تحظى شخصية المكفوف باهتمام بالغ في السينما المصرية، وتُمثل تحدياً قوياً لإمكانية المُمثل، وكثيراً ما تكررت التجارب الإبداعية في هذا الصدد، لكن القليلين فقط من الفنانين والفنانات هم الذين أكدوا موهبتهم بإتقان الأداء والتقمص، وربما كان أحمد زكي واحداً من أولئك الذين نجحوا بتفوق في هذا الاختبار الصعب، حين جسد شخصية طه حسين في مسلسل «الأيام»، فصار أداؤه مقياساً لبقية المُمثلين، وبالقطع كان أداء محمود عبد العزيز في فيلم «الكيت كات» خارج المُنافسة بكل جدارة.
وعلى مستوى الأدوار النسائية جاء دور سميرة أحمد في فيلم «قنديل أم هاشم» مقياساً آخر في حينه، بالإضافة إلى دور فاتن حمامة في فيلم اليتيمتين للمخرج حسن الإمام، ودور هدى سلطان في فيلم «بور سعيد»، تلك هي أبرز علامات الإجادة في تجسيد شخصية الكفيف على المستويين، خاصة في السينما.
عنبر والألوان
في تجربة خاصة واستثنائية للفنان والنجم حسين فهمي قدمها عام 2001 وتمثلت في فيلم «عنبر والألوان» للكاتبة سمية عريشة والمخرج عادل الأعصر، كانت شخصية البطل الكفيف عنبر هي محور الأحداث، حيث انصب تركيز المُتلقي بكل قوة على أداء حسين فهمي، الجان الوسيم الذي لم تُتح له الظروف الدخول في تجربة من هذا النوع قبل إنتاج هذا الفيلم، ولأنها التجربة الأصعب، فقد أولاها النجم اهتماماً كبيراً وعاش الشخصية بكل أحاسيسها ومشاعرها الداخلية والخارجية كما كُتبت بالضبط، فعنبر مدرس الموسيقى فنان مُرهف وشديد الحساسية والرقة، وكونه ولد كفيفاً وفقد أمه في وقت مُبكر فله عذاباته الإنسانية الخاصة.
تعامل البطل مع الشخصية بموجب خصائصها الذاتية فتفوق على نفسه في الانتباه إلى تفاصيلها الدقيقة بكل عناية، بدءا من نظرة العين الساهمة وحركة الجسم والاعتماد على حاستي اللمس والأذن، وتعبيرات الوجه والإقناع بإحساس الخجل والارتباك والوجد، والقُدرة على تنفيذ المشاهد الصعبة بمهارة فائقة، لاسيما في ما يخص التعامل مع أدوات المنزل في غرفة النوم والمطبخ، وحفظ الأماكن، وإعداد الطعام والمشروبات الساخنة والتعرف على درجة حرارتها، وطريقة حمل الأطباق وكوب الشاي، وغيرها من الأساسيات اليومية المُعتادة في حياة الشخص الأعزب الذي يعتمد على نفسه في كل كبيرة وصغيرة.

لم تكن شخصية الكفيف في الفيلم المذكور تقليدية كما هو مُتبع، بمعنى أنها نمطية تتمتع بقدر من الظُرف وخفة الظل، ولكنها كانت تركيبة عميقة في تكوينها ومُحيرة في سلوكها وتحديها للواقع والظروف النفسية القاسية التي مرت بها الشخصية عبر منعطفات كثيرة ومتعددة.
لذا فإن أداء حسين فهمي بالفعل مثّل انتقالاً جوهرياً من منطقة الرومانسية والتأثير العاطفي المُباشر إلى قمة الإحساس في التعامل مع المأساة والحُب والشفقة والخديعة، فلم تهرب تفصيلة واحدة منه، ولم يأت مشهد واحد من أدائه خارج السياق، بل يُمكن القول إن فيلم «عنبر والألوان» كان إعادة اكتشاف لقُدرات إبداعية ظلت كامنة لفترة طويلة لدى المُمثل البارع الذي تم حصره في دور الفتى الوسيم فخسر الكثير من الفرص.
لقد تمكن المخرج عادل الأعصر من تطويع قُدرات حسين فهمي تطويعاً ذكياً مُبهراً، بعيداً عن تأثير شكله ومظهرة ووجاهته، فاستخرج منه أفضل ما لدية نفسياً وعاطفياً ووجدانياً، حتى في المشاهد الصامتة أثناء قيام الفنانة التشكيلية هبة (آثار الحكيم) برسمه كموديل كان مُقنعاً في صمته وإحساسه ونظرته الهائمة المليئة بالمشاعر المُختلطة، ما بين السعادة والامتنان والحزن الشفيف الممزوج بالشجن.
آثار الحكيم أيضاً لعبت في هذا الفيلم دوراً مهماً، رغم تقلص فرصتها، حيث اعتمد أداؤها في كثير من المشاهد على رد الفعل تجاه عنبر ومأساته، والمواقف الصعبة والمُحرجة التي تعرض لها، لكنها استثمرت ذلك بذكاء ووضعت نفسها في قلب كل مشهد بانفعالاتها الرومانسية الصادقة، فلم تكن مجرد حلية أو سنيد للبطل، بل كانت شريكاً فاعلاً في صناعة المشاهد القوية واللحظات المؤثرة.
ورغم ثانوية دور محمود الجندي، إلا أنه كان ضرورياً في البناء الدرامي للفيلم، ولولا ضيق المساحة المُتاحة له، لأصبح بطلاً ثانياً بامتياز، فهو مُمثل تلقائي عفوي، لديه القدرة على التحرك بسلاسة وأريحية في أضيق المساحات وإن كان ضيف شرف.
الأكثر استفزازاً من الناحية الفنية والدرامية في فيلم «عنبر والألوان» هي شخصية أزهار التي جسدتها الفنانة الراحلة معالي زايد، بمبالغة شديدة لمنافسة آثار الحكيم وسرقة الكاميرا منها، باعتبارها الشخصية الرومانسية المُناقضة درامياً لشخصية أزهار، المرأة الحسية اللعوب، فأفسدت الدور تماماً، وأعطته بُعداً آخر بتركيزها الفج على مشاهد الإغراء، التي كانت بمثابة مفتاح فقط للتعرف على طبيعة أزهار الانتهازية الوصولية، لكن الفهم الخاطئ لمضمون الدور، ذهب بالفكرة بعيداً عن الهدف فخسرت معالي وهي المُمثلة القوية المُحترفة مباراة التنافس من أول جولة.
لم يكن للموسيقى التصويرية حضور ملموس، رغم حاجة الفيلم الضرورية لذلك، فقد اقتصر التوظيف الموسيقي على مشاهد الإعداد للحفلة المدرسية السنوية وأوبريت مشهد النهاية الذي جاء ضعيفاً ومتواضعاً للغاية، فانتقص كثيراً من حالة التأثير المرجوة، ربما لضعف الإمكانيات المادية، أو الكسل عن التجويد!

كاتب مصري