عشت راضيا بالقسمة التي جعلتها لنفسي، وهي شيزوفرينيا، أو فصام مقصود نجحت فيه، هي أن أجعل النهار لكتابة المقالات والدراسات، والليل للإبداع في القصة والرواية. كيف حدث ذلك؟ كما قلت أكثر من مرة هي الموسيقى الكلاسيكية بالليل تحملني إلى فضاء أرحب مما حولي من حياة. دربت نفسي منذ وقت مبكر جدا ألا أقف عند الصراعات الشخصية بين الكتّاب، القائمة على الغيرة أو الحسد، رافعا شعارا سمعته يوما في شبابي في حديث ليحيى حقي، إنه حين يقرأ عملا جميلا لكاتب لا يشعر بالغيرة، بل بالأنفة، فيفكر بأن يكتب أجمل منه.
مررت بصعوبات كثيرة جدا لم تكن في انتقاد أو هجوم على رواية أو قصة لي، لكن كانت في سعي البعض إلى قطع عيشي، كما نقول في مصر، سواء في العمل أو النشر، لكنني كما كتبت يوما كنت أعود من الخارج ادخل للاستحمام، ومع المياه الساقطة عليّ والذاهبة إلى الانصراف، يسقط معها كل ما رأيته أو سمعته، وأخرج لسماع الموسيقى والقراءة أو الكتابة.
صارت بيني وبين اللاشعور صحبة تذهلني كثيرا، فكل رغباتي المكبوتة في كتابة شيء، ما تظهر في وقت ما مهما تأخر وتلح عليّ. صارت خزينتي التي أثق بها والتي تصل أحيانا إلى صدف مذهلة، منها مثلا حين انشغل بفيلم أو أغنية، يأتي ذكرهما في الرواية، أسمعهما من الغرفة المجاورة إلى غرفة مكتبي وقد صار يبثها التلفزيون. في هذه الغرفة نترك أنا وزوجتي التلفزيون يعمل معظم النهار والليل، فحين أشعر بتوقف الكتابة انتقل إليها قليلا أمام التلفزيون أقلب في قنواته. حدثت هذه الظاهرة بقوة شديدة جدا في آخر روايتين كتبتهما. إحداهما تم نشرها منذ أسابيع في دار جداول اللبنانية بعنوان «سامح الفؤاد»، والثانية لن أتحدث عنها لأنها لم تنشر بعد. أخاف دائما أن أتحدث عن عمل لم ينشر. من قبل لم يكن سبب هذا الخوف متعلقا بإمكانية سرقة الفكرة مثلا أو غيره، لكن كان متعلقا بفكرة استقرت في روحي، وهي أن الرواية أو القصة القصيرة، تظل جزءا من وجودي الخاص، حتى تخرج إلى النور، فتصبح سلعة للجميع حرية اقتنائها من عدمه. الآن اختلف الأمر فهناك من يسرقون الأفكار إذا تحدث عنها الكاتب، بل تصل السرقات إلى حد سرقة تغريدات وبوستات على السوشيال ميديا وهذا أمر للأسف منتشر جدا. بعد نشر الرواية أو العمل لا أهتم بمن يسرق مؤمنا بأن ناقدا سينتبه إلى ذلك يوما، وإن كانت هذه المسألة غائبة عن النقد حتى الآن، رغم إنها كانت جزءا كبيرا من تاريخ الأدب العربي القديم.
على أي حال السارق القاصد يقوم بمحاولة تغيير في الصياغة، تجعل ما كتبه مفتعلا، أو لا قيمة فنية كبيرة له، ولا يدرك ذلك، لم أنجرف إلى الكتابة في ذلك، إلا مرة منذ عشرين سنة تقريبا، ولم أكررها.
لن استمر في الحديث في هذا الأمر، وأعود إلى ما أريد الكتابة عنه، وهو أن تنظر حولك. منذ شهر انتهيت من رواية جديدة، فالفراغ الذي أعيشه، والوقت المتاح لي جعلني أكتب ثلاث روايات في عامين. اثنتان منها قصيرتان هما، «32 ديسمبر» التي نشرتها دار المتوسط، والثانية «سامح الفؤاد» التي ذكرتها من قبل، وبعد الثالثة التي توقفت عن الحديث عنها، صار الليل كالنهار التفاتا لما حولي. لم تعد تكفيني الموسيقى ولا مشاهدة الأفلام، فمثلي ليس مرتبطا بعمل خارج البيت، فيبدو اليوم مئة ساعة، وليس أربعا وعشرين ساعة، حتى إني لا أتوقف عن النظر إلى الساعة كل لحظة، وأرى اليوم لا يتحرك. شغلتني السوشيال ميديا والأحداث، لعلي أجد بينها ما يستحق كتابة مقال، وجدت اهتماما كبيرا في تعليقات لا معنى لها على أقوال بعض الفنانين أو أفعالهم، مثل ما قالته ممثلة هي بدرية طلبة، وكيف أنها وغيرها من الفنانين هم السادة ونحن العبيد. صرت أضحك وأتساءل لماذا كل هذا الهجوم على كلام فارغ. ألم يكن الصمت أفضل وتنتهي القصة.
أعرف الهيراركية التي تتدرج من الحاكم الأوحد إلى كل شخص، وهي بنت المجتمعات الديكتاتورية، ولا أتوقف عندها. كذلك ما فعله البعض من هجوم كبير على الفنان أحمد عبد العزيز، حين اعتذر عن التصوير مع أحد المعجبين. صار الفنان الجميل بحق محل تقييم وانتقاد، ولم يفكر أحد أن يتغاضى عن الأمر، وأن السبب لا يمكن أن يكون كبرياء منه، بل في أقل تقدير كان متعبا يريد أن يترك المكان، يحدث ذلك معي أحيانا، رغم فارق الشهرة بيننا حين أحضر ندوة، فأقول لهم تعبت من الوقوف فليكن التصوير وأنا جالس. بين ذلك كان شيئا واحدا جديرا بالاهتمام وأعجبني وهو، الدعاء للفنانة أنغام بالشفاء. أنغام التي كانت تعاني من محنة مرضية صعبة في مستشفى في ألمانيا. أنغام ليست في حاجة إلى تعريف وهي تستحق كل اهتمام ودعاء، والحمد لله عادت إلى الوطن. ليس بيني وبينها معرفة شخصية، رغم أنها سكندرية الأصل، لكني أحب صوتها وأغانيها، بل حدث يوما في نهاية الثمانينيات وكنت أعمل في الثقافة الجماهيرية، أن كنا في رمضان نقيم سرادقا في حديقة في منطقة الدراسة، نقدم فيه مختلف الفنون. كنت أنا الذي أقوم بتقديم الفنان على خشبة المسرح. كانت أنغام صبية صغيرة تأتي مع والدها فأقوم بتقديمها، وأعتقد أن هذا كان أول معرفة الجمهور بها. هذا الالتفات إلى ما حولي الذي كنت أعالجه نهارا بكتابة المقالات، صار هو الحياة ليلا ونهارا، لأنه لا توجد رواية جديدة بعد تأخذني إلى عالم أجمل، وكلما حاولت الابتعاد عن التفاهات، وأدخل في ما يحدث من سياسة واقتصاد من النظام الحاكم أجده أكثر تفاهة، رغم إنه المؤثر الوحيد في حياتنا التي لا يبدو إنها تتقدم. لا أصدق كثيرا مما ينشر من بوستات، أو أخبار لأني أعرف أن المواقع تستهدف الإثارة، لكن أصدق بعض التفاهات، مثل ما قرأته عن قرار وزير التربية والتعليم عن منع الحديث في السياسة، أو الدين في المدارس. لكنني أضحك رغم تصديقي فلا توجد مدارس أصلا غير المدارس الخاصة مرتفعة الثمن، التي يدخلها من لا ينشغلون بالسياسة، أو الدين، فهم في غير حاجة لذلك.
المدارس العامة شبه فارغة من تلاميذها، الذين يتلقون التعليم في مراكز التعليم الخاصة، كيف أعالج هذا الفراغ والعدم الذي يتسبب فيه توقفي عن كتابة الرواية أو القصة. أعرف أني رهين اللاشعور، ولا تبدو أن لي رغبة في تحقيق عمل ما، وهو يدرك ذلك، فلن يسعفني الآن، إلا إذا أحببت أن أكتب رواية فارغة الصفحات! قد يقول لي أحد انشغل بالقراءة. وهذا أيضا يربكني، فعشرات من الروايات تصلني وكذلك دواوين الشعر، وعشرات لا تصلني، ففيض الإبداع لا ينتهي، لكنني انشغل أكثر بالأعمال الفكرية. كما أني لست بناقد محترف يجعل من النقد عمله. انحاز أكثر للقراءات الفكرية، رغم إنها قد تضعني في ما حولي. في لقاء أخير لي مع عدد من الكتاب في دار صفصافة، حول كتاب أعده الشاعر سعدني السلاموني مؤسس مشروع محو الأمية البصرية في مصر، فيه مقالات طيبة عني وحافل بالصور الجميلة لي في حياتي وبلاد الله، سألت سؤالا أعيده هنا، وهو أننا عشنا نعرف المذاهب الأدبية من كلاسيكية ورومانتيكية وواقعية وعجائبية، وغيرها مما قرأناه في النقد والأدب العالمي، فلماذا لا يهتم النقاد بالبحث في ما يقرأون من إبداع عربي، عن مذهب جديد يكون أصله في بلادنا. لماذا تكون مرجعيتنا دائما أجنبية؟ هذا سؤال غائب أيضا عن النقد الأدبي، وبعيدا عن النقد وما أتصور إنه واجبه، أقرأ مئات المقتطفات عن كتّاب من العالم، يعتبرها الكثيرون عين العقل وابتسم، لأن مثلها وأكثر، وبما تحمله من معنى موجود عند كتابنا وفنانينا.
كاتب مصري