مع قدوم الموسم الصيفي يزداد الإقبال على دور العرض السينمائية في العاصمة القاهرة والمُدن الرئيسية الأخرى بالأقاليم، حيث يتم عرض الإنتاج الأحدث من الأفلام بالتوزيع على عدد السينمات المُتاحة والمُجهزة والقابلة للتشغيل.
وكالعادة لا تستوعب دور العرض السينمائية كل أفلام الموسم، ويكون الحل الاضطراري هو تأجيل عرض بعض الأفلام للموسم اللاحق، ومن ثم تتعطل دورة الاقتصاد السينمائي المُعتادة ويعجز المُنتج عن تطوير مشروعة الإنتاجي الجديد في أغلب الأحيان.
هذه المشكلة تكررت كثيراً، وفي محاولة لحلها اقترح خبراء التسويق والمعنيون بعملية التوزيع أن تُستغل قصور الثقافة بالأقاليم في عرض الأفلام الجديدة، خاصة أنها تضم مسارح وصالات عرض بعدد مقاعد وفيرة تصل في بعض المواقع إلى 800 مقعد وهو عدد كاف لسد العجز واستيعاب نسبه كبيرة من الجمهور.
وعلى هذا الأساس ظن المُهتمون بالسينما وصناعتها ودخولها الاقتصادية أن هذا الحل يُمثل مخرجاً مهماً من الأزمة ولا يحتاج لميزانية مُرهقة للدولة أو وزارة الثقافة، لاسيما أن قصور الثقافة مُتاحة طوال السنة وليس بها من الأنشطة الأخرى ما يحول دون تنفيذ الفكرة، اللهم إذا كانت هناك بعض النشاطات المسرحية المحدودة التي تستدعي تعطيل العروض السينمائية لعدد قليل من الأيام.
كل هذه الأفكار تم تدارسها وأتُفق على إمكانية تطبيق المشروع السينمائي البديل كحل مؤقت لأزمة دور العرض، لحين النظر في القضية برُمتها والتمكن من صيانة وتشغيل دور السينما المهملة والمُعطلة داخل القاهرة وخارجها.
وبدأ بالفعل قصر السينما بغاردن سيتي في تطبيق الخُطة وعرض الأفلام الحديثة بأسعار رمزية كخدمة ثقافية للشباب من هواة السينما ومُحبيها.
خلال هذا العام ومع دخول فصل الصيف كان مُتوقعاً أن تعمل قصور الثقافة على مستوى الجمهورية على استيعاب المُنتج من الأفلام الحديثة بعرض ما تيسر منها بدون الحاجة إلى الوقوف في طابور الانتظار حتى إخلاء دار عرض سينمائية من الدور التجارية المُجهزة والتقليدية، ولكن ذلك لم يحدث ربما لعدم استعداد قصور الثقافة لاستقبال الأفلام والاكتفاء باستضافة العروض الخاصة للأفلام المُتميزة وتنظيم ندوات لمناقشتها كما كان معهوداً قبل عدة سنوات.
هذا الأمر أعاد إلى المشهد السينمائي مجدداً أزمة دور العرض في العاصمة وخارج العاصمة، فبرغم وجود الكثير من دور السينما إلا أن معظمها متوقف لأسباب تخص الملكية أو نتيجة تقادم المباني واستهلاك الآلات والمقاعد وغيرها من أوجه الإهمال والقصور.
غير أن تشجيع الفنادق الكُبرى على تشغيل القاعات السياحية بها قد قلص بشكل واضح نشاط السينمات التجارية الشعبية الأخرى ورفع قيمة التذكرة إلى أضعاف ما كانت علية قبل عدة سنوات فائتة، فلم يتبق من دور العرض الشهيرة إلا عدد محدود بوسط القاهرة في شارع طلعت حرب وعماد الدين وشارع التحرير، فهناك فقط سينما مترو وميامي ومصر بالاس وسينما التحرير وسينما كريم وسينما بيجال.
أما سينما راديو وسينما قصر النيل وسينما ريفولي وسينما الأوبرا وشبرا بالاس وفريال والشرق وعدد كبير من دور عرض الدرجة الثانية متوقف تماماً ولا أمل في تشغيله، خاصة أن أسباب التعطيل مجهولة ولا علم لأحد بها، فسينما الزيتون وسينما النهضة وسينما القرشية بديروط وسينما أسيوط الشتوي وسينما القوصية، كلها إما مُهدمة أو مُغلقة أو تم بيعها، كما تم بيع سينما فاتن حمامة بالمنيل قبل نحو خمس سنوات تقريباً في هدوء تام!
هذا بخلاف عدد آخر من دور العرض بالإسكندرية لا يعمل منها إلا القليل، وقد تكون وزارة الثقافة على علم وبينة بما يحدث، أو أنها لا تملك إحصائية دقيقة بعدد دور العرض السينمائية على مستوى الجمهورية، وبالتالي لا تعرف الدور التي تعمل والدور التي لا تعمل، وهذا في حد ذاته تقصير لأنه يعني تفريطا في ثروات مصر الثقافية وصروحها التاريخية والتراثية المهمة. إن وجود أكثر من قاعة عرض سينمائية داخل دار الأوبرا، كمركز الإبداع ومركز الهناجر والمسرح الكبير والمسرح الصغير، لا يعني إطلاقاً الكفاية التامة في هذا المجال الثقافي الحيوي بالغ الأهمية، لأننا كما ذكرنا سلفاً نفتقر للوفرة في دور العرض التجارية في أحياء كثيرة، وما هو مُتاح بالمُدن الإقليمية قليل أيضاً لأن التركيز كله مُنصب على المُدن الساحلية السياحية، حيث الفنادق ذات النجوم السبع والفئات القليلة القادرة من الجمهور، بينما الغالبية العُظمى من الناس محرومة من متعة مشاهدة الأفلام الجديدة لارتفاع سعر التذكرة وعدم وجود أماكن ملائمة. هذه الحالة ظهر انعكاسها بقوة خلال هذا الموسم وبالتحديد في المصايف، حيث لوحظ وجود عدد من المقاهي تعرض أفلاماً حديثة نسبياً لجمهورها في الساحات الواسعة كنوع من جلب الزبائن وتعويضاً عن العجز الواضح في دور السينما وتلبية لشغف الشباب والصبية والأطفال بالأفلام كوسيلة للترفيه والتسلية في حدود ما تيسر لهم من امكانيات.