المهاجر سين… كيف صار العالم بين عيني القارئ؟

شريف العصفوري روائي وكاتب قصة، ولد في مدينة بورسعيد عام 1959 ودرس الهندسة البحرية في مصر، ثم حصل على الماجستير في بريطانيا، وماجستير أخرى في إدارة الأعمال من جامعة كاليفورنيا، وعمل في دول مختلفة مثل الجزائر وغيرها. مهم أن أذكر هذه الدراسات والبلاد لأنها ستكون خلفية في أحداث روايته التي سأتحدث عنها. لشريف العصفوري روايات مهمة مثل «عودة عوليس» ومجموعات قصصية مثل «زيارة لظل شجرة».
في الأيام الأخيرة دخلت إلى روايته «المهاجر سين»، وهي رواية من خمسة أجزاء، أو «خماسية الهجرة» كما يسميها، صدر منها كتابان، الأول بعنوان الخماسية «المهاجر سين»، والثاني بعنوان» المهاجر سين.. قريب من الحلم»، ويضم قسمين.. عن مهاجر سافر ليحقق حلمه في هوليوود، بتصوير فيلم سينمائي.
الكتاب الأول الذي يضم القسم الأول، يشكل الخلفية السابقة «للمهاجر سين»، الذي من الإشارة إليه بحرف «سين» لا يكون مجهولا كما تتصور، لكنه رمز لكثيرين غيره. تدخل رحلة حسية تكاد تكون ملموسة ومرئية مع الأماكن والبلاد. يضع أمام كل مكان سنة الكتابة حوله، فالأول «القاهرة 80» والثاني «دهشور 82» والثالث «برينتوود 85» والرابع «بورسعيد 67» والخامس «فان نيس 86» والسادس «الحسين 78 « والسابع والأخير «الجزائر 74». تلاحظ هنا العودة أحيانا في الزمن، فالأماكن تستدعي بعضها. حين تقرأ تعرف أن هذه الأماكن وما جرى فيها هي التي حددت رغبة الهجرة ومسارها. «في القاهرة 80» هو طالب جامعي يصور لك الحياة في الجامعة والتعليم والغراميات، والجو الأمني المحيط، حتى بمحلات طبع الأوراق والتليفونات. فتيات وشباب كثيرون يقابلهم يملؤون فضاء الرواية، في صور فنية مدهشة لأحلامهم، أو سلوكهم، بينهم «عزة» التي مات أبوها حزنا على وفاة ابنه الملازم طيار في حرب أكتوبر/تشرين الأول، والتي سيكون لها حضور يحدد عمله في هوليوود في ما بعد. تفاصيل المكان الذي عاش فيه في القاهرة، وهو عيادة عمه التي هجرها إلى لندن. الرؤية للأماكن والناس والأصدقاء مذهلة في تجسيدها. لقد صار هو في كلية الفنون قسم التصوير السينمائي، فكيف لا يأتي ذلك كله مصورا! تأتي مرحلة التجنيد في «دهشور82» فيستيقظ المكان بآثاره المصرية القديمة، وأحلامه هو أن ينتهي من التجنيد، وما فعله من خطأ وصواب من أجل ذلك، وما تعرض له من تحقيقات في المخابرات، بين ذلك المعارض الفنية في القاهرة، وما أقامه هو من معارض، سبّب أحدها غضب الأمن، لأنه كان على سور الكلية الخارجي. كيف التقطه الفنان فاروق إبراهيم وهو فنان معروف في الصحافة، فعينه في جريدة «الأهرام».


يأتي الفصل الثالث لتجده في لندن ليحقق حلمه كمصور سينمائي، وهناك لم تعجبه لندن ونظرة الإنكليز المتكبرة فيرحل إلى أمريكا يبحث عن عمل. في حي «برينتوود» في هوليوود سنة 1985 يلتقي بمدير استوديو كبير. يفاجأ « سين» بأن الرجل يسأله عن موقفه من أصحاب الديانات الأخرى. يجيبه إنه في أمريكا لا يفكر في ذلك. يخبره الرجل إنه إسرائيلي كان مقاتلا في حرب أكتوبر ضد المصريين وقتل منهم. ويحكي له قصة طيار مصري وزميله الطيار الآخر، وكيف قتلهما. يكتشف أن الطيار الذي قتله هذا الإسرائيلي الذي يذكر له اسمه، هو عزت صابر خضر الذي مات أبوه حزنا عليه، وأخو «عزة» حبه الذي تركه خلفه. يترك المكان بحثا عن مكان آخر، وهنا تقفز «بور سعيد 67» كرد فعل طبيعي لما سبق. ذكريات الحرب مع إسرائيل عامي 56 و67 وهجرة أهلها وعائلته وهو ما زال طفلا، وأحداث يومية حافلة بالغرائب تراها أمامك. يعود بك إلى هوليوود التي صار فيها، وإلى حي «فان نيس عام 86» وعالم السينما الذي يريد دخوله. أصدقاؤه في سكنه الجديد في فان نيس. الفتيات اللاتي قابلهن، وحياتهن الخارجة عن المألوف التي قراءتها في الرواية أفضل من حديثي عنها لأنه لن ينتهي. يأتي الحنين إلى مسجد الحسين وعودة سنة 1978 والطقوس الدينية في مصر كرد فعل مقابل لما رآه. تستكمل الرحلة إلى الجزائر مع أسرته عام 74، وفيها أحب المسرح والتمثيل في المدرسة، وبصفة خاصة مسرحية «ماكبث» لشكسبير، التي قام فيها بدور ماكبث، كأنه كتب عليه أن يعيش ذلك في ما بعد.
