقق نهضتها الشاملة مثل عديد الأمم التي لم تتهرم إلا بعد أن حققت التنمية في كافة المجالات، وبالتالي فالوقت ما زال باكرا على التهرم والبلد بحاجة إلى الشباب اليافع المتعلم مع التخطيط المحكم وحسن التصرف في المواد لتحقيق نهضته».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية