غزة – “القدس العربي”:
لم تنجح إسرائيل بقتلها ستة صحافيين دفعة واحدة، في عملية اغتيال مدبرة ومخطط لها، في طمس الصوت والصورة التي تخرج يوميا تفضح المجازر التي تقترف في قطاع غزة، فاغتيال الشهداء الستة وفي مقدمتهم مراسلا قناة “الجزيرة”، أعاد التركيز أكثر على قصص غزة الإنسانية، قصص الفقر والجوع والقتل، وأعاد لأذهان العالم صورا ورسائل إخبارية، كان أنس الشريف ومحمد قريقع ينقلاها حتى وقت قصير من إعدامهم بصاروخ إسرائيلي.
وحتى قبل مقتل الصحافيين الستة، كانت قوات الاحتلال قتلت منذ بدء العدوان على قطاع غزة 232 صحافيا وصحافية، بينهم من أبيد مع عائلته، وآخرون كثر في ميدان العمل، فيما لا يزال المئات يقاومون الخوف والتهديد بالاغتيال والجوع، ويوصلون رسائل غزة لفضح سياسات الاحتلال.
ولا تزال صور أنس الشريف ومحمد قريقع حاضرة في قلوب سكان غزة، كما كانت تحضر طوال أشهر الحرب الماضية على شاشة “الجزيرة”، تكذب في كل مرة روايات الاحتلال، وتفضح أيضا المجازر الدامية التي تقترفها قوات الاحتلال بقتل الأطفال والمجوعين، في كل دول العالم، والتي استمدت منها منظمات أممية وحقوقية روايات كثيرة عن واقع غزة المؤلم.
وتقول حنان عبد السلام، وهي سيدة من شمال قطاع غزة، ذاقت وأسرتها ويلات النزوح البري في مدينة غزة وشمالها مرات عدة، إنها كانت تستمع مباشرة لرسائل أنس الشريف، حين كانت تقيم في مخيم نزوح، قريب من المنطقة التي كان يخرج فيها أنس لنقل رسائل البث المباشر للعالم عبر “الجزيرة”، حيث لم لا تملك هذه السيدة الأربعينية كباقي سكان القطاع، شاشة تلفاز في منطقة النزوح، لعدم توفرها من ناحية، ولعدم وجود التيار الكهربائي أيضا، وتضيف لـ “القدس العربي”: “كان أنس كل مرة يتحدث عن وضع غزة، وعن وضع النازحين، وعن وضع الأكل”، وتحدثت عن الأطفال النازحين الذين كانوا يتوافدون على أنس بعد انتهاء الرسالة لمصافحته وممازحته.
كان الصحافيان أنس الشريف ومحمد قريقع من المراسلين الذين آثروا البقاء في منطقة مدينة غزة وشمال القطاع، طوال فترة قطع الطريق ما بين مناطق شمال وجنوب القطاع
وكان الصحافيان أنس الشريف ومحمد قريقع من المراسلين الذين آثروا البقاء في منطقة مدينة غزة وشمال القطاع، طوال فترة قطع الطريق ما بين مناطق شمال وجنوب القطاع، قبل إقرار التهدئة المؤقتة في يناير الماضي، وظهر المراسلان مرات عدة على شاشة “الجزيرة” يتنقلان بين المناطق ينقلان أخبار المجازر والقصف والتوغل البري، كما نشط أنس مؤخرا في فضح روايات الاحتلال، وخلال الفترة الماضية تعرض أنس لعدة تهديدات مباشرة مع قبل الجيش الإسرائيلي، كما تعرض لاستهداف خلال إحدى التغطيات الصحافية، تعرض خلالها المصور فادي الوحيدي لإصابة خطيرة شلت أطرافه الأربعة.
ويقول الدكتور تحسين الأسطل نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين، إن الاستهداف الخطير الذي طال الصحافيين، ينذر بمخططات إسرائيلية خطيرة قادمة، وأكد في تصريحات لـ “القدس العربي” أنه مهما بلغت التضحيات “لن يترك صحافيو غزة الميدان، وستلاحق دماء الضحايا ورسائل الحاضرين اليومية، مجرمي الحرب في كل مكان”.
الصحافي سامي أبو سالم، مدرب السلامة المهنية في الاتحاد الدولي للصحافيين، قال لـ”القدس العربي” إن اعدام صحافيي غزة يعود لكونهم تمكنوا من كشف الحقيقة، وأضاف “الحقائق التي يرسلها الصحافيون من غزة أزعجت إسرائيل، وإسرائيل تقتل الحقيقة ولا تريد لها أن تظهر”، ويوضح أبو سالم أن ما شهده قطاع غزة من تصعيد خلال 22 شهرا ضد الصحافيين، فاق ما تعرض له الصحافيون في كل العالم طوال فترة الحرب العالمية الثانية التي استمرت لست سنوات، ففي تلك الحرب قتل نحو 70 صحافيا، فيما قتل خلال فترة الحرب 238 صحافيا من غزة.
الصحافي الميداني جبريل أبو كميل، قال لـ “القدس العربي” إن قتل أنس ومحمد وزملائهم “حدث مؤلم”، رغم أنه بات أمرا عاديا بالنسبة لإسرائيل، التي اعتادت على ذلك، في ظل عدم وجود رادع دولي، لافتا إلى أن قتل الصحافيين يشكل عبئا أكبر على الصحافيين في الميدان، خاصة في ظل الحديث عن عملية عسكرية كبيرة لجيش الاحتلال في غزة، وفي ظل عدم وجود صحافة أجنبية تشارك في التغطية، وطالب أبو كميل بضرورة أن تكون هناك حماية دولية لصحافيي غزة، خشية من قتلهم في العملية العسكرية البرية التي يهدد الاحتلال بتنفيذها قريبا.