في احتفالية مُصغرة نظمها اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة، جاء الحديث عن المسرح الفلسطيني ودور العنصر النسائي فيه كنقطة محورية أضاءت الكثير من زوايا الحوار والنقاش بين عدد من المُتخصصين ونخبة من الجمهور المُهتم والمُطلع على بعض الأعمال والدراسات المسرحية الفلسطينية الخاصة بفكرة دمج المسرح كإبداع وتنوير بالسياسة، باعتبار أن كلاهما مُتصل بالآخر اتصالاً وثيقاً بحكم الظروف وما يفرضه الواقع من تحديات تجعل تفعيل الفن المسرحي ضرورة من ضرورات المقاومة.
ولأن الصراع مُحتدم منذ بداية النكبة عام 1948 وحتى الآن بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني بفصائله المُختلفة، لم يخل عرض مسرحي من التضمينات السياسية وصور المقاومة كانعكاس طبيعي للأزمات المتوالية والحروب المُتعاقبة بين المُفتري والمُفترى عليه، على خلفية احتلال الأرض والاستيطان ومُمارسات القمع والقتل والإبادة والعمليات التوسعية القائمة على قدم وساق منذ عدة سنوات، وسط صمت مُخزي وتواطؤ من دول العالم التي لم تُحرك ساكناً مُكتفية بدور المُشاهد والمُراقب عن كثب للأحداث والحوادث.
لقد اضطلع اتحاد المرأة الفلسطينية الكائن بوسط العاصمة المصرية بأداء دوره التثقيفي منذ اندلاع الحرب قبل عامين، فبقيادة آمال الأغا رئيس الاتحاد وبمعاونة بقية العناصر النسائية الفاعلة ومن بينهم مسؤول اللجنة الثقافية سونيا عباس، نُظمت عدة فعاليات سينمائية ومسرحية لتقريب الواقع الفلسطيني من الداخل للجمهور المصري، إذ لا يُمكن أن تصل الحقيقية كاملة من خلال نشرات الأخبار والفواصل القصيرة المُتضمنة بها عن معاناة الأطفال والنساء والشيوخ والشباب.
لذا تم تركيز البرامج الثقافية المعنية بالشأن الداخلي لقطاع غزة على ما يتم تصويره واقعياً وتُعاد ترجمته في صور سينمائية ومسرحية بجهود المُبدعين والمُثقفين للحيلولة دون انقطاع التيار الإبداعي الفلسطيني وانفصاله عن الواقع المُعاش بالأراضي المُحتلة.
انتصارات الفتية البواسل
ولأن الصدق هو المعيار المهم فقد جرى تجسيد الحقائق بما تحمله من أحزان وفواجع، وقد تبنت السينما جزءًا من هذه الحقائق بينما عمل المسرح على عرض الأجزاء الأخرى من المأساة بشكل تراجيدي مؤثر، كما جاء في العرض المسرحي المونودرامي «المجنونة» للمؤلف محمود عفانة والمخرج أسامة مبارك الخالدي، والذي جسدته باحترافية واقتدار المُمثلة الفلسطينية ريهام فتحي التي أدت بإحساسها الفطري الصادق شخصية زوجة أعتُقل زوجها واستُشهد ابنها فأصيبت جراء ما عانته من آلام وأحزان بلوثة عقلية لعدم قُدرتها على احتمال النكبات والكوارث واستيعابها.
وبرغم جنونها الظاهر إلا أنها تمتلك حساً وطنياً فائق الوصف، فهي تعي تماماً حجم المخاطر التي تُحيط بوطنها وما يستهدفه العدو الذي يتربص بكل شيء، الأرض والعرض والهوية، ومن ثم فهي تُمسك بخريطة فلسطين في يد وباليد الأخرى تقبض على العلم رمز عزتها وكرامتها.
وبين نوبات الحزن والبكاء تجتر تاريخ بلادها الأبية وتستعرض انتصارات الفتية البواسل، وتتذكر أمجاد ابنها المُقاتل بكل فخر، وفي نفس الأثناء تحلم بعودة زوجها من محبسه في سجون الاحتلال وتتأسى على ما صار عليه حالها وحال بلادها، لكن ثمة يقيناً يسكنها بأن زوجها راجع لا محالة، وتستشهد بالتاريخ على قوة الشعب وصلابته ولا يساورها شك في الانتصار القريب.
ليست مجنونه تلك المرأة كما يظن البعض، وإنما هي العقل ذاته، لا ريب في ما تؤكده بكلامها عن المؤامرة الصهيونية والحُلم بإسرائيل الكُبرى التي تمتد من المحيط إلى الخليج، لكن هيهات أن يتحقق الحُلم الصهيوني. كلا إنها النهاية تكتبها دولة الاحتلال بنفسها، حيث تقف المقاومة لها بالمرصاد، ولن تُمكنها من التقدم خطوة واحدة نحو مشروعها الاستعماري الطموح.
لقد استخدمت البطلة ريهام فتحي طوال الزمن الدرامي وفترة وقوفها على المسرح رمزية الصور المُعلقة على الجدران للشهداء والأبطال، كناية عن خلودهم وبقائهم في مكان ومكانة مرتفعة، فالشهداء لا يموتون لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون، ويُعزز المخرج أسامة مبارك الفكرة ذاتها بعدة دلائل درامية للتأكيد على استمرار النضال وصمود المرأة الفلسطينية، وعبثية الواقع المُضلل الذي ينظر لمن تؤمن بوطنها وتبذل من أجله الغالي والنفيس على أنها كائن مجنون فاقد الأهلية، بينما العكس هو الصحيح، ففاقدو الهُوية من المتواطئين والمُدلسين هم فاقدو الأهلية والضمير.
مونودراما المجنونة إبداع فلسطيني خاص واستثنائي لصناعة مسرحية غير متوافرة بشكل واضح في مدينة غزة الباسلة وفق ما ذكره الشاعر والفنان التشكيلي الفلسطيني محمود سعيد، لاعتبارات كثيرة تحول بين الموهوبات الفلسطينيات وهواية التمثيل على خشبة المسرح، فهناك محظورات اجتماعية تفرضها التقاليد الصارمة على الفتيات وتجعل من الصعوبة بمكان تحقيق أحلامهن في هذا المجال إلا في أضيق الحدود وفي حالات نادرة.
وهذا ما يُقلل بالطبع من اشتراك العناصر النسائية في العروض المسرحية بشكل ملحوظ ويجعل من الموهبة المُتمردة على العادات والتقاليد استثناء جديرا بأن يوضع بين قوسين باعتبار الشخصية النسائية المُبدعة فلتة من فلتات الزمن وإدراكها لغاية التمثيل محض بطولة.