انشغل الخلق بتصريحات رئيس الهيئة المصرية للاستعلامات، المنشورة عبر مواقع مصرية (الشروق والقاهرة 24)، بينما انشغلت أنا بالبحث عن المنصة التي أُطلقت منها هذه التصريحات، لا سيما وأن بعض المنصات الإخبارية اكتفت بالقول: «تصريحات تلفزيونية»، دون أن تُسمي الوسيلة الإعلامية. وفي البحث والتحري، وقفت على أنها قناة «المشهد»!
والاسم ليس غريبًا علي، ولا أعرف إن كان غير الغريب هو اسم القناة، أم أن قناة تلفزيونية تُطلق برنامجًا يحمل هذا الاسم؟ وتصدر من القاهرة جريدة «المشهد»، التي يتولى رئاسة تحريرها زميلنا مجدي شندي. وكان عليّ اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي «عكاز الأعمى»، فأفادني أنها قناة عربية تنطلق من دبي، وتأسست في سنة 2009، لكنها توقفت بعد فترة قصيرة بدون إبداء أسباب، ثم عاودت البث في 2023!
وأدهشني أن يكون قد تم إطلاقها في هذه الفترة المبكرة، ولم تستلفت انتباهي، ثم أن يُعاد إطلاقها رسميًا قبل عامين، فلا تقودني إليها سوى مقابلة رئيس الهيئة المصرية للاستعلامات وهو يدق طبول الحرب. لكن اللافت هو ما يقوله الذكاء الاصطناعي من أن اسمها ارتبط في السابق بغسان بن جدود، صاحب قناة «الميادين» الآن، ومدير مكتب «الجزيرة» في بيروت سابقًا!
القناة المباركة: معجزة هذا الزمان
وإذا صحت الرواية، فيبدو أن الأشقاء في الإمارات كانوا حينئذ لا يزالون يجربون حظهم في منافسة قناة «الجزيرة»، وكانت هناك تجارب قصيرة العمر، من حيث الاهتمام أو الاستمرار، وقد استبد بهم اليأس فكان الإغلاق السريع لـ «المشهد»، وأنهم قبل ذلك استعانوا برمز من رموز الجزيرة حينذاك.
لكن تبدو الجزيرة معجزة هذا الزمان، وبانطلاقها ولى زمن المعجزات، ولو وضعوا على شاشته لوغو باسم آخر، وليكن «العربية»، أو «المشهد»، أو «الحدث»، وبالعاملين فيها أنفسهم، والسياسات نفسها، ومن غرفة الأخبار ذاتها، فلن تحتل مكانة «الجزيرة». وهذه أمور تحتاج لتفسير خارج المنطق، وباللجوء إلى أهل المدد، فقد يجدون رابطًا بين «الشجرة المباركة» و»الفضائية المباركة» عند مجمع البحرين. عرفت فالزم!
لست متأكدًا من صحة معلومة الذكاء الاصطناعي وبيننا مناكفات يومية؛ أكتب الرئيس الشرع، فيحوّلها إلى الرئيس الشرعي، وأكتب الرئيس السوري أحمد الشرع، فيعدلها إلى الرئيس السوري بشار الأسد، وأسأله أنا أقصد أحمد الشرع فيقول لي: تقصد فاروق الشرع؟! هذا لم يكن رئيسًا لسوريا فقد كان وزيرًا للخارجية. وبعد أخذ ورد استمر لأسابيع سألت: ومن أحمد الشرع؟ قال: حسب مقالاتك هو رئيس سوريا، لكن رئيس سوريا هو بشار الأسد! فالفتى مصرّ على نفي الشرع، يبدو أنه عضو في حزب البعث العربي الاشتراكي الوحدوي!
وإذ لم أسلّم بمعلومة أن «المشهد» في بدايتها برئاسة غسان بن جدود، فإن الذكاء الاصطناعي يؤكد أن مديرها العام الآن هو ياسر عبد العزيز. وهو شخصية معروفة، كان يكتب في الصحف المصرية، وتقدمه الفضائيات بصفة «الخبير الإعلامي». ومنذ الثورة المباركة في 30 يونيو/حزيران، لم أعد أراه عبر الشاشات، لأن الإعلام المصري وقع بالكلية في يد العسكر، وهو من مؤيدي المرحلة، لكن العسكر وباعتبارهم عالمين ببواطن الأمور في المجالات كافة، بما في ذلك علم الحقيقة، المقابل لحكم الشريعة، فإنهم لا يحبون من يُنظر عليهم، من التنظير، ومن يتحدث من موقع الأستاذية. وماذا يفعل الخبير غير القيام بدور الأستاذ؟ بل ماذا يمكن أن يقول خبير في الوضع الإعلامي المصري الراهن الذي لا يسر عدوًا ولا حبيبًا، وإن كان هو من أهل الموالاة.
أزمة العلاقات المصرية – الإسرائيلية
ما علينا، فالمتابع للعلاقات المصرية – الإسرائيلية، والمصرية – الأمريكية، بنية صافية، يستقر في وجدانه أنها ليست على ما يرام. ومؤخرًا وقعت مصر صفقة للغاز مع إسرائيل، وهي في الحقيقة امتداد لصفقة قائمة وُقعت في 2022 لعشر سنوات، فتم مد فترة سريانها في الاتفاق الجديد إلى ثماني سنوات أخرى حتى 2040، مع زيادة في كميات الغاز. بيد أن نتنياهو قرر إعادة فحص الاتفاق، معلنًا أن حكومته قد لا توافق عليه. وهو إجراء يقترب من التطبيق العملي للمثل الشائع: «رش الماء عداوة»، أي إعلان عداء!
وهو ما فسرته صحيفة «إسرائيل اليوم» بأنه ليّ ذراع مصر لموقفها الرافض للتهجير. واستضافت قناة «المشهد» ضياء رشوان، رئيس الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، وهي الهيئة التي كانت تتبع وزارة الإعلام، فانتقلت تبعيتها لرئاسة الجمهورية.
وتحدث رئيس الهيئة عن استعداد مصر للحرب، رغم كراهيتها لها، وذكر أن حرب 1973 كانت نزهة، فالآن الأسلحة تطورت، والمسافات قربت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة. وإذا كانت إسرائيل في حرب غزة حشدت خمس فرق عسكرية، فماذا تفعل في مواجهة جيوش نظامية؟!
الحروب أولها كلام، ولا نتمنى لقاء العدو. وقال رشوان إن مصر لا تحب الحرب. ولكم وددت أن يكون مثل هذا الإعلان من قناة مصرية، وأن يكون الاستعداد للمواجهة من جانب أهل الاختصاص، ولا تُترك المهمة لموظف في الدولة، ولو كان في وظيفة مرموقة، يتحدث نيابة عن الجيش والرئاسة. وقرار الحرب والتعبئة العامة، كما قرار السلام، هو اختصاص أصيل للقيادة السياسية.. ما علينا!
فلم يعد فتور العلاقات المصرية – الإسرائيلية خبرًا، وهناك ضغوط هائلة على الجانب المصري للقبول بالتهجير. وقد صرّح نتنياهو بعظمة لسانه أنه مستعد لفتح معبر رفح، لكن سيتم إغلاقه على الفور من الجانب المصري.
وهو هنا يعطي إشارة بأنه لا يمانع في دخول المساعدات، في حين أنه يدرك أن الفتح من جانبه والإغلاق من جانب مصر لأن الأمر يتعلق بالتهجير القسري. فلو رقّ قلبه واستهدف تقديم المساعدات فعلًا لفتح معبر «كرم أبو سالم» لدخول كل المساعدات المكدسة في العريش، لكنه يقصد شيئًا بعينه!
الصفقة الرابحة لإسرائيل
الإشكال أن رئيس هيئة الاستعلامات أعطى لإعلام المعارضة دليلاً على صحة اعتراضهم على استيراد الغاز من إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وأنه دعم للاقتصاد الإسرائيلي لا يليق مع حرب الإبادة التي يقوم بها ضد أهل غزة، وكأنه مكافأة له على ذلك!
لقد تحدى رشوان نتنياهو أن يُلغي الاتفاق، وهو تحدٍّ لا يعني أنه إذا فعل سيحرك الصواريخ في اتجاهه، فالتحدي لأن عليه أن يتحمل النتائج الاقتصادية فهو الخاسر. «وإذا كانت الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة تظن أن مصر ليس لديها بدائل للغاز الإسرائيلي فهم واهمون، فمصر لديها بدائل وسيناريوهات متعددة»!
لو كنت مسؤولًا في قناة «مكملين» لجعلت من هذا الكلام مادة تُذاع في الفواصل بين البرامج، فقد أكد ما تقوله المعارضة: لماذا لم تلجأ مصر لبديل لاستيراد الغاز، لا سيما في أجواء الحرب هذه؟ وها هو الكلام الرسمي بأن لديها بدائل، وأن الصفقة مربحة لإسرائيل!
إنها طبول الحرب تقرع من المشهد فلماذا لم تقرع من القاهرة؟!
أرض – جو
– تم الإعلان عن مغادرة المذيعة إيمان الحصري لقناة «دي إم سي»، وجاء في الإعلان أن المغادرة بعد تسع سنوات من العمل المتواصل في القناة، وصفتها هي من جانبها بأنها ستظل علامة فاصلة في حياتي. فمتى التحقت بقناة «دي إم سي»؟
– المحنة في قضية عبير الأباصيري، تتمثل في العلم بأنها، وهي توشك أن تقترب من سن الإحالة للمعاش، أن راتبها لا يتجاوز تسعة آلاف جنيه. وبالتأكيد أن معاشها سيكون أقل من ذلك بكثير. ليكون طبيعيًا ألا تجد في بيتها المبلغ المطلوب للمستشفى لبداية علاجها من الجلطة، وهو 1400 جنيه (أقل من ثلاثين دولارًا)، فتلقى ربها بعد ساعات من الوجود في المستشفى بدون علاج.
– لا توجد هناك إرادة سياسية لرد الاعتبار لماسبيرو، وللصحف القومية، وكل ما يحدث هو طحن بلا طحين.
صحافي من مصر