يأتي الكتاب الثاني المكون من قسمين الثاني والثالث في الخماسية. في القسم الثاني الذي عنوانه «السينما» يرى العالم من خلال الأفلام التي صار يشاهدها في هوليوود. نقلة جديدة في الشكل الفني للرواية، تعبر عن قدرات البطل العقلية ومشاعره، وبراعة المؤلف في بناء شكل جديد للرواية. نجد صورا مع كل فصل عن فيلم من ثمانية عشر فيلما. منها «نهاية العالم الآن» و»الخروج من افريقيا» و»قبلة المرأة العنكبوت» و»كائن لا تحتمل خفته» و»الرقص مع الذئاب» و»خلاص شوشانك» و»إنقاذ الجندي ريان» وغيرها. العالم الذي يراه من الأفلام ليس في أمريكا فقط، لكن ما يحيله إليه في مصر والعالم كله. إلى جانب المعرفة الرائعة عن كل فيلم وظروف ظهوره واستقباله من الجمهور والنقاد، وحتى ميزانيته ومكسبه أو خسارته، والجوائز التي رشح لها، مثل الأوسكار، وما فاز به منها. لكن هذا لا يعني تاريخا ولا تأريخا للسينما فقط، لكن يعني رؤيته للعالم والحياة. بين ذلك كفاحه من أجل الوصول إلى صناعة فيلمه هو، والأعمال التي قام بها، ورواتبه وتفاصيل فن التصوير التي تعكس معرفته الرائعة به.
قضايا في عالم السينما مثل ما يعرف «بكنبة التشغيل» التي انفجرت في العالم عام 2019 بالدعاوى الجنائية ضد هارفي واينستين عملاق صناعة السينما الامريكية، والتي كشفت المدخل البشع للعمل، الذي يخضع فيه غالبية نجوم السينما، إلى الامتثال لرغبات المخرج أو المنتج الجنسية مع النساء أو الرجال. كيف أفزعه هذا الاكتشاف الأخلاقي الذي شغل العالم مع «حركة أنا أيضا» «MeToo Movement»، التي أعلن فيها بعض الممثلات أنهن تعرضن لاغتصاب وابتزاز جنسي من قبل هارفي واينستين، وكيف حكم عليه بتسعة وثلاثين سنة سجنا. تأتي الأحداث لتظل تشعر بأنه يعيش ما حوله بكل جوانبه، لترى العالم والغائب فيه، وكيف كانت هذه الأحداث كوابيس له، لكنه يستمر في التقدم في عمله، وتتوالى الأفلام التي يتحدث عنها التي تلخص جوانب كثيرة من العالم، سواء في البشر أو الحكام أو الحكومات. هنا الرواية ابتعدت شكلا عن المكان الذي كان مصدرها في القسم الأول، لتكون الأفلام هي مصدر حياته ورؤيته، وهذا أمر جديد في الكتابة. ومع كل فيلم يُثار كثير من القضايا حول العالم يطول ذكرها وأين نحن منها، من غير خطاب سياسي مباشر، لكن مقارنة وتصويرا للأحوال بين الماضي والحاضر أيضا. في الحقيقة هذه مغامرة لافتة على غير ما تعودنا، أعني أن تكون الأفلام مصدر رؤيتنا للعالم، تظهر فيها معرفته العميقة بالسينما كفن بكل أدواتها، حتى التغيير في الرواية الأدبية الأصلية. صارت الأفلام هي النوافذ التي يطل منها على العالم ورحلته في الهجرة.
يأتي القسم الثالث تحت عنوان «الألوان» وكيف تعكس الألوان الرؤية للعالم، كما يرى هو كمصور وصانع للصور، وفيه أيضا عودة إلى مصر وزواج ثم عودة إلى الأفلام، ولا تنتهي الحكايات مع النساء وغيرهن هنا أو هناك. بينها تقدمه في عمله بالتصوير، فصار المصور الرسمي لحي بيفرلي هيلز، أنتج العديد من الكتالوجات الدعائية، أو الإعلانات لشركات أو منتجات، سواء بالتصوير الفوتوغرافي، أو الفيديو، لكن يظل الشغف الحقيقي أن يمسك بكاميرا السينما. تقفز هنا الألوان كالأرجواني والأبيض والأسود والأصفر وغيرها لتعيد العالم. وتتداعي دائما مصر وما حدث فيها من ثورة يناير/كانون الثاني، أو خلع الرئيس مبارك أو غيرها. هكذا تكون المحطة الثالثة بعد المكان والسينما هي الألوان، تدعيما لبناء فني جديد يستحق الاحتفاء والاهتمام، وفي انتظار القسمين الأخيرين من هذه الخماسية الملحمية الصورة والبناء والأحداث.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية