أخونة ماسبيرو وأسرار الهجوم على المسلماني … لا يكفي أن تكون اختيار الرئيس!

حجم الخط
0

وإذ فجأة يتحول أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقًا)، إلى هدف للإعلام المصري، وكأنه محمد ناصر، فأدهش ذلك كثيرين، وتساءلوا وبراءة الأطفال في أعينهم: ماذا هناك؟! سأقول لهم: ماذا هناك!
قبل الإجابة على هذا السؤال المحوري، والذي ينتمي فلسفيًا للأسئلة الوجودية، سأذكركم بأنه حتى الأسبوع الماضي لم يكن أحد ينتقد أداء المذكور إلا كاتب هذه السطور، لأني أدرك أنه تغلب عليه المظهرية، وأزمتها أنها تمثل بديلاً استراتيجيًا لعدم العمل، وستعطي الناس إحساسًا أن هناك حركة داخل ماسبيرو، وظني أن القرار السياسي للنهوض بمبنى ماسبيرو لم يصدر بعد، وربما لن يصدر أبدًا، ولو قرر السيسي ذلك، لأحبطت الدولة العميقة قراره!
وكثيرون لا يشغلهم ما يشغلني، فشعارهم نصف العمى ولا العمى كله، ولو لم يفعل المسلماني غير رد الاعتبار لإذاعة القرآن الكريم، لكفاه، فقد أوقف الإعلانات التجارية بها، وأوقف دروس طارد المستمعين وزير الأوقاف السابق مختار جمعة، ودون ذلك فأرض الله واسعة، ومن لم يجد في التلفزيون المصري ما يجذبه إليه، قد يجد هذا في قنوات أخرى!
وبينما لا يوجد غيري على الجبهة، فقد فوجئت بسيل من الهجوم على المسلماني من الأذرع الإعلامية للسلطة، حتى طالبه يوسف الحسيني بالاستقالة، وقد تم اتهامه على نطاق واسع بأنه يقوم بأخونة «ماسبيرو»، كل هذا لأنه عين الناقد والأكاديمي حسام عقل في التشكيل الجديد للجنة الدراما، وليس معلومًا لدينا إن كانت هذه اللجنة قائمة قبله، لكن بعد أيام من تشكيلها، قيل يا داهية دقي، فالمسلماني عين حسام الذي هو من الإخوان المسلمين، اضبط إنه يؤخون المبنى!

غيرتي من حسام عقل

لم يضبطوا حسام عقل متلبسًا بأي مقال، أو منشور، أو موقف يثبت عليه هذا الاتهام، فلا صورة له في اعتصام رابعة، ولا مقال يمدح فيه الجماعة أو يدافع عنها، ولا منصب ولاه له الإخوان في فترة حكمهم، ولم نشاهده مع المرشد العام للجماعة يبايعه على المنشط والمكره، وهو في مصر يمارس عمله في الجامعة، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويغشى المنتديات العامة!
ولم أقترب من حسام عقل لكي أعرف انحيازاته الحزبية، غير أني استمعت له أحيانًا، وقرأت له بعض مقالاته، ووقفت على أنه متمكن من تخصصه، ربما جمعنا لقاء واحد، كان فيه مذيعًا وكنت فيه ضيفًا، وفي قناة لا أتذكر اسمها الآن، فها أنا أقتحم الستين من عمري المديد بإذن الله على قدمين ثابتتين، ولم تعد الذاكرة كما كانت!
وإذا كان حسام عقل من الإخوان، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة مبعثها الغيرة، فكيف يكون الإخواني في ‘أم الدنيا» لم يغادرها، ويتحرك فيها طولاً وعرضًا بينما لا يمكن لمثلي أن يعود إليها، وخصومتي مع القوم منعقدة. هذا فضلاً عن أمر آخر، وهو كيف يكون لدى الإخوان مثل هذه الكفاءة المهنية، ولا يعين مثلا وزيرًا للثقافة في حكم الرئيس محمد مرسي، أو حتى هيئة قصور الثقافة، إنهم حينئذ يثبتون أزمة في جوهر تكوينهم، ويكفي أن نعلم الصحافي محمد عبد القدوس، الذي شغل لدورات عدة رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحافيين وكان منفتحًا على جميع التيارات، لطبيعته الشخصية، ولكونه نجل الكبير إحسان عبد القدوس، ومع كونه من الإخوان لم يعينه الحكم الإخواني عضوًا، مجرد عضو، في المجلس القومي لحقوق الإنسان، لكنهم عينوا نادر بكار، الذي يفتقد لأي مؤهل أو سوابق لهذا الموقع الحقوقي!
لقد أخطأ المسلماني عندما رد على الهجوم عليه بأنه لم يشكل بعد لجنة الدراما، فيبدو أنه كان «مخضوضًا» أكثر مما ينبغي، ولم يكن شجاعًا فيدافع عن قراره، وهذا التولي يوم الزحف، كان فرصة للانقضاض الجماعي عليه، فالتشكيل منشور.

كلهم تقربوا للإخوان بالنوافل

ولأنها حملة، فقد تبين أن الأذرع الإعلامية حاضرة بمقولات سابقة للمسلماني في حكم الإخوان، وربما قبل ذلك، عن جذور والده الإخوانية، وانحيازه لتجربتهم في الحكم، وهذا باب لو فتح لكان مدخلا لشيطنة الجميع، بمن في ذلك الذين يهاجمون المسلماني، فكلهم تقربوا للإخوان بالنوافل، وعند افتتاح مقر عام الجماعة بعد الثورة، اندفع الجميع إلى هناك، حتى رفعت السعيد الذي قضى حياته يهاجم الإخوان، وحتى اللواء فؤاد علام، نائب رئيس جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق، والذي كان الإخوان قبل قليل يتهمونه بقتل القيادي في الجماعة كمال السنانيري في محبسه!
ولم أحضر افتتاح المقر، لكني حضرت لأول مرة إفطار الجماعة في شهر رمضان، ولعل الدعوة وجهت لي بحكم منصبي «رئيس تحرير»، وعدت لأكتب تقريرًا عن الزيارة، كان عنوانه «مصر كلها هناك»، ولو فتش المسلماني في الدفاتر القديمة، لاكتشف أن الجميع في «الهوى سوا»، لكن المسلماني لا قبل له بالمواجهة، لأنه مرتبك، ولإدراكه أنها الحرب، وأنه مستهدف بشكل شخصي وأنهم سيحطمون عظامه، وهنا نكون قد وصلنا بحمد الله إلى بيت القصيد!
المقولات المنسوبة للمسلماني ليست جديدة، فقد قالها ومع ذلك وقع اختيار أهل الاختصاص في الجيش له مستشارًا للرئيس المؤقت عدلي منصور، في المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب، وكان في الممارسة يتجاوز دور المستشار، فيجور على اختصاص الرئيس المؤقت والذي يبدو أنه زاهد في أي دور، ولم يذكر له أحد هذه المقولات، فقد كان من هم في الصورة يخطبون وده، بمن في ذلك قمم في السياسة والإعلام، وعندما يتم استدعاء سلاح الأرشيف ضده في هذه المعركة، فإنها حملة تصفية وإنهاء وجود، وهو ما سنوضحه بعد قليل!

الدولة العميقة ودخول الغرباء

إنها الدولة العميقة، وهناك خطأ مفاده أنها الدولة القديمة، ولهذا فإن الأنظار تلتفت عند ذكر المصطلح إلى دولة مبارك، وهو ما يفرغ المفهوم من مضمونه، فالدولة التي تدير الإعلام على مدى خمسة عشر عامًا، تخشى من دخول غرباء على مجالها الحيوي، ولو كان هذا رئيس الدولة نفسه، وهي كفيلة بإنهاء وجود أي اختيار، ولو من طرف الجنرال نفسه، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام ليس من اختيارها.
وقد كان الراحل ياسر رزق هو أقرب الصحافيين، إلى قلب السيسي، وعقله، ووجدانه، حتى أنني وصفته بكليمه، فقد تم الانقضاض عليه، ليموت مكلومًا وهو الذي يعاني من أمراض عدة، فلم يتحمل كل المؤامرات التي حيكت ضده، والشهادة لله وهو الآن في عالم الحق، كان يمكن أن يكون صمام أمان في كثير من الملفات!
والدولة العميقة التي تسيطر على الإعلام، وتراه إقطاعية خاصة بها، كانت ترى في مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام عقبة كؤودًا في طريق هيمنتها على المشهد بأكمله، والذين يعرفونه يعرفون أنه يصعب السيطرة عليه، ولأنه قد يكون اختيار الضرورة للسيسي، لتعرض الرئيس محمد مرسي له بالاسم في خطابه الأخير، ويمكن القول إنه اختيار الرئيس الحالي له لرئاسة الأعلى للإعلام، فكان لا بد من اختيار آخر من جانب الرئيس يزيح هذه العقبة، فلا يفل الحديد إلا الحديد!
فجأة كان العزف الجماعي للأذرع الإعلامية في قنوات التلفزيون والصحف هو حاجة مصر الماسة لوزير إعلام. ما الذي جعلها ماسة؟ هم قرروا أنها ماسة، ومن كثافة الحملة كانت الاستجابة لها واختيار وزير إعلام. هذا من اختصاص الرئيس، فكان أسامة هيكل، الذي بلع الطعم وتولى مهمة الاشتباك مع مكرم محمد أحمد، الذي تم عزله ليموت بعد ذلك مكلومًا أيضًا، لشعوره أنه تعرض للإهانة، ولم يؤثر فيه طرده من نقابة الصحافيين بهذا الشكل بعد الثورة، وهو النقيب، فقد عاد بعد فترة إليها وسط هتاف: «الصحافة فين النقيب أهوه»، والذين قادوا الهتاف هم أنفسهم من طردوه، لكن التطور الجديد كان بعد هجوم مرسي عليه، وكنا نعيش استقطابًا سياسيًا مدمرًا.
وبعد التخلص من مكرم، فإن أسامة أدى كل المطلوب منه، فكان لا بد من التخلص منه، وهو الدخيل على هذه المنظومة، وقربه من الرئاسة واختيار الرئيس له سيجعل هناك سلطة جديدة تزاحم السلطة القائمة في ملف الإعلام!
وقد تصيدوا تصريحًا له وشنوا عليه قصفًا صاروخيًا في أكثر من قناة، وأكثر من برنامج، وكانت المفارقة أن وزير الإعلام لا يجد قناة، أو برنامجًا يستضيفه ليشرح وجهة نظره، وفي ظل هذه الحملة انتصرت الدولة العميقة برجالها، الذين لم يتغيروا، يتم وقف المذيع ليعود بعد قليل، فيبدو الأمر كما لو كانت حركة تنقلات من قناة إلى أخرى، واجازة قد تطول بعض الشيء، لكن المنظومة لا تنسى رجالها، والمسلماني دخل المجال الجوي من خارجها، فلا بد من حملة تقود في النهاية للإطاحة به.
إنها معركة محسومة!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية