أية تأثيرات لرسوم ترامب الجمركية على الاقتصاد التونسي؟

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»:أثار موضوع الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تونس الكثير من الجدل لأهمية الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي والعالمي. واختلفت الآراء والتقييمات حول أسباب هذه الزيادة المشطة في الرسوم بين من اعتبره عقابا لتونس على مواقفها مما يحصل في قطاع غزة ومن اعتبر الأمر طبيعيا ويشمل كل الدول التي تتعامل معها واشنطن تجاريا.
وقامت الولايات المتحدة الأمريكية، وفي إطار سياستها التجارية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية قدرت بـ 25 في المئة على صادرات تونس وبداية من يوم 1 آب/أغسطس 2025. وللإشارة يبلغ حجم الصادرات التونسية نحو الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 1.1 مليار دولار أمريكي سنويا، فيما تبلغ الواردات التونسية من واشنطن حوالي 600 مليون دولار.
وتستأثر الولايات المتحدة تقريبا بعشر الصادرات التونسية إلى الخارج، وبـ26 في المئة من صادرات أهم منتوج فلاحي تونسي وهو زيت الزيتون، أي أكثر من ربع هذه الصادرات التي ساهمت بشكل كبير في الحد من عجز الميزان التجاري. وتصدر تونس أيضا إلى الأسواق الأمريكية التمور وخصوصا «دقلة النور» التي اشتهرت بها الخضراء وقامت بتصديرها إلى العالم منذ سنة 1890 وبلغت قيمة صادراتها منه إلى أمريكا وحدها 100 مليون دولار.
كما تصدر تونس إلى أمريكا الملابس والنسيج وتمثل أكثر من 30 في المئة من إجمالي صادرات البلاد إلى السوق الأمريكية، إضافة للمنتوجات الميكانيكية والإلكترونية والمعدات الكهربائية، وقطع غيار السيارات، والأدوية والأسمدة الكيميائية.
يرى البعض أن الرسوم الجمركية الجديدة سيكون لها تأثير سلبي بالأساس على القطاع الفلاحي باعتبار أن منتوجات هذا القطاع هي أهم صادرات تونس إلى الولايات المتحدة. وأهم القطاعات الفلاحية التي ستتضرر، حسب هؤلاء، هو قطاع زيت الزيتون وهو الذي يستفيد منه قرابة المليون تونسي من بينهم 200 ألف فلاح. وتشير التوقعات إلى أن تونس ستعرف إنتاجا وفيرا هذا الموسم من زيت الزيتون وبالتالي فمن المفروض أن تتم الزيادة في حجم الصادرات من هذا المنتوج لولا أن هذه الزيادة في الرسوم الجمركية من قبل الولايات المتحدة قد تقف عائقا أمام هذه الرغبة في رفع حجم الصادرات وتحقيق المزيد من الأرباح.
ويُخشى بالفعل في تونس من أن يتسبب قرار ترامب في تراجع الطلب على الصادرات التونسية التي ستصبح أقل تنافسية بسبب هذه الرسوم التي ستجعل شركات التوريد الأمريكية تبحث عن منتجين آخرين تجلب من عندهم ما يتم توريده عادة من تونس ويضيع جهد عقود من التسويق للمنتوج التونسي ويذهب سدى. كما يُخشى أيضا من أن تضطر الشركات التونسية المصدرة إلى خفض أسعار المنتوجات التونسية أو تقليل هامش ربحها وهو ما سيؤثر عليها سلبا وعلى الدولة التي ستتراجع إيراداتها من العملة الصعبة.

البحث عن حلول

وللإشارة فإن هناك مفاوضات بين الطرفين التونسي والأمريكي من أجل النزول بهذه النسبة إلى 10 في المئة ورغم ذلك يوجد قلق حقيقي لدى المصدرين من إمكانية أن تفشل هذه المفاوضات. ويبدو، بحسب البعض، أن هناك مؤشرات إيجابية تتعلق بنتيجة المفاوضات، وأن الفريق المفاوض لديه من الأوراق والحجة والتمرس على الدبلوماسية الاقتصادية ما يمكنه من أن يقنع الطرف الأمريكي على النزول بالنسبة التي قدمها فريق الرئيس ترامب.
ويرى هؤلاء أن فرض الرسوم الجمركية الأمريكية ورغم أنه مضر بالاقتصاد التونسي إلا أنه قد يكون دافعا للتونسيين للبحث عن أسواق أخرى بهدف تنويع الشركاء التجاريين وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. فزيت الزيتون التونسي على سبيل المثال حائز على شهرة عالمية بفضل جودته التي جعلته سنويا يفوز بجوائز عالمية لا تحصى، بالإمكان استغلال هذه الشهرة وتسويقه في بلدان أخرى.
ويلام في تونس كثيرا على البعثات الدبلوماسية التونسية في الخارج التي يراها البعض مقصرة في مجال التسويق للمنتوجات التونسية في البلدان المعتمدة فيها وعدم حرص الكثير منهم على جلب الاستثمارات الأجنبية إلى تونس. ويؤكد هؤلاء أنه لو كانت لتونس ديبلوماسية نشيطة لديها القدرة على إيجاد الأسواق الجديدة لما انتاب الناس هذا القلق من الزيادة في الرسوم الجمركية الأمريكية.

طريقان متوازيان

يرى الخبير الاقتصادي التونسي عماد بالرابح في حديثه لـ«القدس العربي» أن الزيادة الأمريكية في الرسوم الجمركية الموظفة على الصادرات التونسية نحو أمريكا تأتي في إطار سياسة أمريكية جديدة اقترنت بالرئيس الأمريكي تغلب المصلحة الأمريكية على باقي المصالح. فالولايات المتحدة، وحسب محدثنا، تشتري الكثير من تونس في إطار دعمها للاقتصاد التونسي وبالمقابل لا تفرض على تونس أن تشتري من عندها وبالتالي فإن الميزان التجاري مختل بين الطرفين لصالح تونس خلافا مثلا لما هو الحال مع دول مثل الصين والجزائر وتركيا، تشتري منها تونس ولا تصدر لها الكثير ويختل الميزان التجاري معها لصالحها.
ويضيف بالرابح قائلا: «على تونس أن تسعى بكل السبل إلى التفاوض مع الجانب الأمريكي الذي لا يفهم غير لغة المصالح وأن تجد معه حلا يرضي الطرفين ومصالحهما الاقتصادية بعيدا عن لغة الصداقة والعلاقات التاريخية المتينة التي تصلح للخطاب الدبلوماسي لا غير. كما بإمكان تونس أن تسوق منتوجاتها في العالم بشكل أفضل خصوصا في بلدان شرق آسيا، أي الصين واليابان وكوريا الجنوبية التي ارتفع طلبها على زيت الزيتون والتمور التونسية في السنوات الأخيرة مثلما شهد الطلب أيضا مع البرازيل وهي سوق بشرية هامة في جنوب القارة الأمريكية.
صحيح أن ترامب وضع تونس في مأزق بهذه الزيادة في الرسوم الجمركية لكن رب ضارة قد تكون نافعة لتحفيز تونس على الانفتاح على أسواق جديدة وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية أي بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. أما حديث البعض عن إمكانية أن تصدر تونس منتوجاتها الفلاحية إلى الولايات المتحدة من خلال دولة أخرى وسيطة كحل من الحلول لهذه المعضلة فستكون عواقبه وخيمة على الاقتصاد التونسي وقدرته التنافسية وحتى على الماركات التونسية التي قد تختفي من السوق أو تنسب لدولة أخرى ويذهب كل ذلك الجهد التسويقي الذي قام به التونسيون منذ نهاية القرن التاسع عشر وكل ذلك الجهد الفلاحي لتطوير بعض المنتوجات الفلاحية بدون فائدة».
ويعتبر الخبير الاقتصادي التونسي أن ترامب نجح في أن يجعل التوريد سلاحا وورقة يضغط بها على الدول التي يستورد منها وذلك خلافا للاعتقاد الراسخ بأن المصدر هو صاحب الفضل وهو الذي يجعل المورد في حاجة إليه وفي تبعية له ولبضاعته. ويؤكد محدثنا على أن تونس لا حل لها باختصار سوى الذهاب في طريقين متوازيين، في مفاوضات مع الجانب الأمريكي لتخفيض النسبة، مع تطوير صادراتها في الوقت نفسه إلى أماكن أخرى من العالم وعدم الاكتفاء بالشركاء التقليديين الذين لا غنى عنهم رغم كل شيء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية