صنعاء ـ «القدس العربي»: ما زال التحسن النسبي لسعر الريال في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أمام العملات الأجنبية مثار تساؤلات عديدة؛ لاسيما وأن هذا التحسن لم يستند إلى احتياطي نقدي أو نمو في الإيرادات على حساب تراجع في ميزان المدفوعات؛ الأمر إلذي يدفع إلى أهمية الوقوف على حقيقة ما جرى؛ بمعنى مناقشة الأسباب الحقيقية وراء هذا التحسن، وضمانات استمراره، وحقيقة انعكاسه على أرض الواقع، لاسيما وأن البعض يعتبر هذا التحسن وهميًا ومؤقتًا، بينما يعتبره آخرون «هدنة اقتصادية» تستند إلى قوة سياسية خارجية أكثر منها قوة اقتصادية داخلية.
تراجع السعر من 2800 إلى 1600 ريال للدولار؛ لكن التراجع ما زال مقصورًا لدى سوق تداول العملات المحلي على سعر شراء العملات؛ ولم ينعكس بوضوح على سعر بيعها لدى غالبية الصرافين؛ وهو ما أكده مصدر محلي لـ«القدس العربي» في عدن، موضحًا أن محلات الصرافة ما زالت ترفض بيع الدولار الأمريكي؛ لكنها تشتريه بالسعر الذي حدده البنك المركزي.
تقوم شركات الصرافة المحلية على رساميل ما تزال محدودة الإمكانات، وبالتالي نسبة الخوف على مدخراتها كبيرة وعالية، إذ لا يمكنها أن تغامر؛ لأن قدراتها أضعف من امتصاص تداعيات الخسارة؛ وقبل ذلك تستند مخاوفها إلى معرفتها بما تمتلكه الحكومة؛ وما في خزانة بنكها المركزي؛ وفق أحد المراقبين؛ بينما يذهب آخرون لاعتبار التحسن الراهن يستند إلى سياسة اقتصادية مختلفة ستظهر مؤشراتها أكثر وضوحًا في الأيام المقبلة، لاسيما مع ظهور نتائج أولية في تراجع أسعار بعض السلع.
تدابير ظرفية
طبقًا للصحافي والمحلل الاقتصادي، عبد الحميد المساجدي، رئيس منتدى الإعلام الاقتصادي والبحوث في عدن، فإن «التحسن الأخير في سعر صرف الريال اليمني في مناطق الحكومة لا يمكن النظر إليه باعتباره مؤشراً على تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل هو في جوهره انعكاس لمجموعة من التدابير الظرفية والإجراءات الإدارية التي استهدفت معالجة أحد أهم أسباب الانهيار السابق، وهو المضاربة المفرطة على العملة». ويعتقد المساجدي أن «هذا التحسن يمثل محاولة لإعادة السوق إلى مساره الطبيعي، بعد أن كان السبب الرئيسي للتدهور الكبير في قيمة العملة الوطنية خلال الفترة الماضية هو غياب الرقابة الفاعلة على أنشطة الصرافة وتوسع شبكات المضاربة، سواء عبر شركات صرافة أو قنوات تحويل موازية. وقد كان لتدخل البنك المركزي في عدن، من خلال تعليق تراخيص عدد من شركات الصرافة وضبط بعض عمليات المضاربة، أثر مباشر في إحداث انكماش مؤقت في الطلب على العملة الأجنبية».
واستطرد يقول متحدثا لـ«القدس العربي»: «إضافة إلى ذلك، أسهم انتقال عدد من البنوك وأنشطتها من صنعاء إلى عدن في رفع المعروض المفاجئ من العملات الأجنبية في السوق».
قوة سياسية
كما يرى «أن البُعد السياسي لعب دوراً مهماً في تسريع وتيرة هذا التحسن، بدءاً من الضغوط الأمريكية على الأطراف المؤثرة داخل الحكومة الشرعية لدعم تدخلات البنك المركزي، مروراً بوقف نشاط بعض شركات الصرافة البارزة في المضاربة، وصولاً إلى ما يمكن وصفه بالإشارة السياسية، التي أوحت بوجود دعم خارجي ضمني لهذه التحركات، وهو ما عزز الثقة المؤقتة لدى المتعاملين في السوق».
وانطلاقًا من ذلك يذهب المساجدي للتأكيد أن «هذا التحسن يعتبر سريعاً وصادماً للسوق لعدة أسباب، أبرزها أن القرارات التنظيمية كانت حادة ومركّزة زمنياً، وترافقت مع أجواء سياسية حملت رسائل قوية بأن التدخلات هذه المرة ليست شكلية. كما أن طبيعة السوق اليمنية، بكونها صغيرة وضعيفة البنية، تجعل أي تغيير مفاجئ في المعروض أو الطلب على النقد الأجنبي ينعكس مباشرة وبحدة على سعر الصرف. فالسوق لا تملك عمقاً مالياً أو مؤسساتياً قادراً على امتصاص الصدمات أو توزيعها على مدى أطول، كما هو الحال في اقتصادات أكبر وأكثر تنوعاً».
بيع العملات
لكن بقي ذلك التحسن في سوق التداول مقتصرًا على سعر شراء العملات أكثر منه في بيعها.
ويرى عبدالحميد المساجدي أن «الصرافين والتجار ما زالوا حذرين من احتمالية ارتداد الأسعار، ما يدفعهم لتقييد عمليات بيع النقد الأجنبي، ويفضلون الاحتفاظ به كأداة تحوط ضد أي انتكاسة مفاجئة».
ويضيف: «كما أن البنك المركزي، في ظل غياب احتياطيات خارجية كافية من النقد الأجنبي وضعف سيطرته على الكتلة النقدية المحلية، غير قادر على التحكم الفعلي في المعروض من الدولار كما تفعل لجنة المدفوعات الحوثية في صنعاء، التي تدير السيولة بقبضة مركزية وتفرض مساراً محدداً لحركة الأموالـ«.
على صعيد ترجمة هذا التحسن إلى واقع يلمسه المواطن يقول: «نظرياً، كان يُنتظر أن ينعكس هذا التحسن على انخفاض أسعار السلع المستوردة وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ما يعزز ثقة المستوردين والمستثمرين. وبالفعل، ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية على صعيد أسعار السلع، لكنها بقيت متفاوتة من سلعة لأخرى ومن منطقة لأخرى، في ظل ترقب التجار والمستوردين لفترة استقرار أطول قبل تعديل قوائم الأسعار بشكل واسع».
ضمان
أما ضمان استمرار هذا التحسن فهو يتطلب ـ حسب المساجدي- «شروطاً أكثر عمقاً من مجرد قرارات إدارية أو حملات مؤقتة. فوجود احتياطي نقدي مستدام من العملة الأجنبية لتغطية الاستيراد والوفاء بالالتزامات الخارجية هو حجر الأساس لأي استقرار حقيقي. كما أن توفير دعم خارجي مباشر، سواء عبر ودائع أو منح أو قروض ميسرة، إلى جانب إصلاحات اقتصادية هيكلية تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وضبط المنافذ، ومنع التهريب، وإعادة تشغيل صادرات النفط والغاز، كلها عوامل لا غنى عنها لتحقيق استقرار طويل الأجل. ومع ذلك، تبقى هناك مفارقة، إذ أن بعض الإصلاحات المطلوبة ـ مثل رفع الدولار الجمركي ـ قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات من جديد، ما قد يبدد جزءاً من المكاسب التي تحققت بفعل تحسن سعر الصرف».
ويذهب إلى اعتبار التحسن الحالي كبعض المراقبين «هدنة اقتصادية» أكثر منه تعافياً مستداماً، «نظراً لارتباطه بعوامل سياسية ظرفية أكثر من ارتباطه بمؤشرات اقتصادية حقيقية. غياب التحسن في موارد الدولة، واستمرار العجز الكبير في ميزان المدفوعات، والتجارب السابقة لفترات انتعاش قصيرة أعقبتها انهيارات حادة، كلها تعزز هذا الشك». ويخلص المساجدي إلى «أن أي استقرار للعملة في ظل غياب احتياطي نقدي أو تدفقات مستقرة من العملات الأجنبية سيبقى هشاً وعرضة للانهيار بمجرد حدوث أي اضطراب في السوق، خاصة وأن السوق اليمنية لا تزال بيئة مفتوحة أمام الصدمات الخارجية والداخلية على حد سواء».