قدم آخر أعماله «جرانتي العزيزة» في مهرجان الحمامات الدولي الفاضل الجزيري… الوداع الأخير لسيد الفنون الدرامية في تونس

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: سادَ الظلام على المشهد الثقافي التونسي صباح يوم 11 آب/اغسطس 2025، وكأن ستارًا أسدل ببطء على الركح لينهي قصة فنية جميلة من قصص تونس المشوقة التي لا تعرف نهاية. لقد خيّم صمت رهيب على المسارح وخلف الكواليس وذلك مع ورود النبأ الأليم المتعلق برحيل المبدع التونسي والمسرحي الكبير الفاضل الجزيري بعد صراع طويل وصامت مع المرض.
قدّم الفاضل الجزيري نفسه للجمهور قبيل وفاته، من خلال مسرحية «جرانتي العزيزة» أي (كماني العزيز) وذلك في مسرح الحمامات، حيث بدت النجوم مُتدليةً في تلك الليلة، وكأنها تُنصت باهتمام إلى هذا المبدع. لقد حلّقت روحه فوق المسرح، مُسبغة على الأمسية أناقة نادرة، وعاطفة وفيّةً لنبله الرصين وذلك كتحية أخيرة، ووداعٍ سريّ.

الليلة الأخيرة

قدم فاضل الجزيري على مسرح الحمامات وفي إطار الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي مسرحيته «جرانتي العزيزة» التي تحدث فيها عن علاقة الفن بالسياسة في تونس منذ الاستقلال وإلى ما بعد الثورة. ولعله شعر بأن تلك الليلة ستكون ليلته الأخيرة فأدى رسالته الفنية الأخيرة تجاه شعبه وقدم له عرضا يليق به أولا، وبعراقة المهرجان الدولي بالحمامات ثانيا.
تعرض الجزيري من خلال هذه المسرحية إلى شخصيات سياسية وثقافية عرفتها تونس بداية بالرئيس بورقيبة ومعارضيه من اليوسفيين، وصولا إلى وزيره الأول الهادي نويرة، ووزيريه أحمد بن صالح والشاذلي القليبي. كما تعرض إلى حركة آفاق برسبكتيف اليسارية المعارضة التي تعرضت للقمع زمن الرئيس بورقيبة. وتعرض أيضا إلى الثورة التونسية ومغادرة الرئيس الأسبق بن علي لتونس يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011.
كما تعرض لشخصيات فنية هامة في مجالات متعددة مثل الموسيقى والمسرح والأدب والتصوير وغيره، وطرح إشكاليات تتعلق بعلاقة الفن بالسياسة ودور مؤسسات الدولة في المجال الثقافي ومدى تأثيرها.
يروي الفاضل الجزيري من خلال شخصية «ماهر» الملقب بـ «بيتهوفن» قصة حياته بما في ذلك عمله في فرقة الإذاعة الوطنية التونسية. وتم الجمع في هذا العرض بين التمثيل والموسيقى والغناء والرقص وجرى تأثيث الركح بعروض جميلة للممثلين إشراق مطر وسليم الذيب.
كان ماهر، الملقب ببيتهوفن، على علاقة جيدة بزوجته لكنهما انفصلا بالنهاية، فاختار ماهر «الجرانة» أو آلة الكمان كرفيقة جديدة لدربه عوضا عن زوجته. ويمثل ماهر الكثير من التونسيين الذين اختاروا العزلة في حياتهم الاجتماعية بعد الثورة التي فشلت في تحقيق أحلامهم وطموحاتهم الكبيرة.

صقله المسرح

وُلد الفاضل الجزيري سنة 1948 في العاصمة، وبالتالي فقد نشأ في قلب مدينة نابضة بالثقافة منذ صغره، ونما شغفه بالفنون الركحية في أواخر الستينيات ضمن نادي الشبيبة المدرسية بالمعهد الصادقي. وانضم إلى فرق المسرح الجامعي في لندن وباريس حيث أكمل دراسته الجامعية وذلك قبل أن يتدرب على الإبداع المسرحي على يد أساتذة مسرح تونسيين وأجانب.
عاد الجزيري إلى تونس ليؤسس سنة 1971 مهرجان المدينة وكذلك فرقة مسرح الجنوب بمدينة قفصة بالجنوب الغربي للبلاد، وهي الفرقة التي تحولت إلى واحدة من أهم الفرق المسرحية في البلاد حيث ذاع صيتها خارج الديار بالنظر إلى أهمية ما قدمته من أعمال. كما شارك الجزيري في تأسيس المسرح الجديد، وهو فضاء للتجريب والجرأة، يمزج فيه بين التقاليد الشعبية والكتابات المعاصرة برؤيته الثاقبة التي رسخت الحوار بين الثقافات ووضعت تونس على خريطة المسارح العالمية الكبرى.
قدم الفقيد أعمالا مسرحية مرجعية سواء كمخرج أو كممثل، مع فرقة المسرح الجديد على غرار «الكريطة» و«غسالة النوادر» التي ذاع صيتها واعتبرت إحدى روائع المسرح التونسي وأعماله الخالدة. كما أبدع الجزيري في العروض الموسيقية الركحية الفرجوية مثل عرض «النوبة» و«نجوم» و«كاليغولا» وغيرها.
ومن بين أهم إبداعاته عرض «الحضرة»، وهو لوحة موسيقية وكورالية تحتفي بالتراث الصوفي التونسي تم عرضه في أهم مسارح البلاد وخارج الديار أيضا. كانت «الحضرة» عنوانا لعرض موسيقي صوفي أنجزه الجزيري وأطلق عليه هذه التسمية وافتتح به إحدى دورات مهرجان قرطاج الدولي، فباتت هذه التسمية بفضله عنوانا لنمط موسيقي ناجح جعل بعض مواطني دول قريبة من تونس يقلدونه ويرددون عن جهل بأن لديهم حضرة أيضا.
أبدع الفاضل أيضا في مجال السينما وأنتج أفلاما هامة منها «العرس» و«غسالة النوادر» و«عرب» و«ثلاثون» و«خسوف». وتحمل هذه الأفلام ذاكرة عصر الجزيري وأسئلته، مثل «ثلاثون»، الذي يجسد فيه ببراعة آمال جيل وآلامه. ولطالما تغذى فنه من اهتمامه العميق بالذاكرة الجماعية، التي يعتبرها أساسًا ومصدرًا للمستقبل.

حلمٌ مُعلّق في جربة

أراد الجزيري في سنة 2022 تحقيق حلمه بتأسيس مركز الفنون بجزيرة جربة المُصمّم ليكون ملتقىً لمختلف الأنماط الفنية، ومكانًا للتنفس ونقل المعرفة وتحقيق اللامركزية الثقافية التي طالما حلم بتحقيقها الراحل الكبير. لكن الحلم لم يكتمل ولم يقع الاستماع إلى أصوات رواة القصص في ذلك المكان من الجزيرة، ولم تقع مشاهدة الممثلين وهم يتدربون على عروضهم، ولم يصدح الفنانون بأغانيهم الطربية ولا عرض الرسامون التشكيليون لوحاتهم.
لقد كان من المُقرّر أن يكون هذا المشروع، الذي صاغته يدا الفاضل الجزيري وروحه، إرثًا حيًا للأجيال اللاحقة لتواصل السير على دربه لكن الحلم لم يكتمل. ومن المؤكد أن هناك من سيُتم هذا الحلم من بعده خصوصا من بين أولئك الذين آمنوا برسالته الفنية الراقية التي أشعت إبداعا طيلة عقود على التونسيين.

قوة هادئة

لم يُضعف المرض الفاضل الجزيري، إذ أنه عمل واجتهد ونصح وشجّع حتى اللحظات الأخيرة من عمره. وقد تحدث كل من عرفه عن قرب بما مفاده أنه رجلٍ مُتطلب ولطيف في آنٍ واحد، قادرٍ على تحويل الصمت إلى درس، والنظرة إلى تشجيع. لقد «كانت لديه هذه الطريقة الفريدة في غرس الإيمان بالإمكانيات»، حسب ما صرحت به ممثلة سابقة في فرقته.
دعم الجزيري خلال مسيرته مئات الفنانين الذين دربهم، وألهمهم، وبالتالي فقدت تونس مُعلمًا بارزًا. إنه رجل أدرك أن الفن ليس مجرد مهنة، بل هو مسؤولية تجاه المجتمع والمستقبل. ولذلك ستظل أعماله راسخة في الذاكرة الجماعية لتنير دروب الأجيال القادمة وما أحوجها لمثل هكذا أعمال.
الفاضل الجزيري هو «نَفَسٌ مُتقدٌّ للمسرح والسينما والذاكرة الجماعية»، مثلما وصفه أحدهم، رجل لا يعرف الكلل والملل، ولا يعرف الراحة أيضا، فما أن يحقق نجاحا في عمل من الأعمال حتى يسارع إلى إنجاز عمل آخر يتفوق به على ما سبقه. ويعتقد المرء مع كل نجاح يحققه الجزيري أنه وصل إلى القمة، وأنه لم يعد بإمكانه أن يحقق أفضل مما حقق، لكن الراحل يصر على التحدي في كل مرة ويثبت أنه معين لا ينضب من الإبداع الفني وأنه دائما في جرابه الجديد.
الفاضل الجزيري ليس مجرد فنان عادي مثل الكثيرين، إنه رؤية فنية متميزة ولا تشبه غيرها جعلت من المسرح فضاء تمتلئ فيه الكلمات والحركات بالحقيقة والتاريخ. هو مدرسة فنية بكل ما للكلمة من معنى ستستفيد منها الأجيال الجديدة من المسرحيين والمختصين في الفنون الركحية ومصممي العروض الفنية الكبرى وكذا السينمائيين بمختلف اختصاصاتهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية