محمود البريكان عائداً من عزلة الفنارٍ

حاتم الصكَر
حجم الخط
0

كثيراً ما كرر الشاعر الراحل محمود البريكان (البصرة 1931-2002) في حواراته ومجالسه، أنه بدأ كتابة شعر التفعيلة الحر بموازاة تجارب الرواد. بل صرح بأن له تجارب في الكتابة الشعرية يمكن عدها (ريادية) في سياق التجديد الشعري، في نهايات نصف الأربعينيات الثاني من القرن الماضي.
وها قد انتصفت له الثقافة العراقية بإصدار أعماله الشعرية الكاملة مؤخراً عن دائرة الشؤون الثقافية ببغداد، لتكون متاحة في مناخ الاحتفاء القادم بمئوية الشعراء الرواد، فيكون باصطفافة مع هؤلاء الرواد، أحبه وذكره كثيراً. فكأنه يعود من عزلته وصمته ليطلّ من فنار هذه الأعمال ومجمل ما نشر، أو كتب ولم ينشر. إذ عكفت لجنة تحقيق أعماله على وضع تلك الأعمال في سياق القراءة المكتملة والموحّدة، بعد أن كان ما نُشر من شعره يضم القليل من نصوصه المتاحة.
ومن المفارقات التي تكتظ بها حياة البريكان أنه لم يكن والد المنشور من قصائده، بمعنى تولي سواه من المهتمين نشر تلك الأعمال، فيقومون بدور القابلة لأشعار لم تحظ بلمسة والدها الذي خبأها أو صانها من العلن، وأقدمها كان المختارات التي نشرها الشاعر عبدالرحمن طهمازي.
ولكن الأهم في تجربته الشعرية تميزه بأسلوب لا يتخلى عن أمرين:
ــ الوزن المخفف موسيقياً غير المحتفي كثيراً بالبيت الشعري كبنية ثابتة، وبلوازم الإيقاع التقليدية إلا ما كان ضروريا منها.
ــ والفكرة المعمقة القريبة من التأمل الفلسفي في الوجود والكينونة ومآلات الإنسان المصيرية في عناء الحياة وقيودها وتحدياتها، والتي لا يخطئ القارئ احتفاء الشاعر بها في ما يكتب اطرداً في قصائده المتاحة بدون استثناء.
جاءت شهرة البريكان وتمركز موقعه في الشعرية العربية، بسبب عزلته وصمته سنوات عن النشر. فكانت تلك مفارقة كبيرة أن يلج الشهرة والقراءة الواسعة والاهتمام النقدي بعد صمت وانقطاع وزهد تام بالنشر، ما دفع المؤولين لافتراض كثير من الاحتمالات التي فنّدها البريكان نفسه خلال حواراته ولقاءاته رغم قلتها. فهو اكتفى بما نشر مبكراً، لاسيما في الخمسينيات والستينيات من قصائد كان لها وقع كبير في التلقي. وجرى التركيز على قصيدته «حارس الفنار» التي يمكن أن تعد عمله الأشهر، وعلامة على مرحلة يمكن تسميتها مرحلة حارس الفنار التي استغرقت ما كتب من قصائد بين عامي 1958 و1969.
في القصيدة تختلط النبوءة بالأمل المنكسر وانتظار نهاية العالم والإنسان. والحارس الذي يرقب من فناره ما يلقي البحر من مشاهد لسفن وبشر ينكسرون، كأنهم يبحرون في الحياة ذاتها. بينما يراقب الحارس كل شيء متمهلاً منطوياً على احتدام وقلق يبين من أسئلته، وما هيأ لحفلة الرؤيا هذه:
«أعددت ُ مائدتي وهيأت ُ الكؤوس
متى يجيء
الزائر المجهول؟
أوقدتُ القناديل َالصغار
ببقية الزيت المضيء
فهل يطول الانتظار؟
أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياحْ
في آخر الساعات قبل توقف الزمن الأخير
في أعمق الساعات ِصمتا
حين ينكسر ُالصباح
كالنصل فوق الماء حين يخاف طير أن يطير
في ظلمة الرؤيا
سأركب موجة الرعب الكبير
وأغيب في بحر من الظلمات ليس له حدود
أنا في انتظار الزائر الآتي
يجيء بلا خطى
ويدقّ دقته ُعلى بابي.. ويدخل في برود».
هذا الزائر المجهول في مصادفة قدرية رهيبة يجيء ليغتال حياة الشاعر وهو في سكون غرفته ووحدته وتأمله. تتوالى صور العنف في القصيدة والمصائر المحزنة والتيه الذي تبحر فيه السفن فيما يطالع حارس الفنار ذلك كله منعزلاً مراقباً لكنه مسهم في رصد كل ما يجري، وما سيحصل أيضاً.
وصفت بعض القراءات النقدية المرحلةَ التالية لحارس الفنار بأنها (موت شعري). لكن الشاعر يدحض هذا الوصف، إذ أنه بشهادة المقربين من الزملاء كان يعيش الشعر كتابة وقراءة ورصداً.
وهو ما تبينته شخصياً إذ عملت عام 1993 على لقائه بمعونة الشاعر البصْري الراحل رياض إبراهيم الذي صحبني في زيارة البريكان في منزله في البصرة، والاتفاق معه على نشر عمل شعري له في مجلة «الأقلام» التي كنت حينها أتولى رئاسة تحريرها. ولعله أول عمل منشور له يهبه اسماً، ويبيح الاطلاع عليه قبل نشره ثم يشرف على طباعته، ويدقق القصائد بحرصه المفرط والمشروع، قبل النشر. فهو يخشى كما قال لي أن يتم العبث بنظام الجملة الشعرية التي كانت لها بنية خاصة في شعره، إذ تمتد الجملة لأكثر من سطر. وقد تنتهي موجزة، لتليها في السطر الشعري نفسه جملة أخرى تفصلها عن الأولى نقطة وحسب. فقد كان يهتم كثيراً بهيكل النص. وكرر طلبه بألا يعَدل طباعياً لأي سبب، النظام الخطي للقصائد.
كان البريكان كما رأيته في ذلك اللقاء مواكباً لحداثة القصيدة العربية، فضلاً عن مراقبته المدهشة، والمفاجئة بالنسبة لي، للمشهد الشعري المعاصر بتفاصيله الدقيقة، أي أنّ عزلته كانت ذات طابع فناري، فهو يراقب من معتزله القصيّ نبض الحياة، ويبلور قلقه ومخاوفه وتجلياتها الصورية في الشعر.
كانت الحصيلة نشر ثماني عشرة قصيدة كتبها بين عامي 1970 و 1992، ووضع لها عنواناً هو «عوالم متداخلة»، نشرناها مجتمعة في العدد المزدوج 3-4 عام 1993. وكتبتُ لها قراءة نقدية كمقدمة للملف الخاص بالعمل أسميتها «الذكرى تلاعب النسيان»، مستمداً ذلك من قوله في القصيدة الأولى من المجموعة المعنونة «قدّاس لروح شاعر على حافة العالم» المؤرخة في عام 1970:
«عند خط الحدود
تُسفر عن طلّسمها الأحزان
وتلعب الذكرى مع النسيان».
لقد صنع الشاعر مزيجاً من أزمان تتوقف عندها القراءة، لأن لقاء الذكرى بالنسيان عضوي لا خطي فحسب. إنه لقاء شبّهتُه بمسرح لبدء الحياة، واتحاد الأحلام بالممكنات، والقدر الإنساني المحكوم بالغياب، فتغدو الذكرى ذاتها غيبوبة:
«..ووحده يموت في داخله الإنسان
في العالم الباطن
في مركز السريرة الساكن
في غيبوبة الذكرى».
إن لحظة الذكرى القائمة في رحم النسيان فكرة تدعو للتدقيق في دلالتها تلك بين حشد من تأملات فلسفية، وطيّات نثار الأفكار التي دافع عن وجودها في القصائد.
ففي حوار منشور عام 1970 نفسه، أجراه معه الشاعر الراحل حسين عبداللطيف، يعلن البريكان انحيازه لوجود الفكر في الشعر – وهو ما يميز تجربته بين أقرانه. انحيازه ذاك كان كما يقول «للشعر العميق الذي يبدو مشحوناً بالفكر، غير أنه في الواقع يتقد بحرارة خاصة، ويحمل من الإحساس أكثر مما يُسمّى في العادة شعراً عاطفياً». وهو يخفف من الحمولة الفكرية هذه باعتماد السرد في القصيدة، مستغنياً عن الغنائية والعاطفة السطحية. ثم يعمد إلى الشذرات الشعرية في مجموعة من قصائد قصار منحها عنواناً يبين عينة دمها وطبيعة شكلها الذي سبق فيه زملاءه، فأسماها «بلورات» لها بناء مكثف مع ترابط عضوي مهم في بنيتها:
«تُصادف الأحلام
تفسيرها في لحظة اليقظة
تصادف اليقظة تفسيرها
في حلم تدفنه الذاكرة».
فأقام الشاعر عبر جملتين متداخلتين لسانياُ مفترقتين دلالياً ما يرسخ فكرة الذاكرة التي تناوئ الحلم هنا لا النسيان. بل تبدو بلوراته شديدة التكثيف في صياغتها أحياناً بسطر شعري واحد وجملة شعرية واحدة، مثل: «في نقطة واحدة يشفّ عمق الكون» و«هل تسقط الألفاظ أستاراً عل المعاني؟».

لقد كنت في غاية السعادة، ونحن نقدم البريكان بعد قرابة عقدين من عزلة وصمت، في عمل ملفت بنية وخطاباً.
سيقدم الزملاء من بعد قصائد أخرى للبريكان نشرت عام 1998 في مجلة «الأقلام» التي تولوا تحريرها، وفيها تركيز سردي، يتمظهر في أسئلته ومشاهده وصوره.
تضيف تجربة البريكان دلالات كثيرة لخطاب الشعر المجدد، ولكن بكيفيات تفرد فيها، وصاغها محذراً ومنبئاً بطارق مفاجئ وزائر سبقه، وكلاهما حصيلة تأمله في المصائر، دون الانشغال بالعابر والطارئ والغنائي الزاعق. وستكون قراءة الأعمال الكاملة فرصة من دون شك لرؤية المزيد مما لم ينشر من قصائده، وإتاحة التعرف على اشتغالاته النادرة، وعمله الصبور حدّ النسيان في ظلال شغل الذاكرة وحفرها للغياب واستعادة المنسي في خط مفترض، للقارئ حق متابعته وجنْي ثمار شعريته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية